في ظل انتشار وتعدد وسائل الشوسال ميديا، ربما لا يجد الإنسان حاجة للتلفاز في تزويده بالأخبار أو المعلومات الفورية، أو حتى سبل الترفيه كالأعمال الدرامية والأفلام السينمائية، فقد بات كل ما يعرضه التلفاز متاحا في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، حتى القنوات الفضائية بكل ما تعرضه من مواد خبرية أو فنية او علمية، يجدها الزبون في وسائل السوشال ميديا، التي لم تترك هامشا يُذكر لوسائل العرض والإعلام الأخرى، فاستحوذت على اهتمام الناس على مدار الساعة.

فهل نقول أن عصر الشاشة الصغيرة قد انتهى إلى الأبد، وأن التلفاز هذا الجهاز الصغير الذي يتواجد في بيوت الناس جميعا، حتى الفقراء منهم، لم تعد له حاجة تُذكر، على الرغم من أنه يقدم عبر مئات القنوات الفضائية، برامج مختلفة ومتنوعة، تبث للعائلات مشاهدَ وأفكارا لا حدود لها من حيث التنوع أو الجودة، وطالما أننا في عالم اليوم لا نستطيع إيقاف هذا السيل الإعلامي المتواصل، وليس لنا قدرة على حجب القنوات الفضائية عبر الإنترنيت ومواقع التواصل، لأن هذا الأمر يثير موجة من الاعتراضات المكفولة بحرية الإعلام والرأي وما شابه، فإننا لابد أن نبحث عن سبل جديدة وطرق سهلة، تحقق لنا الاستثمار التوجيهي الأفضل للتلفاز، وأن لا نتخذ من عدم تأثيره في الأسرة أعذارا للتهرب من المعالجة.

المشكلة، بطبيعة الحال، هي أن جزءًا كبيرًا من اقتصاد العالم يتوقف على إنتاج الهواتف، والتلفاز، والأجهزة اللوحية، وجميع تلك الأشياء الأخرى التي يعتقد فيسبوك أنّه يمكن استبدالها بهذه التكنولوجيا.

لا لحجب وسائل الإعلام

إن قضية الاختيار بين هذه الشاشة أو تلك تبعا للقناة الفضائية وطبيعة سياستها في العرض، يستدعي الدقة في الاختيار، وهذا يستدعي بدوره وعيا متكاملا، لأن الحجب والمنع لم يعد أسلوبا ناجعا في عصر الانفتاح العالمي، لذا وانطلاقا من مبدأ أن الناس سيختارون ما يفيدهم أكثر، خاصة إذا تم الترويج والعرض للمعروض، بالطريقة التي تتناغم والمستوى العقلي والثقافي للناس، فإن هذا الأمر لا يختلف كثيرا عن التعامل مع مضامين ما يقدمه التلفاز، فعندما تقدم برامجَ وأعمالا درامية وحلقات فكرية تنويرية، تضع أمام المُشاهد حزمة من الأفكار الجديدة المتطورة التي تتناسب مع عقليته، وتهدف الى تحسين حياته، عند ذاك سوف يهمل المُشاهد القنوات الضعيفة التي تقوم برامجها وموادها الخبرية او الفنية، على التزييف والتفاهة والتسطيح في معظم الأحيان، ومع ذلك نحن إزاء أسئلة عن بقاء أو انتهاء دور التلفاز في حياة الأسرة، وانطلاقا من الإجابة الدقيقة عبر الاستبيانات سوف يتم التخطيط لمعالجة هذا الأمر.

