وقع المحذور، واستنسخت السعودية فكرة "التحالف الدولي" لضرب اليمن (راجع مقالنا السابق/السعودية والمستنقع اليمني)، وقد باشرت بالضربات الجوية تحت اسم "عاصفة الحزم"، واعلنت ان عشرة دول، خليجية وعربية واسلامية، انضمت الى "التحالف السعودي" فيما تدرس دول اخرى الانضمام الى التحالف، وتحركت السعودية وحلفاؤها بسرعة لضرب اهداف عسكرية (وسط انباء مؤكدة لسقوط ضحايا بين المدنيين داخل اليمن) تابعة للجيش اليمني والحوثيين، كما نشرت عشرات الالاف من جنودها على طول الحدود مع اليمن (التي تمتد على طول 1800 كم)، سيما وانها لم تستبعد القيام بعمل بري واسع النطاق تجاه معاقل الحوثيين، ولم تنس المملكة طلب الدعم الضروري من حليفها الرئيسي، الولايات المتحدة الامريكية، التي لم تتردد بدعم الحملة السعودية، اضافة الى ان الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" أجاز تقديم مساعدة "لوجستية ومخابراتية"، ومع ان الوضع في اليمن تحول من سيّئ الى أسوأ، فان التكهن بما ستؤول اليه الاحداث في ظل التطورات الاخيرة، ستكون مهمة صعبة للغاية نظرا لتعقد الازمة وتدخل اطراف جديدة في الاحداث، اضافة الى مزامنتها للكثير من الاحداث الاقليمية والدولية المنتظرة كالقمة العربية والاتفاق النووي الايراني، فضلا عن سخونة الاحداث في العراق وليبيا وسوريا، والتي لا يمكن فصلها عن دائرة النزاع اليمني او الشرق اوسطي بصورة عامة.

لكن يمكن بصورة اخرى تفكيك المعادلة اليمنية والاطراف المتصارعة على انتزاع السيطرة من الطرف الاخر، فالسعودية غالبا ما اتهمت الحوثيين بالتبعية لإيران، ومع انها اعترفت ضمنيا بخسارة العراق بعد ان صرح وزير الخارجية السعودي "سعود الفيصل" بان ايران "استولت على العراق"، وباتت قريبة من حدودها الشمالية، فإنها بالتأكيد لن تسمح لمحاصرتها من الجنوب، بالمقابل فإن ايران رفضت ما اسمته "العدوان السعودي" على اليمن، واعتبرته انتهاكا خطيرا لسيادة دولة مستقلة، فيما توالت ردود افعال لكبار مسؤولي الحكومة الايرانية (وبالأخص من المحافظين) بان السعودية ستحترق بالنار التي أضرمتها في اليمن، ومع ان الجميع يترقب ردود الافعال الايرانية على الارض اليمنية والتي لم تتضح معالمها بصورة عملية، فإن الحوثيين توعدوا "برد قاسي" مع عدم استبعاد رد بري او هجوم صاروخي يستهدف الاراضي السعودية، وقد اشارت بعض المواقع القريبة من الحوثيين، ان تحركات عسكرية قامت بها جماعة انصار الله تجاه 35 قرية قريبة من الحدود السعودية، فضلا عن اطلاق عدد من الصواريخ تجاه المناطق السعودية القريبة (يأتي هذا متزامنا مع اغلاق السعودية لعدد من مطارات المناطق الجنوبية)، وقد تستخدم لاحقا، صواريخ بعيدة المدى الشبيهة بصواريخ "حزب الله اللبناني" والتي زودته بها ايران واستخدمتها خلال مواجهاتها الماضية مع اسرائيل.

الصراع الايراني- السعودي يختزل اغلب الصراعات التي تجري في الشرق الاوسط، وغالبا ما تطغي عليها الصفة الطائفية، وكما عبر عنها "توني نونان" مدير المخاطر بشركة ميتسوبيشي في طوكيو بالقول، "ثمة مواجهة كبيرة بين ايران والسعودية بين السنة والشيعة في سوريا والعراق، وهذا دليل آخر على أن المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط أصبحت مزمنة"، او كما اشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية في تقريرها عن الوضع اليمني، بقول أستاذ القانون في جامعة أوهايو نورثيرن، "مايكل لويس"، "هذا كله عن السنة ضد الشيعة، والسعودية ضد إيران، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تكون مراقبا لا دور له، ولا أحد يقبل بهذا، وما نريد عمله هو اختيار طرف"، واغلب الظن ان الولايات المتحدة الامريكية لن تختار طرف دون الاخر، بل تريد الاثنين معا (السعودية وايران).

هناك طرف اخر غير ايران والسعودية يمكن ان يستفيد من الازمة اليمنية، فالتنظيمات الارهابية وبالأخص تنظيم القاعدة يمكنها استثمار المزيد من الفوضى داخل اليمن لتقوية جذورها واعادة تنظيم صفوفها بعد ان تلقت خسارات قوية من الضربات الامريكية الجوية (بالطائرات المسيرة)، ومع ان تنظيم القاعدة في اليمن يعتبر من اقوى فروع القاعدة الا ان تعقيد الازمة اليمنية يمكن ان يمنحه فرصة ذهبية للعودة الى ساحة الاحداث الاقليمية والدولية، مع وجود الحس الطائفي في العملية العسكرية ضد اليمن، فضلا عن بوادر "الحرب الاهلية" المحتملة بين الجنوب والشمال في اليمن، وهو ما قد تستغله "القاعدة" التي تمتلك الخبرة في تعزيز هكذا صراعات مثلما استفادت في عام 2006 من الحرب الاهلية التي وقعت في العراق وزادت من قوتها في المناطق الغربية، كما لا يمكن تجاهل تنظيم "داعش" الذي اعلن عن وجودة (او وجود من يتعاطف معه) في اليمن، بعد التفجيرات الاخيرة التي طالت مساجد تابعة للحوثيين في صنعاء وراح ضحيتها المئات من المصلين، وقد تكون فوضى كالتي تحدث في اليمن (في حال خرج الامر عن السيطرة او توسع نطاق العمليات العسكرية) راهنا، فرصة مثالية لتثبيت جذور تنظيم داعش في اليمن.

وعلى الرغم من وجود توقعات كثيرة (مع او ضد) ترجح دخول قوات سعودية (وغير سعودية) الى اليمن لإعادة الرئيس اليمني "هادي" الى السلطة بالقوة، وهو امر لم تستبعده التصريحات السعودية والمصرية الرسمية كذلك، الا ان الامر يبدو مستبعدا جدا في الوقت الحالي، او على الاقل تبدو كخطوة غير مدروسة العواقب بالنسبة لقائد التحالف (السعودية) والتي ستكون اكثر المتضررين بفعل قربها الجغرافي منها، فضلا عن دخول المنطقة في صراع طويل لا تحقق معه السعودية وحلفاؤها الاهداف التي اوجبت العملية من الاساس، وقد يلجأ الطرفان (السعودية والحوثيون) الى عمليات برية محدودة (من باب التصعيد) مع استمرار العمليات الجوية للتحالف بقصف اهداف مدعومة من الولايات المتحدة الامريكية، والتي هدفها الاساسي اعادة التوازن على الارض بالنسبة للقوات الموالية للرئيس "هادي"، قبل ان يذهب الجميع الى "الحوار السياسي" الذي ترغب فيه السعودية اكثر من غيرها، لعلمها ان حرب من هذا النوع ستكون (السعودية) هي الخاسر الاكبر فيه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1