ينخرط شبابنا على نحو غير مسبوق في الموجة الجارفة لمواقع التواصل، فهم وجدوا أنفسهم بغتة حيال عالم عاري تماما لا يستره شيء، ولا يخفي عيوبه وثقافاته وأفكاره أي عطاء، ومع أن العالم الافتراضي موازٍ لعالمنا الواقعي لكنه يبقى يشكل ابتكارا مدهشا، وفي كل ابتكار أو اختراع محدث، تنتظر البشرية إضافة نوعية تزيد مستويات العقل عمقاً وأناة، خاصة إذا يصبّ المبتكَر في مجالات حيوية، كالفكر والحوار والاجتماع والوصول إلى ثقافات كانت محتجبة أو عسيرة العرض والوصول، في بزوغ العالم الإلكتروني، أطلّت الثقافات البعيدة دفعة واحدة، وصارت في متناول العيون والأيدي والعقول، يعرضها عالم قيل عنه أنه غير واقعي ولا ينتمي للحقائق، لكنه لم يأت من فراغ، فجذور العالم الافتراضي نابتة في تربة عالمنا الواقعي.

ومما يزيد الطين بلة، أن عالم مواقع التواصل، لم يختص بفئة من الناس أو الأعمار أو الأقوام، ولم يتخصص هذا العالم المبتكَر بطبقة دون غيرها، ولم يخصَّص للنخبة أو العلماء أو ذوي المستويات العلمية الثقافية الفنية العالية، إنه عالم الجميع، وقيل أن هذه الميزة أهم ما يمتاز به عالم شبكات التواصل الاجتماعي، فقد وضع الجميع حيالَ أنفسهم وجها لوجه، وتداخلت المستويات الفكرية والثقافية مع أدنى درجات العقول وعيا، فظهر الفكر المتسامي والمتدني، وتداخلت المستويات، وسادت ثقافة القطيع والانفعال، وربما تراجعت ثقافة العمق والتوازن أو انكمشت على نفسها، فيتجلى ذلك في لغة الكراهية التي انتشرت بين الأدنى في مستوى الثقافة والوعي وضحالة الفكر، وظهرت لغة الكراهية والتطرف بصوتها الناشز لتحتل مساحة كبيرة من العالم الافتراضي، فما أن تُعرض ظاهرة مختلفة لا تروق لطبقة أو شريحة معينة، حتى تنبري لها شريحة أخرى معلنة عليها حرب التشهير والمقارعة، ومن أشد الأخطار والنواقص التي تفرزها، تلك الكراهية وبث سموم الاحتقان، ليشتعل الواقع كله بكراهية تلتهم بنارها اليابس والأخضر، نعم توجد خيارات متاحة للمستخدِم، حيث أوجدت لنا هذه المواقع إعدادات حضر وحذف وإلغاء بدرجات متباينة، يمكن للزبون اللجوء إليها واستخدامها متى يريد وكيف يشاء، ولكن هل يساعد هذا في تنقية الواقع، وهل يجعل الحقيقة أحسن، إن مجرد القيام بجولة متفحصة كي نعرف الحوارات والتعليقات والأسئلة والردود بين المستخدمين المتحاورين حول قضية مختلَف عليها، سوف نفهم بجلاء الفارق الهائل بين الفكر الرصين المتوازن وذلك الذي ينغمس في الكراهية حد الاحتقان، وهذا يعني أننا إزاء مهمة توجيه العقل الشباب في التعاطي مع العالم الافتراضي لكي يكون أكثر حصانة من المحذور.

