تعد مرحلة ما بعد تغيير النظام السياسي العراقي السابق في التاسع من نيسان 2003 من المراحل المهمة في تاريخ العراق المعاصر، نظراً لتداعياتها وللظروف التي رافقتها سواء على الصعيد الداخلي أم الإقليمي أم الدولي، ولما تعرضت له التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق من التشويه والغموض والإنحراف على الرغم من الطابع الديمقراطي الذي أتسم به النظام السياسي الحالي.

فالعملية السياسية في العراق لم تسير في الطريق الصحيح، إذ كانت الكتل والأحزاب السياسية على إختلاف عناوينها ومضامينها الدينية والعلمانية والقومية عامل تشويه للعملية السياسية، فقد كانت أحزاب طوائف وقوميات ومناطق أكثر منها أحزاب وطنية واسعة التمثيل لمختلف مكونات الشعب العراقي، فضلاً عن كون الخطاب السياسي والديني اتسم بالفوضوية في إدارة الدولة العراقية، وكان الصراع والتنافس على أدوات السلطة وامتيازاتها هو الإتجاه البارز في العملية السياسية.

ولا شك فإن طبيعة النظام السياسي القائم في العراق بعد عام 2003 لعب دوراً سلبياً في تمزيق التعايش والإندماج بين أفراد المجتمع، عبر قيامه على أسس المحاصصة والطائفية والقومية، الأمر الذي ساهم في خلق هويات طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية على حساب الهوية الوطنية العراقية الجامعة، مما أفقد النظام إمكانية بناء مؤسسات الدولة القوية، والحفاظ على أهم مقومات التسامح والسلم الأهلي.

وفي ضوء ذلك تأتي الإنتخابات التشريعية القادمة في آيار 2018 على قدر كبير من الأهمية نظراً لطبيعة التحديات التي تواجه العراق سياسياً وأمنياً وإقتصادياً وإجتماعياً، ولتداعياتها المحتملة على مجمل العملية السياسية في العراق، الأمر الذي يتحتم عليه ضرورة بروز نخب سياسية جديدة تعتمد مشروعاً سياسياً وطنياً بعيداً عن السياسات والممارسات السابقة القائمة على أساس الثأر والإنتقام والمحاصصة الطائفية والولاءات العرقية والدينية والقومية الضيقة، وبعيداً عن سياسات الإقصاء والتهميش التي كان لها الأثر البارز على وحدة المجتمع العراقي.

فالمشكلة الخطيرة التي يعيشها المجتمع العراقي تتمثل في غياب الوعي بطبيعة المخاطر المحيطة بالعراق وتجنب الإعتراف بها، وهو ما يعكس حالة من التخبط الكبير التي تسود أغلب القيادات السياسية. فكل طرف من الأطراف يحمل في عقليته فكراً أحادياً تجاه الطرف الآخر، بمعنى أن كل طرف يرى أنه يمثل الخير والآخر يمثل الشر، وأن خطابه الفكري والسياسي غير قابل للنقد. إذ أن الفكر اليقيني المطلق هو فكر إمحائي لا يؤمن بالآخر، ويسعى إلى إلغاء الفروق داخل المجتمع بكياناته ومكوناته وأفراده وسجن التعددية وإقصاء الخصوصيات. الأمر الذي يتطلب تغييراً في طبيعة العملية السياسية وتصويب الثغرات والسلبيات الموجودة، فضلاً عن بناء قاعدة جديدة من العلاقات المتوازنة والمتكافئة بين مختلف الأحزاب والكتل السياسية في العراق، وأن يكون مضمون العملية السياسية نابعاً من ضرورة بناء دولة الإنسان واحترام حقوقه وتعدديته ومشاركته في بناء دولة المؤسسات القائمة على أساس احترام الدستور والتداول السلمي للسلطة.

إن التسابق في بناء التحالفات الإنتخابية وطرح البرامج الإنتخابية لجميع الأحزاب السياسية دلالة مهمة على إستمرارية التحول في المشهد السياسي العراقي بعد إنتخابات آيار 2018 عبر إمكانية تغيير الخريطة السياسية في العراق وصعود أحزاب ووجوه جديدة إلى المشهد السياسي، على الرغم من التسابق الكبير بين الأحزاب السياسية في حسم النتائج لصالحها على حساب الأطراف الأخرى.

