شكلت مواقع التواصل الاجتماعي امتدادا مقطعيا للذات، فالإنسان في بحثه الدائب عن الذات يجد في هذه المواقع ذاته من خلال التواصل مع الآخرين، وهي العلاقة البدهية والضرورية في اكتشاف الذات المشروط في العثور عليها بالآخر. فالأنا يصاغ معرفيا – اجتماعيا وانسانيا بل وجوديا من خلال الآخر.

تقول الرواية الدينية ان آدم شعر بالوحشة في الجنة حين كان بمفرده قبل خلق حواء، والوحشة النفسية عبارة عن الإحساس بضياع الذات، لأن الأنا في عالم آدم الخاص كانت لم تظهر لها ذاتها في مرآة الآخر والآخر هنا حواء، وتمضي الرواية أن آدم شعر بالسعادة وانجلاء الوحشة النفسية حين ظهرت حواء أمامه لأن ذاته من خلال الآخر ظهرت أمامه، ووجد امتداده الكامل في ثنائية التواصل في أحضان الطبيعة – الجنة، ومنذ هذه اللحظة صارت الثنائية هي ثيمة التواصل النفسي والاجتماعي لدى الانسان، لكنه تواصل حقيقي لان فضاءه المنتج له والمستوعب له هو الطبيعة الذي كرست هذا التواصل وفرضته كضرورة تاريخية في تحولات العلاقة بالطبيعة، وبعد انفصال الانسان عن الطبيعة باجتراحه أنظمته الثقافية والاجتماعية ومن ثم السياسية، لكن التواصل بين الذات والآخر احتفظ بضرورته الوجودية في كل سيرورته التاريخية اللاحقة التي اكتسبت بعدا حتميا في ضرورته الاجتماعية والاقتصادية.

واذا كانت الذات تشعر أو تؤدي تكاملها في عالم الطبيعة قبل عصر الصناعة الذي يعد بمثابة انفصال هوياتي عن الطبيعة، فانها بدأت تشعر أو تدرك حقيقة الاختزال الذي مرت به في السيرورة التاريخية للمجتمع الصناعي الذي رهن الانسان بالآلة وتحول الى أداة انتاج مثله مثل كل الوسائل الممكنة في الإنتاج، وقد تحول الأنا – الشخص الإنساني في تلك اللحظة الى شيء مجرد في نظر الآخر – الصناعي – الرأسمالي فصار ينقصه التواصل مع أرباب الإنتاج وأرباب المصانع الذين جردوه من روحه وانسانيته لاسيما مع محاولات تأصيل العدوانية في الذات البشرية التي انتجها الفكر الرأسمالي –هوبز ونيتشه وفرويد ودارون- وحينها شعر الانسان بكل ذلك الاختزال في تحولات السيرورة الذاتية – الإنسانية والتاريخية.

لكن الانسان لم يصمت أو يستكين أمام هذا السلب للذات والاعتداء عليه في الاختزال المعنوي والمفهومي الممارس بحقه صناعيا ورأسماليا وتحويله الى شيء مجرد أو تشييئه، فابتكرت ذات الانسان مفهوم الثورة، وهو مفهوم ملاصق للمجتمع الصناعي أو لعصر البرجوازية، فلم تكن الشعوب في التاريخ القديم تسقط أنظمتها وحكوماتها وانما يتم دائما اسقاطها بواسطة الغزو الخارجي، وانما اجترحت الشعوب الحديثة فكرة الثورة واسقاط أنظمتها بعد تطورا ت الصناعة وتطورات البرجوازية التاريخية، وكانت نقطة الانطلاق فيها تاريخيا الثورة الفرنسية لكن الفكر البرجوازي ابتكر فكرة حقوق الانسان وسعى الى تأصيلها دستوريا وسياسيا في محاولة منه لاستيعاب آثار الثورة، وهنا يصب تصنيف ماركس لمبادئ حقوق الانسان في الفكر البرجوازي.

ورغم التوجه الرأسمالي الى توطيد مبادئ حقوق الانسان كما نشاهده في أطروحات أميركا والغرب بشأن أوضاع السياسة والانسان في العالم، إلا أن السعي الرأسمالي لم يكف عن محاولته المستمرة في اختزال الانسان، لان البعد الاختزالي الممارس رأسماليا بحق الانسان خارج عن إرادة الانسان وعن قرار الانسان، فهو ينتمي الى قرار المال وقرار التكنولوجيا التي تختفي فيها الروح أو الإحساس المغذي للحياة بما هي قيمة عليا فتكون تشييئا مطلقا تسعى الى تشييئ كل الطبيعة من حولها، فهي أشياء في نظرها مربحة بعد ان كانت قبل عصر الرأسمال والصناعة أشياء منتجة.

وامتد التشييئ الى الانسان باختزاله مجددا الى شيء مربح في عمله، في فكره، في فنه، في كل إمكاناته، فبلورت مفهوم النجومية ليكون النجم المثل الأعلى للاستهلاك المادي والصناعي الذي تم ترويضه بهذا الاستهلاك واختزال مفهومه بأنه كائن مستهلك، وفي تلك الصناعة صار الانسان الحديث مستهلكا لذاته في النجم – الآخر بعد ان امتهن النجم السينمائي والرياضي وعارض الأزياء أو عارضة الأزياء صناعة الذات المستهلكة له في تقمص أدوراها وانتاجها في الفن والرياضة وعالم الأزياء، وعلى المدى الابعد كف الانسان بهذا أن يكون منتجا لذاته أو صانعا لعالمه الخاص به، بل ظل يجد معيار ذاته المجتزأة في هذا النموذج الحديث للذات الحديثة.

