الديمقراطية ذلك الكائن السياسي الطارئ على حياتنا بعد انقضاء القرن العشرين ومحاولته الهيمنة على بوصلة التفكير لدينا، وقد تغلغل فعلا في حياتنا واشتبكت رغباتنا به وتواشجت الصلة بين أقلامنا وبينه، لقد كان طارئا رغم أننا قد عرفنا أفكاره وقرأنا خطوط أقلامه قبل وروده الينا أو توريده لنا، وهنا تكمن مشكلته في أنه ليس كائنا ثقافي -اجتماعيا امتلك مؤهلات النمو في حياتنا، لذلك ظل طارئا بفعل عملية التوريد الذي جاءت به الينا، فالكائن الديمقراطي يتكون وينمو في رحم النقيض الثقافي للأمم والحضارات التي نمى وتكون فيها واستطاع ان يمارس النفي للثقافة النقيضة له، بينما هو لم يمارس دوره في نفي النقيض في ثقافتنا وهو ما عزز من المواجهة الداخلية تجاهه التي أبدتها ثقافتنا ولم تكتف بنفيه أو بالأحرى لم تمارس هذا النفي للديمقراطية بل حاولت تجيير الديمقراطية والاستحواذ عليها.

وقد استغلت الوظيفة الشكلية للديمقراطية التي بدت ممكنة في ظل خلو الديمقراطية من المضمون المحدد لهويتها، أو هكذا سوقت لمفهوم الديمقراطية باعتباره شكلا آليا لبلوغ السلطة ولا تشترط الديمقراطية معايير أو مضامين محددة للسلطة في تاريخها، وقد نجحت ثقافتنا السياسية في بعض المفاصل في مهمتها تلك ولم تكن تلك المرة الاولى التي استغلت فيها الديمقراطية بهذا الشكل من الممارسة المتعمدة في توظيفها للوصول الى السلطة. فقد وصلت النازية الالمانية الى الحكم في المانيا في ثلاثينات القرن العشرين، وكذلك وصلت بواسطتها الفاشية الايطالية الى السلطة في ايطاليا، بل تشكل الديمقراطية في كل تاريخها إمكانية التطابق مع كل ايديولوجيا تسعى الى السلطة ومن ثم امكانية التطابق مع كل نظام او هيئة سياسية تتسلم مقاليد الحكم في الدولة، وهو يعود الى توفير أجواء الديمقراطية امكانية الوصول الى السلطة.

هكذا يبدو المفهوم الشكلي للديمقراطية بإناطته بآلية او وسائل الوصول الى السلطة، وهو ما أثار تحديا فكريا لمفهوم الديمقراطية، وبملاحظة التغييب القانوني والسياسي للأقلية السياسية فقد عدها البعض أحسن ما في الأنظمة السيئة.

ويظل مفهومها خاضعا بشدّة الى بدايتها التاريخية والتأسيسية لها والتي لم تحدد تلك اللحظة التاريخية مفهومها بدقة رغم انها حددت مفهومهما الشكلي، وأقصى مفهوم لها هو حكم الشعب وتداول السلطة بشكل سلمي، وهي مستوحاة من المفهوم الاغريقي الاصلي للديمقراطية لكنها لم تحدد معاييرها الايديولوجية ومضامينها في المذهبية السياسية – مذاهب السياسة -.

لقد كانت بدايتها التاريخية الحديثة في مواجهة الملكية – المبدأ، أو مواجهة النظام الملكي في القرن التاسع عشر الميلادي وفق كارل شميت، وقد بدت هذه الموجة من الديمقراطية على صعيد الفكر والثقافة في اوربا في القرن التاسع عشر غير طارئة على الساحة الاوربية بل هي نتاج تطور فكري وتحول ثقافي على الصعيد العملي بعد الثورة الفرنسية وتشكيل النظام الجمهوري الفرنسي الذي كان فاتحة لسقوط الانظمة الملكية أو تحويل مساراتها باتجاه الملكية الدستورية تحت ضغط الحركة الديمقراطية في ذلك العصر الذي كانت تتنامى فيه أفكار التقدم والتطور وتنامى فيه الحديث الاوربي عن السعادة التي يوفرها التقدم الذي ينجزه العلم ويدعمه المال المتنامي بتطورات الثورة الصناعية الثانية وتشكلات الرأسمال الحديث، مما أكسب قناعة لدى الاوربيين بالمقارنة المستمرة في القرن التاسع عشر بين الديمقراطية وكل هذا التحول الاقتصادي والثقافي، بل طرأ تحول جدير بالملاحظة على مفهوم الديمقراطية هو اقترانها بالتقدم والتطور، وهو ما لم يعهده المفهوم الاغريقي للديمقراطية مما جعل هذا التحول يمس جوهريا مضامين ومعايير الديمقراطية الحديثة وتحولها الى ثقافة مجتمع يجسّر من خلالها علاقته بالدولة.

