اعتبر بعض الكتاب ان المجتمعات الحالية تمارس عملية ما بعد الحداثة، فهي في طور التحول من مجتمعات الحداثة الى ما بعد الحداثة. لقد تتبّع الباحثون (ستيفن كروك، جان باكلسكي، مالكون واتر) التغيرات التي انطوت عليها تلك العملية وذلك بالمقارنة بين هاتين الثقافتين.

ثقافة الحداثة

يرى (crook) وزملاؤه هناك ثلاث خصائص رئيسية للحداثة وهي: التميّز والعقلانية والتشيؤ.

1- التميّز Differentiation

ويستلزم تجزئة المجتمع الى عدة اجزاء مختلفة. فالمجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية اصبحت وبشكل متسارع متميزة بعضها عن البعض الآخر. وبالاعتماد على آراء ماكس ويبر جادل كروك وجماعته ان مختلف مظاهر المجتمع يُحكم عليها تبعا للاطار الذي تتحرك فيه . فالعلوم يُحكم عليها بعبارات مثل الحقيقة والاخلاق ، القانون تُطبق عليه عبارات الخير والعدالة ، اما الفن تحكمه عبارات الجمال . كل واحد من هذه المجالات يطور مؤسساته المهنية الخاصة والتخصصات كذلك.

في البدء كان الأغنياء من الناس يعود لهم الفضل في تمكين الافراد ليكونوا موسيقيين محترفين او رسامين او عازفين. ولاحقا اُنشئت المؤسسات المتخصصة مثل مدارس الفن لتتولى تدريب اجيال المستقبل على التخصص الثقافي. اما المؤسسات الاخرى مثل المسارح والقاعات الفنية وصالات الاحتفالات فقد صُممت لتزيد من كمية المنتجات الثقافية المتوفرة. ولذلك فان الثقافة فُصلت او تميزت عن مظاهر الحياة الاخرى ، حيث اُنتجت من قبل المتخصصين الذين تدربوا في مؤسسات خاصة، ثم استُهلكت في اماكن معينة وهذا ادى بالنتيجة الى وضع اساس للتمييز بين ثقافة العامة (السائدة بين صفوف الناس العاديين) والثقافة العالية التي هي إنتاج المتخصصين من الافراد والمؤسسات.

ومع تقدم الحداثة ظهرت انواع جديدة من الثقافة الشعبية مثل قاعات الموسيقى والسفرات السياحية او ملاذات السواحل لأيام العطل. وهذه الثقافات ايضا تميزت عن جوانب الحياة الاخرى ولكنها لا تدّعي كونها من الثقافة العليا.

لابد من الاشارة الى ان البعض حاول تحطيم تلك الحدود بين الثقافة العليا والحياة اليومية بالادّعاء ان كل الاشياء اليومية هي جزء من الفن ، ولكن تلك المحاولات لم تنل التأثير الكبير على المجتمعات الحديثة.

2- الترشيد او العقلنة rationalization

يؤكد (كروك) ورفاقه ان الترشيد او العقلنة rationalization طبع ايضا الثقافة الحديثة ولكن ليست بالكامل كما في التميّز. فالموسيقى تأثرت كثيرا بالعقلانية المنسجمة التي استُعملت فيها الرياضيات في خلق الموسيقى النغمية. وكان هناك ايضا عقلانية لا بأس بها في إعادة انتاج الموسيقى وأشكال الفن الاخرى. والتكنلوجيا استُعملت لغرض تسهيل استنساخ واعادة خلق الثقافة. فمثلا البيانو سمح بإعادة انتاج نسخة معقدة من الموسيقى بآلة موسيقية واحدة. الراديو وجهاز التسجيل سمحا للموسيقى الاصلية بان تُستهلك على نطاق واسع. وتكنلوجيا الطباعة مكّنت من إعادة انتاج الأعمال الفنية ، فلا حاجة للاعتماد على جهود الفنانين من الافراد لكي نشاهد نسخة من الصورة. واذا كان البعض يرى هذه التطورات قد أضعفت التمييز بين الثقافة العليا والحياة اليومية، الاّ ان (كروك ) لا يتفق في ذلك. فالناس ربما بإمكانهم الجلوس في بيوتهم والاستماع الى بيتهوفن عن طريق الـ hi-fi غير ان ذلك انما يعزز من قوة ومنزلة الثقافة العليا، لأنه يعطي شرعية لفكرة ان افرادا معينين هم فنانون عظام.

