المواطنة واحدة من المفاهيم الاكثر شيوعاً في الوقت الراهن على مختلف الاصعدة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وهو من المفاهيم الجديدة القديمة التي تمتد الى اليونان والرومان واليوم اغلب الدول والمنظمات تدعو الى تبني مفهوم المواطنة، وهو من المفاهيم المتجددة والمتغيرة على مر الازمنة والعصور اي انه لم يأخذ تعريف واحد على مر العصور حيث تطور مفهوم المواطنة تبعاً للتحولات الاجتماعية والتاريخية ضمن حركية تقوم على تطور الحاجات والحقوق.

فالمواطنة صفة للفرد تحدد الوضع القانوني والسياسي له داخل الدولة الذي يدعى مواطن، كما ترتبط المواطنة بالوطن، فالوطن هو المكان الذي يعيش فيه الانسان ويتفاعل معه حياتياً ووجدانياً، وان الانسان المرتبط بوطنه هو مواطن في اطار التعلق بالأرض وتبعا لموارد العيش، على ان مصطلح المواطن صار مرتبطاً بمضامين قانونية وسياسية واجتماعية مع تطور فكرة الدولة والانظمة السياسية والدستورية.

كما يرتبط مفهوم المواطنة بالوطنية، فهي تقوم على الشعور بالانتماء الى الوطن والولاء لشعبه ومصالحه العليا اما المواطنة فهي الاطار الجامع لتفاعل المواطن مع وطنه وعلاقة المواطنين فيما بينهم ضمن الدائرة الوطنية للدولة التي صارت محددة في جغرافيتها السياسية ومركزها القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي اي لم تعد المواطنة مجرد ولاء عاطفي وانتماء للوطن وحسب وانما صارت انتظاما عاماً له محدداته العامة وابعاده على مختلف الاصعدة الانسانية، كما انها تتضمن القواسم المشتركة بين شعب وأمة تقطن رقعة جغرافية لها حدود سياسيا تسمى بلاداً، هي ايضاً منظومة من الحقوق والواجبات اي علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وفلسفتها وسياستها، وهو ما تؤكده العديد من المصادر والموسوعات.

حيث هنالك حقوق للمواطنة منها:

1- سياسية متمثلة في حق المشاركة السياسية في الانتخابات في السلطة التشريعية والسلطات المحلية والبلديات والترشيح، وحق كل مواطن بالعضوية في الأحزاب وتنظيم حركات وجمعيات ومحاولة التأثير على القرار السياسي وشكل اتخاذه من خلال الحصول على المعلومات ضمن القانون.

2- الحق في تقلد الوظائف العامة في الدولة.

3- والحق في التجمع السلمي، وهناك حقوق مدنية متمثلة حق المواطن في الحياة وعدم إخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية، وعدم استرقاق أحد والاعتراف بحرية كل مواطن طالما لا تخالف القوانين ولا تتعارض مع حرية آخرين، وحق كل مواطن في الأمان على شخصه.

4- ايضا حق كل مواطن في الملكية الخاصة، وحقه في اختيار مكان إقامته داخل حدود الدولة وحق كل مواطن في المساواة أمام القانون.

5- الحق في حرية الفكر، والوجدان والدين واعتناق الآراء وحرية التعبير وفق النظام والقانون وحق كل طفل في اكتساب الجنسية.

اما واجبات المواطنة فتتمثل بواجب الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب واحترام الانظمة القوانين، فالمواطنة الحقة ليست شعار لاحتواء مجتمع ما من قبل السلطة انما هي عقد انساني للعيش والتعايش في ظل كيان معين نطلق عليه ب((الدولة)).

