اواخر العام 1918 سافر الامير فيصل بن الحسين الى باريس، بقصد حضور مؤتمر الصلح الذي عقد مطلع العام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، والمعروف بمؤتمر فرساي. ذهب فيصل بصفته قائدا للثوار العرب وابنا للشريف حسين، ملك المملكة الحجازية، التي انطلقت من ديارها الثورة العربية في العام 1916 وانتهت بتحرير دمشق التي دخلها فيصل مع جمع من الثوار العرب الاخرين. كان هدف الرحلة تثبيت الوعود التي قطعها الانكليز للشريف حسين، بإقامة الدولة العربية الكبرى بعد طرد العثمانيين. وحين طلب فيصل من والده الوثائق المعروفة بـ "مكاتبات حسين - مكماهون" اجابه والده بانها موجودة في وزارة الخارجية البريطانية!

بعد ان وصل الامير الى باريس، وجد ان الوجوه غير مرحبة، وان محاولات جادة جرت لإشغاله عن حضور المؤتمر، وقد انتهت الرحلة من دون ان يحقق فيها الامير شيئا مما وعد به الانكليز والده. ثم سارت الامور بالقصة المعروفة في سوريا، وقبلها في الحجاز التي خلع منها الحسين وابنه الملك علي، مثلما خلع الامير فيصل عن عرش سوريا بعد بضعة اشهر من جلوسه عليه، ليستقر به المطاف ملكا على العراق، ويغلق ملف الدولة العربية الموحدة الى اليوم.

لم يكن الامير فيصل ولا والده يعرفان ان الكبار، وقتذاك، الانكليز والفرنسيين، تقاسموا النفوذ في المنطقة، ووزعوا الادوار، وقطّعوا الارض حسب هواهم، وان المؤتمر جاء على خلفية تفاهمات كاملة وشاملة، لشكل المنطقة ومستقبلها. كان من بينها ان تكون سوريا للفرنسيين والعراق للبريطانيين، وان خارطة المنطقة رسمت بإرادة الاقوياء، وهذا هو منطق السياسة دائما.

الاوضاع اليوم في سوريا، تعيد الى الاذهان ذلك الماضي القريب، فبعد اندلاع الازمة، كانت تركيا تعتقد ان ثمن تدخلها لصالح الاميركان، هو حكم اخواني، واخذت تعد العدة لذلك. اما ايران فكانت تخشى من تداعيات الازمة على نفوذها في سوريا والمنطقة، وارادت ايضا قطع الطريق على منافستها التقليدية تركيا بقضم هذا النفوذ او التمدد على حسابها، وهكذا انغمس الطرفان في الازمة، بوجهتي نظر متعارضتين تماما، من دون ان يدركا ان حساسية هذه المنطقة للكبار، لا تسمح بان يكون لدول الاقليم الدور الحاسم في رسم خارطتها خارج حساباتهم. ومن هنا جاء التدخل الروسي في العام 2015 ليضع الجميع امام استحقاقات جديدة، ويعيد رسم الاوراق، لكن بتفاهم مسبق، بين واشنطن وموسكو. لم يكن دخولا عفويا او حماسيا، كما يتصور البعض، او انه حصل بصيغة التحدي للاميركان وتقويض نفوذهم، لان تصادمهما عسكريا يعني ضياع العالم باسره وليس سوريا وحدها. والتفاهم هنا لا يعني ترحيبا اميركيا بروسيا، بل تقديرا لمصالحها وثقلها الدولي.

مفهوم للروس والاميركان معا، ان يعترض الاتراك على اقامة الدولة الكردية. والامر كذلك مع الايرانيين، الذين لديهم المخاوف نفسها. لكن ان يتجاوز اعتراض البلدين قضايا ذات طابع استراتيجي تتصل بالأمن القومي لأي من الاميركان والروس، فهذا امر يجب ان لا يحصل. فالروس يعترفون باسرائيل ولهم معها علاقات طبيعية، ويرفضون تدميرها من قبل اية جهة. والاتراك يعترفون بإسرائيل ايضا، لكنهم يختلفون معها في مسائل اجرائية. اما الايرانيون فيريدون تدمير اسرائيل، او هكذا يعلنون على الأقل منذ اربعة عقود. وهؤلاء الثلاثة الذين جمعتهم مصالح مشتركة وشكلوا حلفا غير معلن، لمواجهة المشروع الاميركي، او تكييفه بما يخفف من تداعياته عليهم جميعا، تشذ من بينهم ايران، ولهذا فهي الطرف الذي بات موقفه اكثر صعوبة في سوريا، لان الاتراك بعد ان يأخذوا، او اخذوا ضمانات نهائية من واشنطن بعدم اقامة الدولة الكردية على حدودهم، ينتهي الامر بالنسبة لهم، ويتخلون عن حلم الحكم الاخواني في سوريا، لصالح ما تراه واشنطن، وفقا للقاعدة الفقهية: دفع الضرر خير من جلب المنفعة! واما روسيا فهي تبحث عن مصالحها في المنطقة وحين تؤمن ذلك بالتفاهم مع اميركا، تصبح غير ملزمة بالتوافق مع الايرانيين، لانها لا تتفق معهم في موقفهم تجاه اسرائيل، من حيث المبدأ.

وهكذا باتت المواقف واضحة، وتطرح سؤالا مهما عن مدى امكانية استمرار التحالف بين الاطراف الثلاثة في سوريا والمشترك القادم لهم. هذا ما باتت ايران تدركه اليوم اكثر من أي وقت مضى، والاّ كيف تفسّر الموقف الروسي تجاه ضرب اسرائيل لأهداف توصف بالايرانية او فيها وجود ايراني في سوريا، لأكثر من مرة، ما لم تكن روسيا متفقة مع الاميركان والاسرائيليين على تصور معين ينهي الازمة على حساب رؤية طهران، وطبيعة وجودها في سوريا؟

اذن، فالموقف الروسي بات واضحا للايرانيين، وكذلك الموقف التركي، وان الحلف الثلاثي التكتيكي بينهم، قد يكون مهددا بعد ان استنفذ اغراضه، واخذ كل طرف ما حصده منه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0