وعلى الضد مما يذهب اليه الكاتب الالماني كارل شميت من أن الديمقراطية فقدت مضمونها بعد اختفاء الخصم التاريخي لها وهو الملكية – المبدأ، أو النظام الملكي في القرن التاسع عشر فالمضمون الحديث للدولة هو مضمونها وشكلها الديمقراطي، وبهذا فالدولة الحديثة حصرا تتشكل بالمضمون الديمقراطي، وعلى الصعيد الشكلي تخطت الديمقراطية الحديثة مفهوم النخبة الحاكمة الذي كانت تتمسك به الديمقراطية الاغريقية وحرمانها لفئات عديدة من الشعب من المشاركة السياسية، بينما فتحت الديمقراطية الحديثة مجال المشاركة في صناعة النظام السياسي امام فئات الشعب كافة، لكن الشعب كافة لا يمكن له أن يشارك في الصناعة السياسية مع مبدأ الأغلبية الذي تستند اليه الديمقراطية، فالأقلية مفهوما ومصداقا هي نتاج الفكر والممارسة الديمقراطية، ولم تعرف المجتمعات التاريخية فكرة الاقلية الا من خلال الديمقراطية، وهنا ظهرت فكرة التوازن وهي واحدة من اهم التحولات التي طرأت على مفهوم الديمقراطية وعرفت بمبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وهو نوع من التوازن الذي فرضته تحولات التاريخ الاوربي، وكذلك اللامركزية التي وسّعت من المعنى الديمقراطي في توازنه الديمغرافي والمناطقي.

وهناك من يرى ان العلمانية هي توازن بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، لكن الحقيقة هي انتقال السلطة من الهيئة الدينية الى التصورات والاهتمامات الدنيوية، وهي وظيفة الديمقراطية من تمكين الشعب من السلطة التي هي قرينة الدنيا في التفسيرات التقليدية لها أي للسلطة. ومن صور التوازن التي ابتكرتها الديمقراطية الحديثة هو صوت المعارضة في البرلمان الذي يظل يشغل مجرد وظيفة شكلية من اجل تمرير المضمون الديمقراطي في الاختلاف والاعتراف الرسمي والقانوني بالأقلية، وهي طريقة التوازن الديمقراطي بواسطة هذا الاعتراف، ومثال ذلك الديمقراطية البريطانية وهي من أرسخ الديمقراطيات في العالم.

ويظل الاختلاف شكليا من الافكار المهيمنة على الشكلية الديمقراطية التي تظل مضامينها خاضعة الى افكار وايديولوجيات القائمين عليها، وهنا يكمن الخطر بعمق في الديمقراطية حين تنحرف مساراتها الفكرية والثقافية أو ما يشكل مضامينها السياسية والايدلوجية، وهي التي لم تتشكل منها ذاتيا بل بتوجيه القائمين عليها وهي مسارات الديمقراطيات التقليدية، كما حدث مع صعود التيارات اليمينية والاصولية الى السلطة والاستحواذ على الحكم بالوسائل السلمية التي هي أحدى أهم شكليات الديمقراطية التقليدية ومظاهرها المعبرة عن اشتغال الديمقراطية في المجال السياسي، وهو ما يشكل ارتدادا خطيرا في التحولات التاريخية الديمقراطية، بل ان هذه الوسائل وفرت لهذه القوى فرصة ميسرة للوصول الى السلطة لاسيما بواسطة المال الذي تتوفر عليه القوى اليمينية وبمختلف اتجاهاتها الدينية والسياسية في العالم.

