يبدو أن مسلسل الجدلية والازدواجية بين أجندة دول القوى المتخاصمة بشأن الاتفاق النووي الإيراني، اصبح محركا رئيسا لتصاعد التوترات والاتهامات بين إيران وأميركا وحلفاؤها، فلا يزال هذا الملف مصدر أساسي لهواجس القلق في نفوس الدولة الغربية من جهة، واسرائيل من جهة اخرى، فيما أثارت اتهامات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بشأن برنامج إيران النووي شكوكا من مؤيدي الاتفاق النووي الإيراني، فقد قالت عدة دول أوروبية إن هذه الاتهامات تثبت أهمية الاتفاق. فيما ذكرت وكالة الطاقة الذرية أنه لا يوجد "أي مؤشر له مصداقية" بأن إيران سعت إلى امتلاك سلاح نووي بعد 2009.

من جهته يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق مما أثار توترا دبلوماسيا مع إيران وأيضا مع حلفاء واشنطن الحريصين على الحفاظ على الاتفاق، إذ يسعى الأوروبيون الموقعون على الاتفاق لإقناع ترامب بالإبقاء على الاتفاق، الموقع في عهد سلفه باراك أوباما، ويقولون إنه ضروري لإحباط سباق تسلح يزعزع استقرار الشرق الأوسط وإن إيران ملتزمة بشروطه وهو موقف أيده أيضا تقييم للمخابرات الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

التوتر بشأن الاتفاق تغذيه حرب الخطابات والتصريحات بين إسرائيل وإيران، يفصح عن برقيات تحذير لحرب مفترضة على الرغم من الوساطة الظاهرية لأوروبا وأمريكا، فقد أضفى تصاعد لهجة المعارك الكلامية بشدة مفرطة في أتون الصراع المعقد بين إسرائيل وإيران جدلية وازدواجية في اقوال وافعال قادة الدول المتخاصمة على غرار خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو وردود الجانب الايراني على هذا الخطاب الدعائي.

فلم تخف حكومة اسرائيل يوما ريبتها ازاء الطموحات الايرانية في المنطقة، وليس فقط النووية وان كانت الاكثر تناولا وجدلا، بدوره ترامب يتجه على الأرجح إلى الانسحاب من الاتفاق لكنه لم يتخذ القرار بعد“ وإنه ”يبدو أنه جاهز لعمل ذلك ولكن إلى أن يتم اتخاذ قرار من جانب هذا الرئيس فالأمر ليس نهائيا“.

إذ يرى الكثير من المحللين انه على الرغم من خطورة الاعلان الاسرائيلي حول استيلائها على نسخ مهمة من الملف النووي الايراني بعملية نوعية كما وصفتها قام بها الموساد الصهيوني، فأن ما يثير الانتباه فعلاً ردة فعل اميركا اتجاه الاعلان الذي يوصف بالبارد رغم اعلان ترامب انه سبتخذ قراره بخصوص الاتفاق النووي مع مجموعة ال 5+1 والذي اجده انه يعد العدة لامراً هام يتزامن مع موعد الانتخابات العراقية فأننا امام امرين لا ثالث لهما هما، اما ان اميركا ستنسحب من الاتفاق النووي مع عقوبات اكثر شدة تمهيداً لضربة عسكرية وانا استبعد ذلك لاننا وطيلة عقود نسمع طبول الحرب تقرع ولا نرى رصاصة او ان اميركا ستحلب دول الخليج بحجة التهديدات الايرانية وانا ارى هذا اكثر واقعية.

فيما يرى محللون آخرون، ان مشكلة اسرائيل مع ايران لا تقتصر على الاتفاق النووي، بل في مدى تمدد ايران في الشرق الاوسط وهو نفس غاية اسرائيل، كما اذكى التقارب السطحي الأمريكي الإيراني غير المسبوق، مخاوف عميقة لدى حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وخاصة اسرائيل، مما ادى الى خلاف بين وجهتي نظر أمريكا وإسرائيل حول التعامل مع قضية النووي الإيراني.

لذا يرى المحللون دوامة الحرب الوهمية، التي تغذيها تصريحات القادة للبلدان المتخاصمة والخطابات الدعائية، تبقى مجرد ذرائع أكثر وقعا من الأفعال، مغزاها تغيير بوصلة السياسة الدولية، لتحقيق نوايا تفضح تناقض الغايات، ومن أجل سبق الأحداث وكسب حرب الغنائم المعنوية، مما يعني ان هذه التصريحات العملاقة دليل يوضح مدى الضعف الداخلي للغريمين.

ولعل ما اثاره نتنياهو مؤخرا وضع الولايات المتحدة في موقف محرج، فلا تريد أمريكا التي أنهكتها حروب الشرق الأوسط، إشعال فتيل جديد فيها، إذ يقول مراقبون إنها تبحث عن حليف، يكون قادراً على التأثير في المنطقة، ومن لها أفضل من إيران صاحبة النفوذ في أربع عواصم عربية، لكن تبقى الصعوبة في تحالف واشنطن مع عدويين، إيران وإسرائيل.

ويرى هؤلاء المحللون ان تصعيد اللهجة الاسرائيلية في التحذير من هجوم وشيك على ايران واشنطن بدرجة اكبر من استهدافه طهران، لأن اسرائيل تنظر الى ايران على نطاق واسع، وخصوصا أنها الدولة الوحيدة المسلحة نوويا في المنطقة، مما يعني امتلاك إيران لسلاح نووي يصبح خطرا كبيرا عليها ولذا فانها تهدد منذ فترة طويلة بشن هجوم وقائي عليها، واسرائيل التي تعد الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك اسلحة نووية، مع انها لا تعترف بذلك، تقول ان حيازة ايران على القنبلة الذرية يشكل تهديدا لوجود اسرائيل، وقد اعربت مرارا عن استعدادها لشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الايرانية، وتضغط إسرائيل بقوة ضد اتفاق مقترح يعرض في بادئ الأمر تخفيفا جزئيا للعقوبات مقابل بعض الخطوات من ايران لتقييد انشطتها.

لذا يرى معظم المحللين أن نقص الثقة وسباق النفوذ والمصالح والحروب الخفية بشتى أنواعها بين إيران واسرائيل تفرض تحديات توازن القوى الدولية بانتهاج سياسيات براغماتية لا تخلو من روح المغامرة والمفاجئات على حد سواء.

وعليه فأن ملف الاتفاق النووي الإيراني مازال يتأرجح بين صراع الأجندات المفتوحة والمناورات السياسية بسبب معضلة فقدان الثقة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وسيبقى هذا الملف مضمارا لسباق الأنفاس الطويلة ومشروعا لحرب النوايا وشيكة مكلفة الخسائر، مما يصنع مؤشرات الفوز والخسارة وبؤر الصراع في الكر والفر والعديد من علامات الاستفهام حول هذه الحرب الغامضة والمجهولة النتائج، وهذا قد يشعل لهيب الصراع في مجالات عديدة خلال الفترة المقبلة، ام سيكون الغاء بهيئة تجميد او ابتزاز مباشر لفرض الواقعية الترامبية على ايران وكسب ود اللوبي الاسرائيلي في أمريكا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0