لا تخلو حملة انتخابية لأي مرشح لمقاعد مجلس النواب، من مفردة "ضرورة المشاركة الانتخابية من اجل صنع التغيير"، كتعبير عن دور المواطن في صعود قادته الى منصب رئاسة الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية الأعلى في البلد، كما انها تشير الى نقاء الحالة السياسية العراقية من أي شوائب خارجية تدفعها رياح الشرق والغرب بفعل اختلال الضغط السياسي على المستوى الدولي.

لا يزال الكثير من الناخبين العراقيين متمسكين بالانتخاب كحق ضمنه لهم الدستور، لذلك تجاوزت المشاركة الشعبية في الانتخابات السابقة حاجز الـ60%، لكن تقادم التجربة جعل الشكوك تتسرب الى أعماق التفكير لدى فئة ليست بالقليلة، هذه الفئة تجد ان صوتها لا فائدة منه الا إعطاء الشرعية لنظام حكم قائم على المحاصصة يبدل ثوبه كل اربع سنوات، بدون زيادة او نقصان الا بعدد السنوات.

الممارسة الانتخابية كحق دستوري لا جدال فيها، بل ان من واجب المواطن ان يثبت وعيه في الاختيار ليجعل الوطن افضل، الا ان ما يعكر صفو هذه المثالية هو الواقع الذي طلعت عليه شمس الحقيقة، وفقأت عين القيم الدستورية والوطنية، لتنتج مواطنا يعيش باليأس وعدم المبالات فيما يجري بالبلد.

الفئات المؤمنة بعدم جدوى النظام السياسي بصيغته الحالية لديها الكثير من الشواهد والأدلة على واقعية طرحهم، الذي يحتم على الجميع السعي لاصلاح المنظومة السياسية والاجتماعية قبل فوات الأوان، فهذا الفريق الناقم على الوضع لديه ثلاث تجارب انتخابية لم يكن له فيها دور الفعل الحقيقي.

في الفترة الانتخابية الأولى تم تمرير مرشح رئاسة الوزراء بتوافق محلي أولا وخارج السياقات الانتخابية، وبطريقة المحاصصة، استبعد على اثرها إبراهيم الجعفري ومرشحين اخرين، رغم ان حضورهم الشعبي كان الأكبر، لتمر السنوات الأربع مع نوري المالكي، وفي انتخابات عام 2010 فازت قائمة رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي، بفارق ضئيل عن ائتلاف دولة القانون، لكن الاتفاقات المحلية والإقليمية هي من صعدت قائمة دولة القانون، ونذكر جيدا اجتماعات أربيل التي افرزت لنا حكومة قائمة على المحاصصة وانتهت بانهيار كامل للدولة عام 2014.

في انتخابات عام 2014 فاز ائتلاف دولة القانون، وحصل زعيمه نوري المالكي على اكبر عدد من الأصوات على مستوى العراق، حيث وصل مجموع اصواته وحده ما يقارب المليون صوت، وهو عدد دفعه للتمسك بشدة بمطلبه ليكون رئيس للوزراء، مستندا الى هذه القاعدة الشعبية بالإضافة الى الكثير من رفاقه بالقائمة الذين اكتسحوا الساحة.

لكن في هذه المرة انقلبت اللعبة التي قام بها المالكي عام 2010، فرغم فوزه بأكثر الاصوات تم استبعاده، لانه لم يعد يحظى بدعم من القوى السياسية المحلية التي ترى فيه ساعيا للهيمنة المطلقة على نظام الحكم، كما ان المجال الإقليمي والدولي لم يعد قادرا على تحمل اربع سنوات جديدة من حكمه، فتم استبعاده واختيار شخصية لم يكن لها وجود الا في نطاق ضيق، وهو رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي.

اليوم وفي هذه الانتخابات التي تعد الأولى بعد سيطرة داعش على ثلث العراق، وثاني اكبر مدينة فيه، والوضع الأمني المستقر تماما، زادت شعبية العبادي الذي كان ينظر اليه عديم الاهلية، وكثر محبوه، الا ان هناك مخاوف جدية من إمكانية استبعاده حتى وان حصل على عدد كبير من الأصوات، فالناخب هنا لا وجود له، وعليه الانصياع للرغبات الدولية والتوافقات الداخلية.

لذلك ليس من المستغرب ان تزداد التسريبات التي تتحدث عن انهيار حظوظ العبادي في الانتخابات المقبلة رغم شعبيته الكبيرة، فالقضية متعلقة بالكتل السياسية أولا، وبالاتفاقات الدولية ثانيا، في هذا السياق قال المتحدث باسم تيار الحكمة، نوفل أبو رغيف، أن "تيار الحكمة كحزب مشارك بالانتخابات المقبلة، لا يرى أياً من الوجوه الحالية ومن شاركت في إدارة العراق في المرحلة الماضية، بمن فيهم حيدر العبادي، قادرة على إدارة البلاد. وحتى هذه اللحظة نحن نتحدث عن توصيفات رئيس مجلس الوزراء العتيد ولا نتحدث عن شخصية أو اسم معين".

وينفي تيار الحكم عن العبادي دوره في إدارة الدولة في أسوأ مرحلة مرت بها البلاد، اذ يرى المتحدث باسمه أن "العبادي رئيس أنتجته الظروف، وإلا فإنه لم يكن من المرشحين لإدارة البلاد. في المرحلة المقبلة سنستخدم لغة الأرقام في التعامل مع هذا المنصب، وسنحدد المشهد المقبل من خلال ما نحصل عليه من أصوات".

المحلل السياسي احمد الشريفي لا يخرج عن الراي القائل بانتهاك سيادة الصندوق الانتخابي من خلال التاثير الخارجي، اذ قال في تصريح لصحيفة "العربي الجديد" أن "شكل الحكومة المقبلة، وتسمية رئيسها، سيحددهما التأثير الأبرز على العراق وهو المحور الثلاثي المتمثل ببريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا".

ولفت إلى أن "المحور الثلاثي المؤثر على العراق، ليس راضياً على الرئيس الحالي حيدر العبادي، (..) وانه "مقتنع بالعبادي كرئيس لتصريف أعمال البلاد فقط".

في الانتخابات العراقية لا يزال الصوت التوافقي السياسي (الداخلي والخارجي) اقوى بكثير من الصوت الانتخابي الحر للمواطنين، وهي مؤشرات خطيرة تنذر بعزوف كبير عن الانتخابات اذا ما وجدت الجماهير ان رأيها غير مؤثر في الوقت الذي تتهم هذه الجماهير بانها السبب بصعود شخصيات وأحزاب لم تنتخبها أصلا انما جاءت بها الظروف المحلية والدولية.

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0