منذ الايام الاولى للتغيير السياسي في العراق في التاسع من نيسان عام 2003، والفقيه السيد محمد رضا الشيرازي – قدس سره- يتابع أوضاع الشعب العراقي، وما يواجهه من تحديات كبيرة تمثلت في المرحلة الاولى، في وجود القوات الاجنبية في العراق، وفي المرحلة الثانية: تعرضه لهجمة شرسة من الجماعات التكفيرية، وكان سماحته يستشرف آفاق المرحلة، وما يضمره الاميركيون تحديداً من وراء الحرب التي شنوها للاطاحة بنظام صدام، وايضاً الاهداف الحقيقية للجماعات التكفيرية التي كانت تدعي القتال ضد قوات الاحتلال، فيما كانت تقتل الناس الابرياء من شيعة أهل البيت، عليهم السلام، بالجملة بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة والاختطافات والاغتيالات.

ومايزال الشعب العراقي يواجه التحديات بأشكال جديدة، بعد تحوله من مواجهة الجماعات التكفيرية والمجازر اليومية في الشوارع والاسواق، الى مرحلة بناء الدولة بشكل جدّي من خلال التجربة الديمقراطية وصناديق الاقتراع، ولو كان سماحته حيّاً اليوم، لما غضّ الطرف عما آلت اليه هذه التجربة من تحول بعض النواب والوزراء والمدراء –ولا نقول جميعهم- من ممثلي للشعب، حيث اختارهم بنفسه وبملء ارادته من خلال صناديق الاقتراع، الى تماسيح تلتهم كل شيء دونما رأفة او شفقة بحال هذا الشعب، مما تسبب في تراجع مستوى الثقة، وتعميق حالة اليأس في النفوس، ولذا نلاحظ سماحته في كلمة له أمام جميع من الزائرين العراقيين، يشير الى إحدى وسائل التغيير السلمية والناجحة في جميع انحاء العالم، وهي؛ ممارسة قطاعات الشعب العراقي، الضغوط بمختلف اشكالها لتحقيق التغيير المطلوب، وكان الحديث آنذاك إبان وجود القوات العسكرية الاميركية في المدن العراقية، وما تسبب من اندلاع المواجهات والمناوشات العسكرية، لاسيما في مدينتي كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، التي اشار اليهما سماحته، الى جانب إشارته الى قتل الابرياء وترويع النساء والاطفال وهدم المساجد.

واليوم؛ ربما يحتاج الشعب العراقي اسلوب الضغط اكثر من تلك الايام، لانه في وضع غريب لم يعهده في تاريخه الحديث، فهو لا يواجه أعداء غرباء، حتى يرفع لواء المقاومة والتضحية والاستشهاد، وانما يواجه أعداء (اصدقاء) خرجوا من بين ظهرانيهم، فلا هو قادر على مواجهتهم بعنف والانقلاب عليهم كليةً، ولا يتمكن بالمرة من تحمّل وجودهم فترة أطول مما نهبوه وارتكبوا من الفضائع خلال الخمسة عشر سنة الماضية.

كل مواطن عراقي له دور في عملية الضغط

ان فاعلية الضغوط المجتمعية على مؤسسات الدولة، مطابقة لعملية التراكم في الحياة، حسب رؤية الفقيه الشيرازي التي شبهها بـ "القطرات التي يتجمع بعضها مع البعض الآخر فتتكون البحار والسيول"، بل إن "الكون العظيم الهائل مبني على تراكم الذرات وتراكم الخلايا".

من جملة التداعيات السلبية للسياسات الخاطئة، فقدان الناس ثقتهم بانفسهم وأنهم قادرون على فعل شيء يسهم في لجم أفواه المفسدين، او التأثير على القرار السياسي بما يصب في مصلحتهم وليس في مصالح الاحزاب والشخصيات السياسية، في حين ان ممارسة الضغط على الحكومات في العالم، يتشكل بالاساس من مواقف افراد المجتمع، عندما يلتزمون بالاعتصام او الاضراب عن العمل، او نشر الكلمة المعارضة في كل مكان، حتى جماعات الضغط في العالم، فان معظمها يتشكل من افراد المجتمع، فهم الذين يتظاهرون ويكتبون وينشرون ويتبرعون.