وثمة مشكلة تظهر على الدوام في هذه المواقع، فتبرز لنا عقلية الشباب، وسرعة تطرفه، فكثيرا ما تشتعل صفحات المستخدمين الأضداد بنيران الكراهية والتطرف، مجسَّدة بكلمات حادة كريهة تنز بالأحقاد، والخطر فيها قدرتها على الانتقال السريع من الافتراض إلى الواقع، فتصير هذه المواقع عوامل مساعدة لنشر الكراهية، على حين أن المخطّط لها جعل بني البشر أقرب إلى بعضهم البعض، وأكثر في الحرص على التقارب، لكن الذي يحدث عكس ما مخطط له، فتصبح هذه السلوكيات المصبوغة بجمل وكلمات الكراهية، عبئاً على الناس، وهي مصممة كي تقارب فيما بينهم، الكراهية هنا أضعفت الأواصر وقطّعت الوشائج بين المتخاصمين، وهم ليسوا كذلك، فكل ما في الأمر اختلاف في الرؤية لا أكثر، وما يؤسَف له أن ما يدور في شبكات التواصل سيجده الناس على الأرض، وكثير من حالات الاحتراب تحولت بفعل الكراهية من العالم المفترَض إلى حياة الناس، والخطورة كلها تبرز جلية بين أناس ينساقون كالقطيع وراء مشاكل لا علاقة لهم بها، أما اللغة التي تدور الحوارات عبرها فهي غاية في السوء والابتذال، وأقل ما يمكن القول فيها بأنها غاية في الرداءة والابتذال، وقد تحدث هذه الآراء والتجمعات المتصادمة من دون سابق تخطيط، وربما تبدأ من قدْح ضئيل ليتحول إلى محرقة شاملة تتمدد بفعل الكراهية كالنار في الهشيم، فمن المهم متابعة العقل الشبابي ليس بمعنى المراقبة ولكن من باب إسداء النصح والتوجيه في عالم يضج بالحفر والسقطات.

ومثلما يكون العقل الشبابي بحاجة إلى الإرشاد حتى لا يسقط في فخ المحاذير، فإنه يحتاج لمن يدله على المناسب والمفيد، فلا يمكن محو لطائف المواقع هذه، ولا يجوز في أي حال إلغاءها، فما هو في صالح البشر حاضر، يؤكد وجوده، ويعلو صوته، إلا أننا نطمح بجعل العالم الافتراضي في مواقع التواصل شبكة من الروابط الجامعة بين العقول والتوجهات والأفكار، وليس وسائط تفريق بينها، نعم في سجايا الإنسان تناقضات حادة، والثقافات كأسنان المشط، لن تتساوى ولا تتشابه في شكلها أو وظائفها، ولكن في المقدور جعل هذه الشبكات الجامعة منافذ إلى ما هو أجود، وحتما أن صنع مجتمع متجانس خالٍ من الكراهية هدف لا يدخل في دائرة المحال، تساعد هذه المواقع الاجتماعية في جوانب عدة على اختصار المسافات الفاصلة بين المختلفين، وتذويب العوائق، وفتح أبواب الحوار والنقاش بتأنٍ وهدوء، والبحث في القضايا المستعصية بلا تعصّب، ومناقشة البدائل دونما تخوّف أو خشية مع أهمية الموازنة بين الصالح والطالح منها، لأن الكل يفهم بأن العالم الافتراضي فيه الجيد والمسيء.

هنا تظهر الحاجة إلى مراعاة العقل الشبابي أكثر أهمية من أي وقت مضى، ولن يصبح هذا الهدف مستعصيا لو تعامل المتحاورون مع بعضهم، مع التجرد من الكراهية، المواقف المسبقة، سوء الظن، اعتماد لغة دقيقة متحابة، إشعار الآخر بالثوابت، أو كما تسمى عند البعض بالخطوط الحمر، وتفهّم مقاصده بعد التوغل فيما لديه من أفكار وآراء وتفحّصها، فالفهم الثنائي يطيل بعمر الحوار، وينحو بالمتحاورين إلى نواحٍ مفهومة متجانسة، حتى وإن اختلفت، ستبقى تقرّ بالاختلاف بلا إكراه ولا كراهية، وسوف يُقال ثمة تماثل بين عالمي الحقيقة والافتراض، وهذا وارد وشاخص فعلي، ولكن كان المأمول أن تخفف مواقع وشبكات التواصل من عنصر الكراهية وسطوتها، لا تأجيجها، وإشعال نيرانها ونشرها إلى آماد بعيدة، كما يجري الآن في أحايين متتالية، باتت هذه الشبكات نقاط تأجيج وليس تخفيف أو إطفاء أو تقليل لمصادر الاحتقان، وانطلاقا من هذا التشخيص الصحيح، من الأمور المستحسَنة وربما المهمة متابعة العقل الشبابي بدقة، ومساعدته على فهم هذا العالم ونبذ التطرف والكراهية بأشكالها، والنأي بالنفس عن الاصطفاف غير الوعي للمواقف وصناعة الرأي المتسرع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0