شهدت الأعوام الخمسة الأخيرة وخلال الصراع المسلح بين النظام السوري وحلفاؤه من جهة وبين الفصائل المسلحة المختلفة الاتجاهات والولاءات في سوريا، (ما يشتبه) بانه هجمات بأسلحة كيميائية في مناطق متعددة تبادلت الأطراف المتصارعة فيها المسؤولية والاتهامات بالقيام بها.

كانت اول هذه الهجمات في أغسطس/آب 2013 حيث وقع هجوم بالأسلحة الكيميائية في منطقة غوطة دمشق، أدى إلى مقتل ما يقرب من 1400 شخص، وفي عام 2015 وقعت ثلاثة هجمات بالأسلحة الكيميائية شمال غرب محافظة إدلب، وفي 3 أبريل/نيسان 2017 قصفت طائرات يعتقد بانها سورية مخزنا للذخيرة في بلدة خان شيخون في محافظة إدلب، والضربة المزعومة الاخيرة في 8 أبريل/نيسان 2018، فقد افاد عمال إنقاذ وأطباء بمقتل ما لا يقل عن 70 شخصاً جراء ما يشتبه أنه هجوم كيميائي على مدينة دوما في الغوطة الشرقية في سوريا.

ملف الاسلحة الكيمياوية في سوريا كان قد اثير بعد هجمات 2013 أصدر حينها مجلس الامن قرارا بالرقم 2118 بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2013 وتمت الموافقة عليه بالإجماع، وتضمن القرار نزع السلاح الكيماوي السوري وتدميره وفرض لجان تفتيش للتأكد من تنفيذ النظام السوري للقرار.

في خضم هذه التجاذبات وبعد فترة من خفض التوتر في مناطق عديدة شهدتها الساحة السورية تصور الاغلب بانها تسير نحو الحل جاء الهجوم على الغوطة الشرقية في 8 ابريل لتعود الأمور الى المربع الاول مرة أخرى او الى منتصف الطريق على اقل تقدير، فبعد أيام من تصريح الرئيس الأمريكي ترامب بقراره بمغادرة القوات الأمريكية لسوريا سريعا، انقلب مؤشر السياسة الأمريكي ليعلن بانها ستسلك طرق أخرى للتعامل مع الحكومة السورية حال ثبت استخدامها للسلاح الكيماوي في دوما ولم يكن الخيار العسكري بعيدا عن هذا التلويح.

من يستخدم السلاح الكيمياوي في سوريا؟

بعيدا عن لغة الاتهامات وتبادلها وفي قراءة سريعة للموضوع يمكن تحديد عدة احتمالات للجهات التي قد تكون وراء استخدام السلاح الكيمياوي في سوريا للسنوات الأخيرة الماضية وهي:

أولا: النظام السوري، فقد يكون استخدام النظام لهذا السلاح نوع من أنواع خلط الأوراق ومحاولة لإعادة السيطرة على الأوضاع بطريقة قضم المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية والمسلحة، كما يأتي في سياق شق عصا الدول الغربية والإقليمية التي تحاول اخراج الرئيس السوري من سدة الحكم وارسال رسالة لها بان المنطقة قد تسير الى حافة الهاوية بسيطرة الجماعات الإرهابية على هذه الأسلحة والذهاب باتجاه الرضا بوجوده كنوع من افضل الحلول السيئة حفاظا على امن المنطقة برمته.

ثانيا: الجماعات الإرهابية والمسلحة، حيث قد تكون هي الاخرى في محل اتهام باستخدام هذا النوع من السلاح محاولة منها في رفع درجة السخط الشعبي والدولي ضد النظام السوري والذهاب الى مبدأ ضرب التفاهمات الدولية حول بقاء الأسد في الحكم خصوصا بوجود حديث وتفاهمات مع جماعات مسلحة قد تنخرط في العمل السياسي السوري المستقبلي مما يعني ضرب جماعات إرهابية وغير مرحب بها في مستقبل سوريا مما قد يدفعها لهذا العمل ضمن سياسة الأرض المحروقة.