3- التشيؤ commodification

ويعني تحويل المنتجات الثقافية الى أشياء او سلع يمكن بيعها وشرائها بسهولة. وطبقا لنظريات الثقافة الجماهيرية فان ذلك يحط من القيمة الجمالية ويهدد نقاء الفن الراقي. ذلك العمل سوف يجلب للجماهير ثقافة متدنية ووضيعة تهدد النوعيات المتميزة للفنون العليا. ولم يتفق (كورك) وجماعته على هذه الرؤية لأنهم يرون ان تنمية الذوق هو عنصر اساسي في الثقافة الحديثة. الاذواق تتطور فقط عندما تتوفر لدى الناس موارد كافية كي يختاروا طبيعة ما يستهلكون. وفي بدايات الحداثة كانت فقط الطبقات العليا تستطيع ذلك، ولكن مع تقدم الحداثة انتشرت قابلية الاختيار للاستهلاك الى جميع طبقات المجتمع. ان ذلك سوف لن يؤثر في إضعاف السلم التراتبي للاذواق، فأذواق الطبقات الاجتماعية العليا لازالت ذات قيمة أعلى مما لدى الطبقات الدنيا، والموسيقى الكلاسيكية الحديثة لازالت تُعتبر هي الأرقى قياسا بموسيقى البوب الاخيرة.

ما بعد الحداثة postmodernization

في مجتمعات الحداثة تميزت الثقافة عن مجالات الحياة الاجتماعية الاخرى، وكذلك تميزت الثقافة العليا عن الثقافة الشعبية. غير ان ما بعد الحداثة غيرت ذلك الاتجاه بشكل معاكس. يقول كروك ورفاقه ان تكثيف بعض العمليات السائدة ضمن أعمال الحداثة قاد الى ما بعد الحداثة. فالتميّز والعقلانية والتشيؤ جرى استبدالها بالتميز الواسع والعقلانية الواسعة والتشيؤ الواسع. وعلى الرغم من ان كل واحدة من هذه العمليات تنشأ من الحداثة وتكثّف من عمليات الحداثة الاّ انها أثّرت في تحويل بعض ميول الحداثة. وهذا قاد الى نوع جديد من الثقافة أطلق عليه كروك بما بعد الثقافة.

التشيؤ الواسع

ويعني ان كل مجالات الحياة الاجتماعية تصبح ذات صفة سلعية خاضعة للبيع والشراء. وفي المجتمعات الحديثة بقيت بعض اوجه الحياة الاجتماعية بعيدة عن المتاجرة وشكّلت مصدرا رئيسيا للهوية مثل الحياة العائلية والخلفية الطبقية للفرد والارتباط بالجماعة. وتلك الأوجه أثّرت على ما يستهلكه الفرد لأنها أثّرت على الاذواق. وهكذا نجد مثلا مختلف العوائل من مختلف الطبقات والمواقع تأكل مختلف الانواع من الطعام وتلبس انواع مختلفة من الملابس. وحينما حصل التشيؤ الواسع جرى إضعاف لتلك الاختلافات وتجاهل لها بعد ان حصل غزو سلعي لكل مجالات الحياة الاجتماعية. فمثلا النشاطات المتعلقة بالعائلة مثل الطعام اصبحت خاضعة لبرامج التسويق السلعي، والاستهلاك الذي كان يتم في المنزل وضمن أعضاء نفس العائلة اصبح وبشكل متزايد يأخذ طابعا مختلفا وذلك عبر استهلاك مختلف الاشياء. فالأطفال اصبح لهم تلفزيون خاص بهم ويجلسون في غرفة مختلفة عن غرفة الوالدين ويشاهدون برامج تلفزيونية وإعلانات مختلفة وحتى يتناولون طعاما مختلفا.

