يعد خوض عدد كبير من الأكاديميين مضمار المنافسة على مقاعد مجلس النواب، نقطة ايجابية كبيرة تحسب لهم، وايضاً للعملية السياسية على أن يكون النائب تحت قبة البرلمان يحمل عقلية علمية في تخصصات مختلفة، فقد تضمنت الحملة الانتخابية أسماء لمهنيين، مثل الطبيب والحقوقي والمهندس، الى جانب الاستاذ الجامعي.

وبما أن العلم أحد عوامل القوة الحضارية، فان أهل الحكم والسلطة، وعلى طول الخط، يسعون جاهدين لتوظيف العلم والعلماء لخدمة البلاط وما يحمله الحزب الحاكم من رؤى سياسية وبرامج خاصة به، وفي التاريخ تجارب مريرة وقاسية تعود الى غابر الزمن، حيث المواجهة المحتدمة بين الانبياء والرسل وبين الحكام، والقرآن الكريم يشير الى أمثلة عديدة سقط فيها العالم في اختبار المال والسلطة، بمعنى أن الحديث عن "استقلال العلماء" كمفهوم ومصاديق عملية على الارض، ليس بالأمر الهيّن، لاسيما في الظروف الراهنة حيث كل شيء في خدمة السياسية والحكم والمال، رغم الحقيقة الناصعة التي لا يجادل فيها أحد، بأن تقدم البشرية وتطور العالم إنما الفضل فيه الى العلماء وليس الى الحكام.

وعندما نسمع بالوعود الانتخابية للمرشحين، ومنهم الاكاديميين بأنهم يحملون برامج عملية للنهوض بالواقع الاقتصادي والخدمي وتحسين الوضع المعيشي للناس، فهذا يؤكد لنا الحاجة الى ضمانات حقيقية تقي هؤلاء الاكاديميين والعلماء من المؤثرات السياسية والحزبية داخل قبة البرلمان وفي أروقة الحكم بشكل عام، لأن يمضوا في طريق تحقيق وعودهم الانتخابية بخطى ثابتة، ثم يحافظوا على نقاء العلم والمعرفة التي اكتسبوها، ونظافة الدوافع والغايات التي من أجلها بذلوا الجهود الجبارة للوصول الى ما وصولوا اليه من مراتب علمية عالية.

يمكن الاشارة الى ثلاثة أمور من شأنها توفير هذه الضمانات:

أولاً: قيمة العلم

إعطاء العلم قيمة ذاتية واجتماعية ليكون العلم والعلماء وليس المال والسلطة محوراً يستقطب حوله قدرات الجماهير وطاقاتهم، ثم يُصار الى تنفيذ المشاريع العمرانية والبرامج الانتخابية.

وهذا ممكن بتحول العلم الى ثقافة اجتماعية بقيادة العلماء والاكاديميين انفسهم، وفي كتابه "القيادة السياسية في المجتمع الاسلامي" للمرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، يتسائل عن سبب تقدم بلد مثل اليابان مع افتقاره للموارد الطبيعية، كما يتوفر في العراق، ويجد الاجابة في عند المفكر الفرنسي جان جاك سرفان شرايبر في كتابه "التحدي العالمي"، انه "اذا كان ثمة عامل يفسر النجاح الياباني، فهو البحث الدائم الجماعي عن المعرفة، وعندما أعلن دانيال بيل، وبيتر داركر وبضعة آخرون بداية مجتمع ما بعد الصناعة الذي تحل فيه المعرفة كمورد أساسي محل رأس المال، لم يكونوا يتخيلون الى أي حد سيشق هذا المفهوم الجديد طريقه، وبسرعة خاطفة في جميع الاوساط القيادية في اليابان، في كل شرائح الشعب، لقد أجمع البلد على الاهمية القصوى التي يجب أن تولى لمتابعة التعليم والمعرفة باستمرار طوال سنوات العمر" إن تثقيف المجتمع على طلب العلم والمعرفة، من خلال تحسين الواقع التعليمي، والنظر بجدية الى واقع التعليم الجامعي والبحث عن الثغرات والسلبيات الموجودة، الى جانب اكتشاف المواهب والعقول النيرة، وغيرها من الاجراءات من شأنها إبعاد العلم والعلماء عن ضغوط السلطة والمال، ويكون مستقلاً وقادراً على تحقيق ما تصبو اليه الجماهير، لا ما تفكر به احزاب السلطة.