ثالثا: الهوليودية الصفراء، قد يكون هذا العمل هو مجرد ادعاء او عمليات هوليودية تقوم بها جهات (صفراء) مهمتها استخدام هذا السلاح في مناطق وتوقيتات معينة لتهيئة الأرضية في محاولة لبعض الدول الكبرى فرض نفسها في التفاهمات التي تجري على الأرض السورية بعيدا عنها، وهنا يمكن التدقيق في التاريخ لفهم مايجري، فالدول التي كان لها تواجد كبير ومهم في الشرق الأوسط عموما وسوريا ومناطق جوار تركيا ولبنان لازالت تدفع بعودة حلمها للواجهة خصوصا وان بعض هذه الدول هي التي ساهمت بطريقة او بأخرى في نشر فرق البحث عن الضربات الكيمائية وكان لها حماس كبير في التأكيد على حدوثها رغم ان اغلب الدول مازالت غير متأكدة من استخدام هذا النوع من السلاح في سوريا.

تقسيم المقسم

ان محاولة إعادة رسم المنطقة بين خطين الأول يحاول إبقاءها موحدة وضمن شرق أوسطي موحد غير مجزئ فيما يذهب الثاني باتجاه التجزئة أي عودة الوضع الى ماقبل 1920 أي سوريا المقسمة الى ست دويلات على أساس طائفي مثلما كانت حينها تقسم وهي:

1- دولة دمشق من عام 1920 إلى عام 1925م بالإضافة إلى فقدانها أربعةً من أقضيتها الفرعية؛ طرابلس الشام، وصيدا، وبيروت، وسهل البقاع.

2- دولة حلب من عام 1920 إلى عام 1925م كانت تضم جميع مناطق الجهة الشمالية السورية، ومنطقة حوض نهر الفرات.

3- دولة العلويين من عام 1920 إلى عام 1936م كانت تضم كلاً من: محافظة طرطوس، وتلكلخ، وسقيلبية وجسر الشغور، واللاذقية العاصمة.

4- دولة لبنان الكبير من عام 1920 إلى عام 1926م كانت تضم كلاً من: البقاع بالإضافة إلى أقضيتها الأربعة؛ بعلبك وراشيا والبقاع وحاصبيا، وبيروت العاصمة بالإضافة إلى أقضيتها وتوابعها؛ صور وصيدا وطرابلس.

5- دولة جبل الدروز من عام 1921 إلى عام 1936م وعُرف جبل الدروز حتى عام 1970م باسم دولة السويداء، وتضم كلاً من: منطقة السويداء.

6- لواء الإسكندرون المستقل عام 1921 أعطيت الأقاليم الشمالية من سوريا إلى تركيا الأتاتوركية خلال معاهدة أنقرة من أجل ترسيم الحدود بين فرنسا وتركيا.

ومن خلال هذه المشاهد وبتفحصها (كما نعتقد) بان مسألة الاستخدام للسلاح الكيمياوي في سوريا ليست ضمن نطاق الصراع العسكري بين النظام والجماعات الإرهابية او المسلحة بقدر ماهي صراع دولي واقليمي على قيادة وتسيد المشهد، فالأسد يدرك جيد بان قدرته على استخدام هذا السلاح قد تودي به للهاوية دوليا وقبوله لقرار مجلس الامن 2118 يبدو مؤشرا لقراءته لهذا التوجه.

اما الجماعات المسلحة فحسب الظاهر تفقد قدرتها على استخدام هذا السلاح بشكل مؤثر وفاعل كونه يحتاج لقدرات وآليات كبيرة وبعيدة المدى، ولو انها استطاعت استخدامه لما تأخرت عن ذلك في العراق خصوصا ابان معارك التحرير التي شنها الجيش العراقي على اهم معاقل تلك الجماعات في مدينة الموصل والانبار العراقيتين والمحاذيتين للجانب السوري، حيث لم تسجل أي جهة دولية او محلية استخدام لهذا النوع في الأراضي العراقية خلال المواجهات بين تلك الجماعات والجيش العراقي والقوات العراقية الأخرى.

كما انها وحسب الظاهر ليست صراعا بين المحورين الروسي والإيراني من جهة والامريكي من جهة أخرى وان كانت تبدو للعيان هكذا، فيما يبقى احتمال ان الخاسرين في اللعبة هم من يحاول اثارة هذا الموضوع بتحريك جميع الاورق ومحاولتهم إيقاف القطار الأمريكي –الروسي-الإيراني المتجه مسرعا نحو محطة حسم الملفات وإيجاد التفاهمات.

المؤشرات تذهب باتجاه ان الرئيس الأمريكي سيستعرض عضلاته في سوريا بضربات محددة ولكن هذه المرة الرسالة موجهة لمن يقف بوجه التسويات واعاقة اكمال اللعبة الشرق أوسطية أكثر منها رسائل لسوريا او لحلفائها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2018Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0