فرجل الأصولية المسيحية واليمينية السياسية الاميركية الرئيس ترامب هو من ذوي النفوذ المالي والتجاري الكبير في الولايات المتحدة الاميركية، وتتوفر جماعة الاخوان المسلمين في مصر الممثلة للاصولية الاسلامية على امكانات مالية كبيرة بدعم دولة قطر والمال السياسي المخصص لها من هذه الدولة اضافة الى امكاناتها المالية الخاصة. فالمال يشكل أداة رئيسية ومهمة في الوصول الى السلطة بالوسائل السلمية في حالة التوسع بالمعنى في الوسائل السلمية التي تتبناها الآلية أو الشكلية الديمقراطية التقليدية، ثم يأتي دعم الحملات الانتخابية بالوعود التي تنسجم وعواطف الجماهير بتأثير الازمات التي تمر بها البلاد لاسيما الازمات الاقتصادية والأمنية والتي تجعل الجماهير تسير تحت تأثير عواطفها وضغط الاحتياجات النفسية الى الأمن والاحتياجات الظرفية والمعيشية الى اقتصاد متين ومنتج.

وهو ما استغلته وتستغله القوى المتنافسة بقوة في التأثير على الرأي العام من أجل ضمان قوة التصويت لها مما يؤشر غياب الوعي المتضمن في الموقف أو الاداء الديمقراطي الشكلي في كلا الحالتين، لكن لا يعني هذا هيمنة هذا الغياب على العملية الديمقراطية، انما يعني امكانية تفريغ الاهمية الديمقراطية في شكليات التداول السلمي للسلطة وهلامية أو تجريدية فكرة حكم الشعب بنفسه وامكانية التضليل والخداع المتوفرة فيها كما حدث ويحدث في التجربة الديمقراطية العراقية بعد العام 2003 م.

وبالقدر الذي تخلو فيه الديمقراطية من امكانية التضمينات الفكرية والايديولوجية أو خاصية الوعي الذاتي للديمقراطية لكونها ليست مذهبا سياسيا أو ايديولوجيا سياسية مما يحيل الوعي الى نطاق آخر هو الوعي الذاتي للناخب وهو الذي يكافأ المضامين او التضمينات الغائبة ذاتيا في فكرة أو نظرية الديمقراطية، وتتحول تلك التضمينات أو الوعي السياسي والايديولوجي الى فكر الناخب وتفريغ تلك الأهمية الفكرية أو المحتوى الايديولوجي في الشكلية الديمقراطية، وهي عملية ضرورية وشرطية في النجاح الديمقراطي الحقيقي,

وهو ما يضعنا امام عبرة اجتماعية وسياسية بأن الديمقراطية لا تشكل حلا سحريا أو أداء شكليا قادرا على رسم وتحديد خطوات الخلاص الاجتماعي والسياسي، وهو ما روجت له القوى أو التصورات الديمقراطية الاميركية ووضعت العالم أمام ديماغوجية ديمقراطية فاقدة لكل مضامين الخلاص الحقيقي، وفاشلة في قدرتها على تجاوز آثار الأزمات التي مرت بها المنطقة، بل ان الحل يكمن في تضمينات الوعي لدى الناخب ومضامين الايديولوجيات التي تقود العملية الديمقراطية الحديثة، اضافة الى ضرورة النضج الثقافي لفكرة الديمقراطية في مجتمعاتنا التي لازالت في طور التكوين السياسي والتي يتحتم عليها قطع مراحل اخرى ومنتظرة في عملية التحول التاريخي التي يشهدها عالمنا وتمر به منطقتنا.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق
حامد الجبوري
كتب فأبدع
تحليل رائع جداً
نعم التجربة الديمقراطية في العراق هي ديمقراطية الشعارات دون الشعور ديمقراطية العبرة لا الاعتبار ديمقراطية الشكل لا المضمون، ويعود ذلك الى قلة الوعي المجتمعي بالديمقراطية كنتيجة لعدم ممارسة هذا النوع من الحكم بل ظل يرزح تحت نيران الاستبداد والايمان بتنفيذ مايأتي من الأعلى وما على الأسفل إلا التطبيق.
اي اصبح المجتمع لايفكر بل لايخطر على باله شيء أسمه الحقوق السياسية ويفكر في التنفيذ فقط ويتحمل الاثار مهما كانت، وهذا ما نتج عنه تصلب وعدم مرونة مجتمعات المنطقة في كيفية التعامل مع الديمقراطية فارتدها كرهاً او طوعياً، شكلياً فقط.2018-05-28

مواضيع ذات صلة

0