المجتمع الدولي والسياسيات التي اتبعتها الدول الكبرى (في الغرب) في التعامل مع ازمة الحكم والصراع على السلطة في اليمن وليبيا، كانت من اهم الأسباب التي دفعت كلا البلدين نحو هاوية الدول الفاشلة، والغريب ان المجتمع الدولي ما زال يؤكد بان تنامي قوة المتطرفين في كلا البلدين، زاد خلال الأشهر الأخيرة بفعل الفوضى والتصارع الذي عصف بالدولة ومؤسساتها، من دون ان يكون هناك أي موقف واضح للمجتمع الدولي او المنظمات الأممية في التدخل لمنع انتقال عدوى "الفشل" او "الإرهاب" الى دول الجوار.

وهو ما حدث مؤخرا بعد الاعتداءات التي طالت تونس، والتي اشارت تقارير رسمية بان المهاجمين تلقوا التدريب والتسليح في ليبيا، وقد اشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية الى حقيقية أن "المسؤولية عن تدهور الأوضاع في ليبيا بعد الإطاحة بمعمر القذافي مسؤولية مشتركة لا يمكن تحميلها فقط على النزاعات الأهلية أو خلوها التام من مؤسسات بعد عقود من الديكتاتورية في عهد القذافي لكن يتحمل المسؤولية عن ذلك أيضا الغرب الذي فشل في المساهمة في بناء الدولة بعد تدخل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)"، بالمقابل فقد اجلت الولايات المتحدة الامريكية اخر 100 عنصر من قواتها الخاصة من اليمن (بعد ان أغلقت سفارتها)، بعد فرار عشرات الارهابيين من تنظيم القاعدة من معتقلين، في اشارة الى خروج الأوضاع عن نطاق السيطرة، (خصوصا بعد حادث تفجير المساجد في اليمن والذي راح ضحيته المئات بين قتيل وجريح)، واكتفت بدعوة الشعب اليمني الى التكاتف في صف واحد لمواجه الإرهاب.

وتتقارب ليبيا واليمن بوضع خاص في مسار الدول الفاشلة (وهناك معايير محددة للدول الفاشلة يمكن ذكرها في وقت لاحق) من عدة أوجه:

1. ان كلا الدولتين لهما أكثر من حكومة او سلطة فعلية، في ليبيا هناك حكومة في العاصمة طرابلس تدير السلطة السياسية فيها منذ سيطرة قوات فجر ليبيا (خليط من ميليشيات إسلامية مسلحة) عليها، تعمل مع المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (الذراع التشريعية لهذه الحكومة) وتعتبرها بمثابة "حكومة الإنقاذ الوطني"، فيما توجد حكومة اخرى تدير أعمالها من طبرق شرق البلاد إلى جانب برلمان منتخب، ويعترف بها المجتمع الدولي، بينما يتقاسم السلطة في اليمن جماعة "انصار الله" مع الرئيس "هادي"، فبعد سيطرتهم (الحوثيين) على العاصمة صنعاء، في سبتمبر الماضي، ومعظم مؤسسات الدولة، قاموا بحل البرلمان والحكومة وتشكيل حكومة ومجلس سياسي مؤقتين، فيما فر الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي" من صنعاء (بعد ان كان تحت الإقامة الجبرية) ودعا إلى حكومة جديدة أخرى مقرها عدن.

2. تملك جميع القوى التي تتنازع الحكم في ليبيا واليمن مقومات اقتصادية وعسكرية تمكنها من الاستمرار في الحفاظ على الأراضي التي تقع تحت حكمها، فمن اقتسام الأراضي وابار وحقول النفط الى انقسام المؤسسة العسكرية والأحزاب والقبائل بين الطرفين، أدت الى تعقيد المشهد بصورة كبيرة.