وفي زحمة هذا الضياع للإنسان – المُستَهلك الذات وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية فرصة لإعادة صياغة الذات الحديثة من خلال التواصل مع الآخر الذي وجد في تكوين الثنائية الفيسبوكية والتويترية انتاجا طارئا ومُعادا لذاته، فهو يستحضر منشوره ليحصل على عدد من اللايكات – ملاحظات الاعجاب والتفاعل والتعليق الذي يؤكد حضور الآخر في طرف فضائه الخاص مما يمنحه القدرة على الإحساس بالذات والشعور بالرضا إزاء وجوده الخاص الذي هددته تقنيات المجتمع الصناعي وفضاء العولمة الزاحف بإرادة الرأسمالية والهادف الى احتواء الذات الشخصية في سديمية المجتمع ذي البعد الواحد، المجتمع الذي تصنعه التصاميم التجارية والاعلانات الدعائية والرغبة النفسية والكمالية وليس الحاجة الضرورية وهنا يختفي انتاج الذات بشكل ممنهج وبتصميم العولمة المسبق.

لكن الى أي مدى يستطيع الانسان ان يجد ذاته في مواقع التواصل الاجتماعي؟

الآخر المتصل مكانيا وزمانيا يشكل البعد الثالث بعد الأنا والزمكان في وجود الذات مدركة، أو انتاج الذات إدراكا في عملية التواصل، أما المكان المنفصل والزمان المنفصل فانه يفقد اتصال الأنا والآخر بالزمكان قالب الواقع وفضائه الملتحم بحقيقة الوجود لهذا الواقع، فالصداقة نوع العلاقة بالآخر تنشأ في حاضنة الزمان لاسيما الزمان المبكر للإنسان في مرحلة المراهقة والشباب ويستقطبها أو يجمعها المكان المستوعب للعيش الجماعي في مديات القرية والمدينة وفضاءات الحاضر من المكانات المتعددة، ويعد كل ما خلا من الزمان والمكان عالما افتراضيا خياليا لأنه يفتقد قالبي الواقع المكان والزمان، وبهذا فهو غير قادر على توفير فرصة العثور على الذات في البحث الدؤوب عن الذات الذي يشكل هوية السيرورة الوجودية للإنسان في تاريخه الكلي والشخصي.

وحين تكون العلاقة بالآخر على مواقع التواصل الاجتماعي فان هذه العلاقة تنتمي خارج الزمكان البعد الثالث في تحقيق أو تجلي الذات وبذلك فإنها تشكل فعلا عالما مفترضا من ناحية المفهوم وافتراضيا من ناحية التعامل والتواصل، لكنه عالم قائم وتنتاب أطرافه مشاعر واحاسيس التواصل وأحيانا اللقاء بالذات الذي تدبجه صفحات التواصل الاجتماعي لكنه يفتقد الى انتاج الذات في الواقع، فما ان ينفصل الأنا في لحظات الانقطاع عن هذا العالم الذي تقسر ظروف وضرورات الواقع على الانقطاع عنه حتى تشعر الأنا بضياع الزمن في هدر انتاج الذات.

ولحظة التواصل هي مقطع حكائي مر بالذات في لحظة تواصلها الطارئة تلك و حكائيته ترجمة لواقعه الهلامي فهو مجرد حكي غير منتج للذات بشكل واقعي لكن مقطع للذات تتحرك فيه تحكي أناها بشكل مقطعي مما يحيل الى مقطعية الذات المتخيلة في هذا العالم من التواصل المقطعي وتخيلها بحكم عالمها الافتراضي هو الذي يحيل الى مقطعيتها، والذات هنا تظل مقطّعة بين عالم واقعي تعيشه وبين عالم افتراضي تتخيله وتكسبه بعدا ملموسا من أجل تحقيق مقطعي مجتزأ للذات.

ولعل الوضع الساكن للذات امام صفحات التواصل نتيجة المكننة والتقنية التي تفضي الى انعدام الحركة في التعامل الحاسوبي هو الذي يسهم أيضا ولعله الى حد كبير في تعطيل انتاج الذات الذي يشترط الحركة في عمليته وعملية التواصل الطبيعي – الواقعي، بل أن هذه المواقع في التواصل الاجتماعي الافتراضي مارست آلية التقطيع للعالم عبر صناعة التوتر في العلاقة بين الدول – ترامب نموذجا – وتقطيع العلاقة بين مجتمعاتنا ودولها وليس مع أنظمتها فحسب ووفرت فرصة لا تقدر بثمن للحركات الأصولية والارهابية في تقطيع أوصال مجتمعاتنا بل المجتمع الإنساني عامة عبر بث الفكر المتطرف من خلالها وايهامات مواقعها بصنع عالم ديني خيالي – افتراضي تقوده أوهام اللاواقعية وشعارات عالم افتراضي أكثر وهما مما تصنعه مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد تخطت آثار مواقع التواصل الاجتماعي ضياع الذات في هذه الحلقة من تأثيراتها الى الضياع السياسي والاجتماعي الذي تعرضت له مجتمعاتنا ودولنا وفيه تقطعت ذاتنا الاجتماعية بشكل كارثي.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018 Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14