وهكذا الأمر في العراق الذي يحظى بشرائح اجتماعية واعية مع خزين من الثقافة والمعرفة والرصيد الحضاري، فالمواطن العراقي لوحده قطعاً لن يساوي شيء، لانه جالس أمام محله التجاري او خلف مكتبه الوظيفي في الدائرة الحكومية او أي مكان آخر، أما اذا تكاملت حركته مع جاره وصديقه والمتوافق معه في الرأي والعقيدة، فمن المؤكد سيشكلون وسيلة ضغط على الحكومة.

ويشير سماحة الفقيه الشيرازي الى العوامل المساعدة في هذا المضمار، وهي وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت، مبيناً أن "العالم لا يشبه عالم البارحة، إذ كان عالم البارحة مغلقا، أما عالم اليوم فهو عالم مفتوح، فبإمكانكم الآن أن ترتبطوا بأقصى فرد في العالم".

وهذا بدوره يحتاج درجة عالية من الشعور بالمسؤولية والخروج من قوقعة الذات وحب الأنا، لنكون مصداق الحديث النبوي الشريف: "حب لأخيك ما تحب لنفسك"، ومعروف عن المجتمع العراقي متشكل من شرائح فاعلة وناشطة مثل؛ طلبة الجامعة، وطلبة الحوزة العلمية، والعشائر، والتجار، والمثقفين؛ من أدباء وكتاب واعلاميين، الى جانب الاكاديميين والمهنيين، ولكلٍ من هؤلاء فرصة كبيرة لتشكيل جبهة ضغط سلمية من خلال الكلمة المسموعة والمكتوبة والتجمعات والاحتجاجات، في اطار التشكلات النقابية والتنظيمية، وربما ينصرف الاهتمام على قضية تخصصية لحل مشاكل في المدارس والجامعات، او مطالبة العشائر بالمشاركة في استتباب الأمن المجتمعي بالتنسيق مع قوى الأمن، او المطالبة بحقوق المثقفين وسن القوانين الداعمة لهم، وغير ذلك، وربما ايضاً، يكون الاهتمام مشتركاً بين الجميع للمطالبة بقضايا عامة تهم الشعب بأكمله، مثل تحديث القوانين، ومكافحة الفساد، والعمل على إنعاش الاقتصاد والتشجيع على الانتاج الوطني، والمزيد من ضبط الأمن العام.

من أين ينطلق الضغط؟

هذا هو السؤال المحوري في عملية الضغط المجتمعية على الدولة، فكيف يمارس الناس هذا الحق؟ ومن أين ينطلقون؟

يوجهنا العلماء الى أهم مراكز الانطلاق في عملية إصلاحية وتغييرية كهذه، وهي؛ المساجد والجوامع وايضاً الحسينيات، الى جانب المراكز الثقافية والتعليمية، مثل المنتديات والجامعات والنقابات، وبامكان هذه الكيانات ان تستقطب الافراد حول قضية ما وتحويلهم الى تيار معارض او مصلح لأي انحراف في الدولة. واذا سلطنا الضوء على المساجد والحسينيات، فهذا يعني تأصيل المطالب المشروعة وإعطائها بعداً حضارياً وقيمياً لا يمكن تجاهله بسهولة، فقضايا مثل؛ السلم، والحرية، والعدالة، وحقوق الانسان، ليس من المطالب الشخصية او المسيسة، انما هي مطالب نابعة من كيان الانسان الفرد والمجتمع، وطالما كانت المساجد في الاسلام منطلقاً لحل الازمات والمشاكل المجتمعية او السياسية، لاسيما في العهدين الذهبيين في فجر الإسلام؛ عهد النبي الأكرم، وعهد الامام علي، صلوات الله عليهما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1