3. ان التنافس بين التنظيمات الإرهابية العالمية (تنظيم القاعدة، تنظيم داعش) كبير على انتزاع ولاء الحركات والميليشيات والقبائل المنتشرة في كلا الدولتين، وهو ما يؤكد ان الفوضى التي انتجها صراع السلطة قد ولد بيئة مناسبة لنمو الحركات المتطرفة، المغذي الرئيسي للمنظمات الإرهابية العالمية، وقد اشارت العديد من التقارير الاستخبارية الغربية، ان تنظيم القاعدة بات اقوى من السابق في اليمن بفعل الفوضى الأخيرة، فيما استطاع تنظيم داعش تثبيت جذوره داخل ليبيا ويمكنه الانطلاق منها لإعداد هجمات كبيرة مثلما حدث في تونس والاعتداء على "متحف باردو".

4. كلا البلدين يمثلان انتكاسة كبيرة لدول أخرى في حال تمكنت التنظيمات المتطرفة من استغلال الأوضاع الفوضوية فيها وتحويلها الى أفغانستان ثانية أيام طالبان، فليبيا تمثل البوابة الافريقية على اوربا مثلما تمثل البوابة الشمالية لأفريقيا (تقع في شمال أفريقيا على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط)، فيما تتضح أهمية اليمن الاستراتيجية لقربها من أكبر مصدري النفط في العالم (السعودية)، إضافة الى أهمية مضيق "باب المندب" (ممر مائي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر عمان) الجيوسياسية والتجارية المهمة.

5. كلا البلدين يشهدان تدخلا امميا ضعيفا، فعلى الرغم من تبني الأمم المتحدة لدعوة الفرقاء الى الحوار والشراكة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، إضافة الى تبني الأمم المتحدة التصويت على عدة قرارات متعلقة بالشأن الليبي واليمني، الا ان واقع الحال يختلف تماما عن التحرك الاممي، فالقتال المستمر بين الأطراف التي تقتسم السلطة وفشل الحوار وتبادل الاتهامات دلالات تؤكد عدم وجود دور فاعل للمجتمع الدولي.

6. البلدان مهددان بنشوب حرب أهلية خطيرة، ساعدت جميع الظروف التي تعيشها راهنا على إمكانية اندلاعها في لحظة، مثلما ساعدت أيضا على إمكانية تقسيم البلدين الى عدة دول او أقاليم وسط سيطرة أطراف وحركات مسلحة لها توجهات وأيدولوجيات مختلفة على كل دولة او إقليم مقسم.

والغريب في الامر ان المجتمع الدولي منقسم أيضا على نفسه بشأن الخطوات التي ينبغي اتخاذها بشأن الأوضاع المرتبكة في ليبيا واليمن، ففي حين دعت أطراف الى تبني الخطوات العسكرية واستعادة السلطة بالقوة، رفضت أطراف أخرى هذه الاقتراح الذي قد يؤدي الى المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، فيما دعت أطراف عديدة الى تبني الحوار بين الأطراف المتنازعة من اجل منع انزلاق البلدين الى حافة الحرب الاهلية وسيطرة المنظمات الإرهابية، لكن ما زالت هذه الدبلوماسية بعيدة عن ارض الواقع، طبعا لعدة اعتبارات يمكن اعتبار أهمها ان مصالح بعض الدول يمكن ان تصب في مصلحتها الفوضى الموجودة في هذه المناطق، كما ان الدعم الإقليمي والدولي للجهات المتصارعة على السلطة في اليمن وليبيا يؤثر بشكل كبير على اي تفاهم او حوار مستقبلي بين الأطراف المتنازعة.

لكن ينبغي الاهتمام بشدة لما يجري في ليبيا واليمن قبل انفجار الأوضاع وخروجها عن نطاق السيطرة، فالحرب الاهلية وسيطرة التنظيمات المتطرفة على كل او جزء من أراضي هذه الدول يمكن ان يقلب المعادلة (حتى للدول الداعمة لهذه الفوضى) في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا واوربا، وهو ما لا يتمناه أحد بالتأكيد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0