هل كان 14 تموز/يوليو من العام 2015 يوما لنهاية الجدل الطويل بشأن الملف النووي الايراني؟ يبدو ان الوقائع تشير الى غير ذلك، وان الاتفاق الذي شهدته فيينا، عاصمة النمسا، بعد رحلة مفاوضات ماراثونية مضنية، بين إيران من جهة ودول خمسة زائدا واحد من جهة اخرى، لم تستقر له اقدام راسخة على الارض، وظل شبه معلق، لان المشاريع المتناشزة في المنطقة، ظلت قائمة، وان الملف النووي، كان واحدا منها، أي ان هناك اشكالية معقدة تجعل من الصعب حل أي مشكلة من دون حل الاشكالية كلها، وهو ما لم يتحقق بعد.

المشكلة الحقيقية بين ايران واميركا، لا يختزلها النووي، لانها ابعد من ذلك بكثير، وان امتداداتها اوسع واعقد. فالمنطقة العربية التي تعيش شبه حالة فراغ سياسي وامني منذ اكثر من عقدين، دفعت ببعض القوى الاقليمية الى ملء هذا الفراغ، ومن بينها ايران وتركيا، ولكل حساباته ومشاريعه الخاصة، وقبل هذا وذاك، اميركا لها تواجد ونفوذ قديم في المنطقة التي تراها جزءا اساسيا من امنها القومي والاقتصادي.

تفاقم الخلاف بين ايران والسعودية، الحليف الابرز لاميركا، على خلفية ملفات ما زالت مفتوحة، مثل الازمة السورية التي تتقاطع فيها طهران مع الرياض بقوة، وكذلك في لبنان واليمن اضافة الى مناطق اخرى، ربما اقل اهمية، عمّق المشكلة. فالرياض ترى ان طهران تريد التمدد على حسابها، ومحاصرتها بانظمة متعارضة مع توجهاتها، وطهران ترى انها تدعم محور الممانعة ضد اسرائيل، وفي مقدمته سوريا وحزب الله في لبنان، لكن هذا الخلاف والمخرجات المحتملة له، قد تكون على حساب الطرفين، لان اميركا استثمرته لصالح مشروعها، الذي صار يتحرك على الارض، بعيدا عن تطلعات الرياض وطهران معا.

تركيا ادركت الامر قبل الاتفاق النووي، وعرفت ان ادارة اوباما تريد تقسيم سوريا وتقيم دولة كردية في شمالها، بعد ربطها بشمال العراق، وهو ما لا يمكن ان تتقبله، فتخلت عن مطلبها باسقاط النظام مقابل اسقاط المشروع الاميركي، ولعلها نجحت بعد ان تدخلت مباشرة وانحازت للموقف الروسي الايراني، لاحراج واشنطن، التي بدت متعثرة في مشروعها بعد التدخل الروسي، الذي تم الاتفاق النووي بعده بأشهر، وهكذا وجدت طهران نفسها في موقف اكثر اريحية وقوة، لانها ايضا ترفض تقسيم سوريا، كون ذلك يفتح باب جهنم عليها فيما بعد، وقد تتفكك هي وتركيا، اضافة الى العراق الذي سيكون بعين العاصفة عندما تتسلم قوى متطرفة زمام الامور في دمشق، بعد تقويض الدولة السورية والبدء بتقسيمها فعليا.

لقد كان هدف اوباما من الاتفاق هو تحييد قدرات ايران النووية، لحين الانتهاء من الملف السوري، بالصورة التي رسمها، لكن هذا الامر لم يتحقق، للعوامل التي ذكرناها، اضافة الى الرفض الاقليمي الحاد، وهو ما تجلى في استفتاء كردستان العراق، الذي تزامن مع استفتاء في بعض مناطق نفوذ الاحزاب الكردية السورية.

بعد مجيء دونالد ترامب الى البيت الابيض، ركز على مسائل اساسية، هي تدعيم قوة اسرائيل، بما يجعلها بعيدة عن أي تهديد اقليمي، وتكريس سيطرتها على القدس، من خلال نقل السفارة الاميركية اليها، ودعم حلفاء اميركا في المنطقة، واضعاف ايران، التي كانت قد تنفست الصعداء اقتصاديا بعد الاتفاق، وان لم تجن ثماره كاملة، او هكذا ظلت طهران تردد طيلة السنوات التي اعقبت توقيعه.

ايقن ترامب ان تغيير خارطة المنطقة امر غير ممكن، لكنه يعتقد ان تغيير موازين القوى فيها ممكن جدا، وان تحييد ايران التي وسعت نفوذها في اكثر من دولة عربية، صار هو الهدف، الذي يجب ان يتحقق من خلال محاصرتها اقتصاديا، او تخليها عن مناطق نفوذها لصالح اميركا، وهو المطلب السعودي، الذي تفاهمت الرياض بشأنه مع واشنطن، مقابل تحقيق مصالح اقتصادية اميركية كبيرة، لاسيما بعد القمة الاسلامية الاميركية في الرياض العام الماضي.

تعديل الاتفاق النووي الذي سترفضه طهران بالتأكيد، يهدف الى اعادة الحصار على ايران، وارهاقها اقتصاديا، اكثر مما يهدف الى اجبار الايرانيين على التخلي عن صناعة القنبلة النووية، كونهم ظلوا يرددون ان برنامجهم النووي سلمي وليس عسكريا.

هل تستطيع ادارة ترامب اقناع بقية اطراف الاتفاق على المضي في تعديله او التخلي عنه؟ لا احد يجزم بما ستؤول اليه الامور، لكن يبدو ان التصعيد بدا فعلا، وان القادم من الايام سيكشف لنا المزيد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0