غالبا ما يتم الحديث عن مثلث القيادة العالمي الجديد، امريكا والصين وروسيا، بنوع من السطحية لتفسير العلاقات بين هذه الاطراق الثلاثة، وفي اكثر الحالات يتم تفسير العلاقات بين الدول هذه وفق "نظرية المؤامرة"، وهو اسلوب عربي شائع لتبسيط كل شيء معقد.

نظام القطبية الذي ساد بعد الحرب الباردة، تحطم في السنوات الماضية، والواقع يتحدث عن نفسه، بان امريكا التي سيطرت على العالم بدون اي منازع لمدة عشرين عاما، لم تعد قادرة على فعل الكثير من الاشياء كما يحلو لها، رغم انها لا تزال القوة الاولى (على الورق)، في المجالين العسكري والاقتصادي.

على مدار العقدين الماضيين بنت الولايات المتحدة الامريكية استراتيجيتها للأمن القومي في الحرب ضد الجماعات الاسلامية المتطرفة، وبعض القوى الديكتاتورية ابرزها نظام صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا وكوريا الشمالية، مضافا لهم الحرب الشرسة ضد ايران، الان ان كل استراتيجياتها قامت على نظام التوسع في البلدان الاسلامية تحت ذريعة الحرب على الجماعات المتطرفة او الانظمة الديكتاتورية (المذكورة انفا)، باعتبارها داعما للإرهاب وفق المعايير الامريكية.

صعود بنفس الادوات

الجماعات الارهابية تأسست نواتها الاولى على يد واشنطن منذ ثمانينيات القرن الماضي، واسهمت بشكل او باخر في انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان اكبر قوة منافسة لأمريكا في القرن العشرين. هذه الجماعات ذاتها اصبحت السبب في عودة لاعب قديم ومرعب لأمريكا اسمه "روسيا"، وصعود لاعب جديد هو الصين.

الصين استفادت من انشغال امريكا بترتيبات البيت العالمي فعكفت على البناء الهادئ للداخل بعيدا عن الاضواء، وخلال المدة التي اشعلت واشنطن دول العالم الاسلامي منتشية بانتصارات وهمية ضد طالبان في افغانستان، ونظام البعث في العراق، وتدمير كل من سوريا وليبيا؛ اصبح الاقتصاد الصيني منافسا حقيقيا لنظيره الامريكي والميزان التجاري الذي يقارب نصف مليار دولار سنويا هو في صالح الصين بفارق شاسع، فضلا عن مشروع طريق الحرير "العظيم" الذي يعني سيطرة صينية على طرق المواصلات في العالم، اما على المستوى العسكري فان بكين قد اعادت تحديث قواتها المسلحة وزادت من النفقات العسكرية لحوالي 260 مليار دولار، كما انشات اسطولها الجوي والبحري، ومن اهم انجازاتها هي تدشين حاملة طائرات ثانية، والعمل على بناء الثالثة خلال السنوات المقبلة.

اما روسيا فإنها تمثل المنافس العسكري الحقيقي للقوة الامريكية في العالم، حتى في اشد حالتها ضعفا، اذ لا تزال تسيطر على اكبر مخزون العالم من الاسلحة النووية، وهي المزود الاول لمحركات الصواريخ الامريكية التي تطلق للفضاء، ولديها صناعات عسكرية يشهد لها العالم بتقنياتها عالية الدقة والمنافسة لنظيرتها الامريكية. وحتى الاقتصاد الضعيف لموسكو يعوضه الموقع الجغرافي الاستراتيجي في قلب العالم القديم، وتوسعها في السنوات الاخيرة في منطقة الشرق الاوسط.

عصر القلق الامريكي

هذه القدرات المتقدمة لروسيا والصين لا تجعل امريكا تعيش براحة بال وانما تجد من الضروري فتح المواجهة قبل ان يصل العدو الى الباب، لذلك اعلن وزير الدفاع الامريكي جيمس ماتيس، يوم الجمعة، 19 كانون الثاني 2018، عن اول استراتيجية امريكية للدفاع الوطني منذ عشر سنوات، وقال ماتيس إن "أولويات الأمن القومي الأمريكي لم تعد محاربة التهديد الإرهابي بل مواجهة التوسع السريع للجيش الصيني، وسياسة روسيا العدوانية".