وبدلا من وجود ثقافة عائلية موحدة اصبح كل فرد في العائلة له اسلوب حياته الخاص به. وكذلك بالنسبة لأعضاء الطبقة الواحدة لم يعودوا يمارسون ذوقا واحدا بل اصبح بإمكانهم الاختيار من بين بدائل كثيرة من اساليب الحياة . ان اساليب الحياة lifestyle ذاتها اصبحت متحررة من الارتباط بمجموعات معينة. فمثلا الافراد من مختلف الخلفيات يفضلون اسلوب الحياة الخضراء تعبيرا عن خوفهم على البيئة، او ربما يختارون العابا رياضية معينة او فريقا رياضيا محددا.

يرى كورك ان الاسلوب هو مختلف عن الذوق لأنه غير مقيد بالعوامل الاجتماعية الخارجية كالطبقة. الاساليب هي انظمة من الاشارات . فالاسلوب الذي تختاره يحكي شيئا ما الى الآخرين حول نوعيتك انت كفرد، والاساليب تتأثر فقط بالافضليات الشخصية، فكل شخص يستطيع ان يصبح (بالاختيار) اي فرد.

العقلانية المفرطة

تتطلب العقلانية المفرطة استعمال التكنلوجيا الرشيدة في نشر الاستهلاك الثقافي على نطاق واسع. فالتكنلوجيا مثل الستلايت TV يسمح للافراد بالمزيد من الحرية في اختيار ما يشاهدون او يسمعون وكذلك الفيديو وجهاز التسجيل يسمحان باختيار زمان ومكان استهلاك المنتجات الثقافية. كل ذلك يساعد الافراد في اختيار اسلوب حياتهم الخاص، اما الاحداث الثقافية العامة مثل المسارح وقاعات الموسيقى التي عادة يتجمع فيها الناس ويستهلكون الثقافة في وقت واحد، اصبحت اقل اهمية وهو ما ادى الى خلل في التمييز بين الثقافة الاصيلة والثقافة غير الاصيلة. فصور الإعلام- ميديا سيطرت على المجتمع . فالاستنساخ الاعلامي وإعادة الانتاج بدأت تحل محل الأصالة ومحل الاشياء الحقيقية التي تمثلها. وبالتالي فقدت الاشارات والصور images ارتباطها بالحقيقة وهو ما يُطلق عليه بـ simulacrum (وتعني الصور عن شيء لم يوجد وهو غير موجود). فالمجتمع الحديث اصبح يرتكز على انتاج وتبادل التدفق الحر للصور، اي ان الكلمات والصور لم تعد مرتبطة بأي شيء حقيقي تشير اليه.

التميّز المفرط

يرى كروك ان ما بعد الحداثة رافقها تفتّح الآلاف من الأزهار، حيث نشأت مختلف اشكال الثقافة الجذابة دون سيطرة شكل محدد. فمثلا الثقافة الشعبية تجزأت الى عدد كبير من الاساليب المختلفة كل له مستمعيه الخاصين. وبما ان التنوع اصبح هو الطابع المميز ذلك جعل من الصعب ان يدّعي اي اسلوب معين تفوقه على الاشكال الاخرى.

اضافة الى ذلك قاد التميز الواسع الى دمج الثقافة العليا بالاشكال الثقافية الاخرى التي لم تحصل تقليديا على صفة الرقي والتميز. فمثلا الموسيقى الكلاسيكية استُعملت خلفية للاعلان او الافلام او البرامج التلفزيونية.

لقد ادّى التشظي المتزايد للتنوع المفرط الى حالة من إزالة الفروق dedifferentiation تحطمت فيها الحدود الفاصلة بين مختلف اشكال الثقافة وخاصة بين الثقافة العليا والثقافة الشعبية السائدة في مجتمعات ما بعد الحداثة. والثقافة العليا ليست وحدها اندمجت مع الثقافة الشعبية وانما الثقافة الشعبية ادّعت باستمرار كونها فنا خطيرا. فأصبح لكل شكل ثقافي مناصروه يعتبرونه الافضل من بين الفنون والاساليب الاخرى. فلم يعد للثقافة العليا حقا انفراديا بالتميز.