ثانياً: تزكية الدوافع

الرصيد الاخلاقي له مدخلية كبيرة في تقويم مسيرة العلم والعلماء، وضمان استقلال العلم والعلماء، فخريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا بحاجة الى تزكية الدوافع والغايات التي من أجلها خاضوا غمار طلب العلم، فاذا كان التوجه مادي بحت او سياسي، فمن الطبيعي ان يكون صاحب الشهادة العلمية مرهوناً؛ هو ووثيقته الجامعية، بتلك الجهة السياسية، كأن يكون الحزب الحاكم او المؤسسة المالية او التجارية، وهذا ما كان يفعله حزب البعث في العراق، عندما كان يشترط على طلبة الدراسات العليا الانتماء الى الحزب، كون هذا الحزب صاحب الفضل عليه في تحصيله الدراسي، من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة، ثم تخرجه مهندساً او خبيراً في القضاء او القانون أو الاقتصاد أو عالماً في الكيمياء وغير ذلك.

ولذا نجد العديد من الاكاديميين غادروا العراق منذ عقود لمواصلة دراساتهم العليا مع الاحتفاظ بسلامة غاياتهم، وأن تكون انسانية بامتياز قبل ان تندرج ضمن شعارات مثل؛ خدمة الوطن والامن والسلام.

النصوص الاسلامية عضّدت هذا التوجه بروايات من المعصومين، عليهم السلام، بأن يحافظ الانسان المتعلم على نظافة نواياه ودوافعه بأن تكون متصلة بالله –تعالى- وفي هذه الحالة ستصل الى الجماهير وتلبي المصلحة العامة.

وفي رواية مطولة لأمير المؤمنين، عليه السلام، نذكرها للفائدة:

"طلبة هذا العلم على ثلاثة اصناف؛ فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم، صنف منهم يتعلمون للمراء والجهل، و صنف منهم يتعلمون للإستطالة والختل، وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل.

فأما صاحب المراء والجهل، تراه مؤذياً، ممارياً للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدقّ الله من هذا حيزومه – قصم ظهره- وقطع منه خيشومه –أرغم أنفه-.

وأما صاحب الاستطالة والختل، فانه يستطيل على اشباهه من اشكاله، ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله من هذا بصره وقطع من آثار العلماء أثره.

وأما صاحب الفقه والعقل، تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه –ظلامه- وقد انحنى في برنسه –لباس الزهد- يعمل ويخشى، خائفاً وجلاً من كل أحد إلا من كل ثقة من إخوانه، فشد الله من هذا اركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه".

ثالثاً: مكافحة علماء السوء

ربما يكون صاحب الشهادة الاكاديمية من الناحية الظاهرية بأفضل طلّة وحلّة، ويدّعي انجاز الكثير وتقديم ما يعجز عنه الآخرون، بيد أن المساوئ التي تلصق به على حين غفلة هي التي تشوه الشخصية العلمية مهما كان كبيرة ومحل ثقة الناس، ثم من الصعب جداً إخفاء هذه المساوئ النابعة اساساً من الأهواء والرغبات النفسية وحتى الغرائز، إذ لابد وأن ترشح يوماً ما.

ولذا نجد القرآن الكريم يدعو لمكافحة مثل هذا الصنف من العلماء الذين يستغلون مكانتهم العلمية في المجتمع لتحقيق مآرب بالضد من مصالح المجتمع، وفي آيات كريمة عدّة يفضح القرآن الكريم علماء السوء، بل ويزود المجتمع بمعايير خاصة وثابتة من خلالها يكتشف عالم واخرى يأتي التشبيه بالكلب الذي إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث، وهي دلالة على تفريط العالم بعلمه في كل مكان وزمان دون دراسة النتائج، والمثل القرآني يقصد أحد أشهر علماء بني اسرائيل؛ بلعم بن باعورا، الذي أحرز الاسم الأعظم الذي يستجاب الدعاء به، بيد أنه وجّه علمه الباهر لخدمة ذاته وحسب، وإقصاء نبي الله موسى عن قيادة المجتمع.

اضف تعليق