لكن ثمة مشكلة كبيرة تكمن في طريقة وأسلوب التعامل مع التلفاز، والأمر يتعلق بما تعرضه من مواد فكرية دينية فنية سياسية ثقافية وسواها، فالمستوى المتدني لعدد من القنوات الفضائية التي تنسب نفسها الى الشعب العراقي من خلال التسمية التي تحملها، وكادر التقديم، واللهجة المستخدمة، قد لا تؤدي الدور الصحيح المنوط بها، ويكمن دليلنا في عدد ليس بالقليل من البرامج السطحية الباهتة التي تُعرض على أنها أعمال كوميدية ترفيهية، بحجة ان الملأ الأكثر من الناس، يحتاجون إلى برامج وأفكار تميل الى الترفيه أكثر من جديّة النتائج، وهو أمر قد يصح إلى حد ما، ولكن هذا لا يلغي أهمية تقديم الأفكار الجادة والمفيدة للمُشاهد، فالترفيه لا يلغي شرط الفائدة، بل على العكس من ذلك تماما، لأن الأعمال الترفيهية اذا امتزجت بالجدية والفائدة، سوف تكون متميزة على غيرها، كما نلاحظ ذلك في أسلوب الكوميديا الجادة، فحتى المرح والشعور بالارتياح يأتي ممزوجا بالفكرة التي تفيد المتابع، وتضيف له معلومة جديدة، تزيد من وعيه وثقافته ورصيده الذهني، وهذا يعني أننا ازاء دور موجود للشاشة الصغير حيث لم يتم إلغاء دور التلفاز حتى الأن.

كيف يؤثر التلفاز في الأسرة

فهناك أسر كثيرة لا تستغني عن التلفاز لأسباب عديدة، منها وربما أهمها عدم معرفتها لاستخدام وسائل السوشال ميديا بصورة متقنة، لذلك يبقى التلفاز مؤثرا في حياة الأسرة العراقية، وما يثير نوعا من القلق ذلك الإصرار العجيب على الأعمال الهابطة التي تقدمها عدد من القنوات الفضائية المنسوبة للمجتمع العراقي، وهذا للأسف يتكرر على مدار السنة، فمن يتابع تلك البرامج السطحية يصل الى قناعة تؤكد عدم الاستفادة من التلفاز والفشل في استثماره ثقافيا، بل غالبا ما يتسبب بإلحاق الضرر بالفرد والمجتمع العراقي، على العكس مما يحدث في مجتمعات أخرى، تبذل كل ما في وسعها من اجل تقديم الأعمال الجادة المتميزة التي تزيد من ثقافة الفرد والمجتمع، عبر برامج متنوعة، يتميز فيها عنصر الجدية والتثقيف، والتعامل مع التلفاز بما يحقق أكبر وأفضل نسبة من الفائدة، فضلا عن تحصيل التطوير الفكري والعملي الذي يستهدف الفئات العمرية المختلفة للمجتمع، وهذا يعني أننا لم نصل بعد إلى نهاية عصر التلفاز، ويكاد هذا الأمر مشابه لتلك الدعوات التي تقول بأن القراءة والمطبوعات الورقية انتهت، لكننا نلاحظ أن أهم ما يوثق المنجز الفكري هو طبعه في كتاب وتقديمه للقارئ بصيغته الورقية، وهذا يثبت أن الشاشة لم تختفي من حياتنا بعد.

وطالما أننا نقف توصلنا إلى وجود تأثير للتلفاز في الأسرة العراقية، لذلك علينا متابعة ما تعرضه الشاشة الصغير للأسرة بدقة، فثمة غياب للمنهج التلفازي العلمي الذي يهدف الى رفع مستوى تفكير الفرد والمجمع، وفهم ما يدور من حوله، وما يستجد في مجال الابتكار والاكتشافات، فضلا عن السلوك والتفكير الذي يرفع من شأن الإنسان، ويضاعف من قوة المجتمع وقدرته على مواجهة المحن، لاسيما أن العراقيين يواجهون اليوم مرحلة خطيرة تهدد وجودهم بالفناء، ونعني بذلك محاولات تمزيق البلد بالإرهاب أو بالفساد، تحقيقا لمخططات تآمرية وضعتها دول كبرى وإقليمية، لذلك حتى مع الانتشار الكبير للشوسال ميديا واعتماد الناس عليها في تحصيل المعلومة او الفكر والثقافة والترفيه، فإننا نواجه مشكلة بقاء الشاشة في البيت العراقي، لنستنتج أنها لا تزال تؤثر في تفكيره وثقافته وتوجهاته، ما يعني أن العصر الراهن لم يشهد اختفاء التلفاز، لذا على المنظمات والمؤسسات المسؤولة، أن تضع في حساباتها وجود هذا المصدر الإعلامي لدى الأسرة، وعلينا التعامل مع هذا الواقع بما يصب في صالح العراقيين وعيا وثقافة وعلما وتطوّرا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0