الخصائص الرئيسية لما بعد الحداثة

يحدد (سترانيتي) تلك الخصائص بالنقاط التالية:

1- انهيار الفروق بين الثقافة والمجتمع. وهذا يستلزم وجود مجتمع مشبّع اعلاميا فيه يصبح الاعلام الواسع ذا قوة شديدة. وبدلا من ان يعكس الاعلام للحقيقة أصبح التركيز منصبا على خلق احساس للمشاهد بذلك الواقع. فتكنلوجيا الحاسوب ساعدت في خلق واقع افتراضي يستبدل الصورة الحقيقية المقابلة لذلك الواقع. والفعاليات الاقتصادية ينصب اهتمامها على بيع وشراء صور الاعلام media images بدلا من المنتجات المادية.

2- والخاصية الثانية لما بعد الحداثة هي التأكيد على الاسلوب او الشكل على حساب الجوهر. وهكذا فان منتجات معينة تصبح شعبية لأن لها مصممين ماهرين في وضع علامات تجارية تضفي جاذبية لإسلوب الحياة بدلا من ان تكون مفيدة. فالمجتمع يخلق مصممين للايديولوجيا . فالنوعيات السطحية تكون اكثر اهمية من اي شيء عميق آخر (المزاح والسخرية، هما المسيطران على حساب المحتوى والجوهر، وبالتالي فان مواصفات نوعية مثل الجدارة الفنية والسلامة والأصالة والواقعية والعمق الفكري وقوة الرواية اخذت تتضاءل).

وكمثال على ذلك الفيلم الذي يُحكم عليه بالنجاح بقدر ما يقدم اثارة مرئية بصرف النظر عن كون القصة التي يحكيها الفيلم جيدة ام لا.

3- هناك تحطيم للاختلاف بين الفن والثقافة العليا. في ثقافة ما بعد الحداثة اصبح كل شيء قابل للتحويل الى نكتة او الى اقتباس او اشارة، وهكذا اندمجت عناصر ما يسمى بالثقافة العليا ضمن الثقافة الشعبية. الفنان اندي وارهول مثلا استطاع ان ينتج نسخة شهيرة للوحة الموناليزا لدافينشي تتألف من ثلاثين اخراج للّوحة. وقد اُطلق على ذلك العمل بـ (ثلاثين افضل من واحد) وهو يقلل او يضعف من اهمية اللمسات الفنية المتميزة لـ اللوحة الاصلية وذلك عبر امكانية استنساخ عدد لا متناهي من اللوحة.

ان ثقافة ما بعد الحداثة ترفض احترام خصوصيات الفن الذي اصبح جزءا من الحياة اليومية للمجتمعات الخاضعة للإشارات ، وبذلك لم يعد هناك اي شيء خاص يتعلق بالفن.

ان نقاد الثقافة الجماهيرية في العقود المبكرة من القرن الماضي كانوا في قلق جدي حول نفس ما يحصل الان، فما كان يخشاه اولئك اصبح حقيقة الان. غير ان انصار ما بعد الحداثة يؤكدون ان لا سبب يدعو للخوف ، هم يرحبون بالمرح والتنوع في الثقافة الجديدة لما بعد الحداثة والتي اصبح فيها الفن جزءا من الحياة.

4- والخاصية الرابعة لثقافة ما بعد الحداثة هو ظهور الفوضى في الزمان والمكان. بعد افكار ديفد هارفي يعتقد سترانيتي ان الانتقال السريع والاتصالات الفورية وسرعة انتقال رأس المال والمعلومات والتدفق الثقافي من مجتمع الى آخر كل ذلك قاد الى حالة من الارتباك بخصوص الزمان والمكان. والاعلام جعل من السهولة بمكان مشاهدة الأحداث في النصف الثاني من العالم تماما كما لو ان المشاهد هناك، ونتيجة ذلك حصل نوع من الالتباس لدى الناس من حيث احساسهم بالمكان.

ان ثقافة ما بعد الحداثة تخلق ايضا التباس في مفهوم الزمان. فمثلا الفنانين المعماريين عادة يسعون الى دمج اساليب من العهود السابقة وكذلك مهندسو الحدائق العامة يحاولون خلق المستقبل بإعادة خلق الماضي. اما افلام ما بعد الحداثة فهي تحاول الابتعاد عن متابعة القصة من البداية (زمان خطي) وتقفز حول وبين الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة مشوشة . ان عنوان ومحتوى فيلم (عودة نحو المستقبل) يبين مدى تجاهل ما بعد الحداثة للأفكار التقليدية في الزمان الخطي.