في التجربة العراقية في ظل النظام الدكتاتوري لازال مفهوم الدولة ملتبس وهو اقرب للكيان السياسي وغاب مفهوم المواطنة الحقة الذي يمثل روح الدولة وهي دولة القانون التي تستند على قيم المساواة والحرية والعدل، حيث تم اختزال الدولة بشخص القائد الدكتاتور التي اصبحت حبيسة نزواته العدوانية والقمعية، ونتيجة ذلك الاستلاب للدولة من قبل الدكتاتور استدار المواطن ليصرف مشاعر المواطنة والولاء الى الانتماءات الجزئية والفرعية التي لابأس بها لكن ينبغي ان الولاء الاسمى والاول للدولة، بل ان السلطة نفسها عمدت على العمل بروح المواطنة التجزيئية الامر الذي ينفي صفة التكامل التي افترضها المفهوم المعاصر للمواطنة الذي يفترض ان تعمل السلطة على خدمة المجتمع مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات دون التمييز بسبب اللون والجنس او المذهب والدين، لذلك تكرست الحقوق لفئة تعد نفسها فوق الواجبات وتماهت الواجبات بفئة مسكوت ومسلوبة الحقوق.

بعد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003 مع بداية التحول الديمقراطي كان هناك وضع سياسي معقد يقابله وضع اقليمي مبيت معادي لمشروع التحول الديمقراطي الذي بات يؤرق الكثير من القوى الداخلية فتعددت الولاءات التي اثرت سلباً على مشروع بناء الدولة الحديثة القائمة على دستور ثابت مستفتى عليه من قبل الشعب يقوم على مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات وفق انتخابات دورية.

ان اي مشروع لتعزيز وتفعيل مبدأ المواطنة والانتماء الى الوطن لابد وان يتضمن النقاط التالية:

1- إن قضية المواطنة تمثل رمزية كبيرة في مشروع الوحدة الوطنية، حيث يتساوى الجميع تحت راية الوطن دون إغراق في أي انتماء للجزء على حساب الكل، إذ أن الانتماء للكل وللأرض هو الانتماء الحقيقي، وغيره هو مجرد انتماء للدائرة الصغيرة، يجب أن يكون الانتماء للمذهب والدين والقبيلة والمنطقة فاتحة للانتماء الكبير للوطن.

2- تعزيز واحترام الثوابت والمكتسبات الوطنية التي تتمثل في الحفاظ على وحدة البلد والايمان بالنظام الديمقراطي الجديد والدستور والانتخابات والتداول السلمي للسلطة واحترام سيادة واستقلال القضاء باعتبارها الضمانة الاكيدة لتوفير الحقوق لكل فرد في هذه الدولة.

3- إحترام الانتماءات الفرعية بشرط ان لايكون فوق الانتماء للوطن باعتبار ان الوطن هو الخيمة الكبيرة التي تعيش في ظلها كل هذه الانتماءات، والابتعاد عن لهجة تخوين الاخرين واعتبار التعدد المذهبي والديني والقبائلي في البلد هو حقيقة قائمة وهو مصدر قوة وليس ضعف لان المواطنة عابرة للتمايز الطبقي والطائفي والأثني وهي علاقة بين الافراد والافراد من جانب والافراد والدولة من جانب اخر.

4- اعتبار العنف بكل مسمياته وعناوينه خطر يهدد الجميع ومسؤولية التصدي لها ايضاً مسؤولية الجميع واعتباره خطر يهدد وحدة البلد كما يجب دعم المؤسسة العسكرية والامنية والثناء عليها في مقاتلة داعش والقاعدة.

5- ما نحتاجه في المرحلة القادمة هو تكريس الوطنية وتعميق المواطنة على مبدأ الرهان على المواطن بصفته رمزا لاستقرار الوطن ووحدته إن الوطن بقدر حاجته إلى المنتمين إليه هو بحاجة إلى المنتجين والخلاقين من المخلصين من المدرسة إلى المعهد والكلية، ومن الحقل إلى المعمل، ومن الجامع إلى الجامعة.

مركز المستقبل للدراسات والبحوث

* مركز المستقبل للدراسات والبحوث/المنتدى السياسي
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0