وأضاف ماتيس ان "المنافسة مع الصين وروسيا تهدد قدرات الجيش الأمريكي حول العالم، وتتطلب تعزيز الاستثمار لجعل القوات الأمريكية أكثر فتكا، وشدة، واستعدادا للحرب". مبينا ان "التركيز الرئيسي للأمن القومي الأمريكي هو على منافسة القوى العظمى وليس الإرهاب".

وتحدد وثيقة امريكية أولويات وزارة الدفاع (البنتاجون) التي يتوقع أن تنعكس على طلبات الإنفاق الدفاعي المستقبلية. وأصدر البنتاجون نسخة غير سرية من الوثيقة مؤلفة من 11 صفحة اليوم الجمعة لم تقدم تفاصيل عن كيفية تطبيق التحول إلى مواجهة الصين وروسيا. ووصفت الوثيقة الصين بأنها تشهد صعودا في المجالات الاقتصادية والعسكرية. وبدأت الصين عملية تحديث واسعة النطاق لجيشها.

تأييد للتحالفات

كما أدرجت الوثيقة كوريا الشمالية بين أبرز أولويات البنتاجون مشيرة إلى الحاجة للتركيز على الدفاعات الصاروخية الأمريكية ضد التهديد الذي تمثله بيونع يانغ التي كدست، إضافة للأسلحة النووية، ترسانة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية والتقليدية.

وأضافت الوثيقة أن تشكيل تحالفات دولية أمر حيوي للجيش الأمريكي وهو الأفضل في العالم، بفارق كبير، من ناحية توافر الموارد. لكن الوثيقة شددت أيضا على ضرورة تقاسم الأعباء في تأكيد واضح على انتقادات ترامب لحلفاء لبلاده قال إنهم يستغلون الضمانات الأمنية الأمريكية بصورة غير عادلة.

وكان ترامب قد وصف حلف شمال الأطلسي بأنه "عفا عليه الزمن" لكن ماتيس قال إن الولايات المتحدة ستدعم تحالفاتها التقليدية فيما تبني شراكات جديدة وتستمع أكثر إلى أفكار الدول الأخرى.

ويعمل البنتاجون أيضا على وثيقة تخص سياسة البلاد حيال الترسانة النووية. وفيما لم يتطرق ماتيس بشكل خاص لتلك الوثيقة إلا أنه قال إن الأولوية هي الردع. وقال "كيف نحافظ على ردع نووي آمن وفعال حتى لا تستخدم تلك الأسلحة أبدا؟ إنه رادع نووي وليس قدرة لخوض حرب إلا إذا حل أسوأ يوم على أمتنا وفي تاريخ العالم".

وقال ماتيس إن التفوق العسكري الأمريكي تراجع ”في كل مجالات الحرب“ مرجعا ذلك جزئيا إلى وضع حد أقصى للإنفاق وخلل في الميزانية التي يقرها الكونجرس. واوضح انه "على الرغم من صعوبة الأعوام الستة عشر الأخيرة من الحرب.. لم يتسبب عدو في الميدان في الإضرار بجاهزية الجيش الأمريكي بقدر التأثير المشترك" لخفض الإنفاق والتمويل قصير الأمد.

وكان الرئيس الاميركي دونالد ترامب قدم الشهر الماضي "استراتيجيته للامن القومي"، وتقرير ماتيس هو الترجمة العسكرية لهذه الاستراتيجية. وكان ترامب شدد في استراتيجيته على ان "قوى منافسة مثل روسيا والصين تسعى الى ضرب قيم الولايات المتحدة وغناها ونفوذها".

وفيما يخص الإنفاق الذي يكشف عنه الجيش الأمريكي سنويا لا تزال الولايات المتحدة تفوق الصين وروسيا بكثير وهما الدولتان المنافستان اللتان ذكرهما ماتيس. وتنفق الولايات المتحدة 587.8 مليار دولار سنويا على جيشها مقارنة بإنفاق الصين 161.7 مليار دولار وروسيا 44.6 مليار دولار.

لكن الارقام لا تعني تحقيق التفوق دائما، فأمريكا لن تبقى لاعبا وحيدا، والسنوات المقبلة ستشهد تقاربا في مستوى ما تنفقه امريكا مع ما تنفقه الصين، فضلا عن ثبات الخطوات الروسية لاستعادة مكانتها العالمية حيث من المتوقع ان يبقى الرئيس فلادمير بوتين لفترة رئاسية رابعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1