5- واخيرا اتسمت ثقافة ما بعد الحداثة بتراجع رمزية القصة او الرواية ، فلم يعد للناس ايمان بقصة كبيرة او فكرة عظيمة في العالم. فاصبحت هناك شكوك في اي معرفة مطلقة او كونية كالدين والعلم او الفن الماركسي وفن الحداثة، ان ما بعد الحداثة انكرت وجود اي معنى للتقدم في التاريخ. فافلام ما بعد الحداثة عادة تمزج مختلف العناصر وكذلك شكل الابنية ينطوي على مزيج من مختلف الاساليب . وكل ذلك يسعى الى ايصال رسالة غير مباشرة بعدم وجود اي اسلوب او نوع افضل من الاساليب والانواع الاخرى. فكل شيء متساوي مع الآخر واي بحث عن الحقيقة هو لا معنى له وخطير في نفس الوقت.

اسباب ظهور ما بعد الحداثة

حدد سترانيتي ثلاثة اسباب رئيسية لظهور ما بعد الحداثة:

1- ان المجتمعات الرأسمالية أبدت اهتماما متزايدا في النزعة الاستهلاكية. ففي المراحل الاولى من الرأسمالية كان التركيز ينصب على الانتاج وزيادة الطاقة الانتاجية للمكائن واشباع الحاجات الاساسية للناس، فاصبح لدى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة مستويات معاشية عالية وكان الهدف هو ان يصبح بإمكان الناس استهلاك اكبر حجم ممكن من السلع. ان تزايد السكان مع توفر المزيد من وقت التسلية والفراغ كل ذلك تطلّب وجود اعمال للترفيه وكان لا بد للناس ان يوجد من يقنعهم بإنفاق النقود اذا اريد للشركات ان تستمر بالعمل وتحقيق الارباح. فكان الاعلام هو المحور في هذه العملية وبالتالي كانت الصورة الاعلامية هي المسيطرة على المجتمع.

2- نشوء وظائف ومهن جديدة للطبقة الوسطى ساهم في تعزيز ثقافة ما بعد الحداثة. هذه الوظائف تتضمن التصميم والتسويق والاعلان والاعمال ذات الفعالية في مختلف مجالات الاعلام. وكل تلك الوظائف تتطلب اقناع الناس بأهمية الذوق ، وحالما يقتنع الناس بذلك فهم سوف يحتاجون الى خبرة المتخصصين بتلك المجالات والتي عادة يحصلون عليها من خلال الاعلام.

يرى سترانيتي ان مجموعات مثل المعلمين والعمال الاجتماعيين والمحاضرين والمعالجين الصحيين تُعتبر ذات أهمية كبيرة لأن اعمالهم تنطوي على فكرة الانجاز الضروري والسايكولوجي والنمو، وهي تشجع الناس على الاهتمام الجدي باسلوب الحياة. ان تلك الفئات الوظيفية تشجع الافراد على استهلاك السلع والخدمات المطلوبة لإشباع اسلوب الحياة الذي يعتبرونه الافضل لهم. ويصل سترانيتي الى ان الوظائف الجديدة للطبقة الوسطى وفي بحثها عن القوة الثقافية كل ذلك قادها نحو ما بعد الحداثة وبعيدا عن ثقافات الطبقات الاخرى مثل الثقافة العليا للطبقة الوسطى/انتلجنسينيا.

3- ان ما بعد الحداثة نتجت عن التخريب والإخلال في الهويات الجماعية والفردية فكان هناك اختفاء تدريجي للهويات القائمة على الطبقة او الدين او الجماعة المحلية او الدولة القومية، وهي لم تُستبدل بأشكال اخرى للهوية. فهوية الافراد اصبحت اكثر شخصية وفردية، والثقافة الشعبية ومعها الاعلام الواسع دخلا في المهمة باعتبارهما الاطار الوحيد المتوفر ليشير الى بناء هويات فردية وجماعية.