إن الإنتخابات القادمة ربما تكون البداية لمرحلة البناء الديمقراطي الحقيقي في العراق من خلال ضمان المشاركة الواسعة في صنع القرار داخل البرلمان العراقي القادم إستناداً إلى الدستور والقانون النافذ وبعيداً عن سياسات التوافق القائمة على المصالح الحزبية الضيقة والشخصانية، والتوجه نحو تحسين وتطوير الأداء الحكومي المتعثر عبر إختيار نخب سياسية قادرة على التغيير الحقيقي وبعيداً عن هيمنة ونفوذ الكتل الكبيرة او قادتها.

وفي ضوء تزايد التحالفات الإنتخابية وتصاعد الإختلافات بين الأحزاب والقوى السياسية مع وجود عدد كبير من الأحزاب والحركات السياسية يبقى العامل المهم والحاسم في ذلك التغيير هو دور الناخب العراقي في إختيار الأصلح من المرشحين لمجلس النواب العراقي شريطة توفر درجة عالية من الوعي ووضوح الرؤية والتدقيق في الأسماء والقوائم المرشحة، وعدم تكرار بعض الوجوه القديمة التي يرفض الشارع العراقي وصولهم إلى السلطة لفشلهم في إدارة الدولة في المرحلة الماضية مهما كانت العناوين والمسميات التي يظهرون بها.

فعملية تكرار بعض الوجوه التي فشلت في إدارة مؤسسات الدولة يعني في حقيقة الأمر تكرار الأزمات وإستمرار التراجع في البناء السياسي والإقتصادي والإجتماعي والأمني نظراً لإنعدام مقومات النجاح في المرحلة القادمة، مع عدم إستبعاد عودة الأحزاب السياسية إلى الإصطفافات الطائفية والقومية والعشائرية إذا ما شعرت بأنها سوف تخسر جزءاً من إمتيازاتها، على الرغم من الحديث عن كونها كتل عابرة للطائفية والقومية وتسعى إلى بناء دولة المؤسسات.

فالواقع السياسي العراقي يؤكد بما لا يقبل الشك بأن الأحزاب السياسية وبعد أن أدركت فشلها في إقناع الناخب العراقي، وفشل تجربتها السابقة في إدارة الدولة العراقية، لجأت إلى تغيير عناوين أحزابها والتخلي عن كثير من المبادئ التي كانت تلتزم بها على مدى السنوات السابقة، وهو ما يؤشر على أنه لا توجد مبادئ ثابتة لأغلب الأحزاب والكتل السياسية، إذ أن الأساس في تحركها هو ضمان مصالحها وإمتيازاتها تعزيزاً لموقعها ونفوذها في مؤسسات الدولة.

وعليه فإن مستقبل العملية السياسية في العراق بعد الإنتخابات القادمة وضمان إستمرار تلك العملية يتطلب تغييرا في المفاهيم والعقائد والسلوكيات التي سارت عليها الكتل والأحزاب السياسية منذ عام 2003 ولحد الآن، وهو ما يقتضي ضرورة التخلي عن التحالفات التقليدية القديمة ذات الولاءات الضيقة، والتوجه نحو تشكيل كتل وأحزاب قائمة على برامج إنتخابية تعمل وفق ثوابت وطنية وتتبنى نظاماً سياسياً هدفه الحفاظ على الوحدة الوطنية العراقية.

وهو ما يعني ضرورة زيادة الوعي السياسي والإجتماعي والفكري لدى أبناء المجتمع من ناحية، والنظر إلى الأحداث بنظرة واقعية لا مثالية، عبر ترسيخ مبادئ الحوار الديمقراطي واحترام الرأي والرأي الآخر، بعيداً عن أحادية الرأي والتطرف المقيت من ناحية أخرى، وصولاً إلى خلق قناعات مشتركة تساعد على بناء تصورات ومقترحات لكيفية مواجهة التحديات مستقبلاً.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2018Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0