نقد نظريات ما بعد الحداثة

1- يرى سترانيتي ان فريق ما بعد الحداثة يبالغون حين يقولون ان الاعلام الواسع اختطف الحقيقة. فالاعلام الواسع يعتبر هاما ولكن ليس لتلك الدرجة. فالادّعاء بأهمية الاعلام (كمنتج ايديولوجي لأولئك الذن يحققون المنافع المادية منه) هو ادّعاء مبالغ فيه، ولا يرتكز على دليل عملي، حيث لا يوجد سبب للاعتقاد ان اغلب الناس لا يستطيعون التمييز بين الانطباع الذي يعكسه الاعلام والواقع. فمثلا القليل من الناس يعتقدون بواقعية الشخصيات المشاركة في مسلسلات الدراما الاذاعية والتلفزيونية (soap operas). وما بعد الحداثة فشلت ايضا في ان توضح بدقة سبب اهمية الاعلام وهي تتجاهل المجالات الاخرى للحياة الاجتماعية مثل العائلة والعمل والتي هي هامة ايضا.

2- كذلك تبالغ نظرية ما بعد الحداثة بأهمية الاعلام في تشكيل الطابع الاستهلاكي للناس ، والناس لا يشترون السلع فقط بسبب الصورة الانطباعية عنها او بسبب تصاميم الماركات التجارية الجذابة، بل هم يشترونها لانها مفيدة. كذلك ان الناس غير الاثرياء في المجتمع لا يستطيعون شراء المنتجات الغالية الثمن فقط لأن لها سماتها التجارية الشهيرة. واخيرا ليس كل فئات المجتمع لديها ثقافة تولي اهتماما للصور الانطباعية للسلع.

3- وفيما يتعلق بموضوع الزمان والمكان يرى سترانيتي ان بعض الناس لم تتوفر لهم الفرصة للتمتع بالسفر السريع او تكنلوجيا الاتصالات، فالفقراء ليست لديهم امكانية الوصول الى تلك الخدمات . كذلك ان بعض هذه التغيرات (مثل الطائرة والسينما) تعود الى فترات مبكرة سبقت ظهور ما بعد الحداثة. ان ما بعد الحداثويون لم يوفروا الدليل القوي على حدوث تغير في وعي الناس، فلا يوجد من الدراسات ما يشير الى ان الناس بالفعل لديهم التباس في موضوع الزمان والمكان.

4- رغم ان البعض قد يتفق مع ما بعد الحداثويون بشأن انهيار الحدود بين الفن والثقافة الشعبية، الاّ انهم يرون ان هذا الادّعاء ينطبق فقط على ثقافة الطبقة الوسطى من ذوي المهن الجديدة والتي يرونها مسؤولة عن ظهور ما بعد الحداثة. وعموما يستطيع الناس التمييز بين ما يعتبرونه فنا وبين الثقافة الشعبية، كذلك ان ما بعد الحداثويون انفسهم يميزون بين منتجات ثقافة الحداثة ومنتجات ما بعد الحداثة، واذا كانوا كذلك فان التمييز الثقافي يجب ان يستمر في ظل ما بعد الحداثة.

5- ان عناصر ما بعد الحداثة شائعة كثيرا في الاعلانات وفي البناء المعماري وهي قليلة الاثر في المجالات الاخرى وخاصة مجال السينما. فالعديد من الافلام التي يُنظر اليها ضمن ما بعد الحداثة في جانب معين، تُعتبر ضمن الحداثة في جوانب اخرى. فمثلا فيلم (عودة الى المستقبل) ربما فيه نوع من الالتباس في الزمان والمكان ولكن ايضا فيه جانب قصصي قوي يعكس جانبا من خصائص افلام الحداثة. فالعديد من مظاهر الحداثة للسينما المعاصرة هي ليست جديدة. ورغم ان الادّعاء بتأثير ما بعد الحداثة لا يمكن انكاره او تجاهله تماما الاّ انها تبقى عرضة لعيوب واخفاقات نظرية وميدانية، وهي بالتأكيد غر كافية كأساس في تطوير علم اجتماع في الثقافة الشعبية. فلابد هنا من التأكيد بان اي نظرية كاملة يجب ان تأخذ بالاعتبار عنصرين رئيسيين هما اذواق المشاهدين او المتلقين وحاجة القطاع الصناعي للثقافة في تحقيق الارباح.

* من كتاب سوشيولوجيا الثقافة والهوية، تأليف هارلمبس و هولبورن، ترجمة حاتم حميد محسن، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2010

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0