لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، قانون فيزيائي حكم الكثير من المعادلات، وفي مداره تطورت التقانات، لكنه ويا للدهشة! لم يبق تأثيره مملوكاً لعلم الفيزياء، فانتقل إلى مساحات أخرى لا علاقة لها بالصناعة المادية، فأخذ هذا القانون يتسلل الى الاجتماع والسياسة والاقتصاد، فحتى العلوم الإنسانية لم تتمكن من التخلّص من ربقة هذا القانون العلمي المنسوب لألبرت انشتاين.

في غضون العقدين السياسيين الماضيين، تعاقب على إدارة الولايات المتحدة رؤساء من الصقور وأضدادهم، بوش الابن، أوباما (ولايتان)، ثم الشعوبي دونالد ترامب، لو سبرنا غور سياسات هذه الإدارات المتعاقبة، لوجدنا أن قانون الفعل ورد الفعل تحكّم بها إلى حدود بعيدة، فبعد وصول بوش الابن لقيادة أمريكا، نضاعف التوتر في العالم، وضُربتْ أمريكا في الصميم فيما يسمى باعتداءات أيلول/ سبتمبر، واشتعل كوكب الأرض بحروب حارقة قادها بوش بنفسه، واشتعل الإرهاب والتطرف والفكر العنصري ليشتعل العالم كله.

تلا بوش الابن رئيس يقدّر السلم، أو هكذا يبدو، ربما لأنه من أصول أفريقية، إنه أوباما الذي مال الى الهدوء والسلام، وقدم قوانين في صالح الطبقات الأدنى، كقانون الرعاية الاجتماعية، في السياسة الخارجية حارب العنصرية والتطرف فعزل (نتنيانو) العنصري وحجّمه ولجم سياسته المتبجحة، وعمّ الهدوء العالم أكثر من الإدارة السابقة، وعُقد الاتفاق الشهير حول الملف النووي الإيراني، لكن هذا لا يعني إطلاق اليد للتطرف والفكر العنصري، فقد أشرف أوباما بنفسه على عملية قتل بن لادن وسوى ذلك من أدوار هدّأت القلوب وأرحتْ النفوس بعض الشيء.

ليأتي دونالد ترامب هذه المرة، في عودة مريبة الى التشنّج العالمي، وقيادة نبرة فكرية عنصرية مريبة، ظهرت عبر تغريدات ترامت بموقع تويتر بمناسبة أو بدونها، في معظم أو جميع تصريحاته أو لقاءاته الصحفية أو السياسية أو الاقتصادية، وكان الفكر العنصري ينضح من كلمات الرئيس الشعبوي المهووس بألفاظ الحثالة والقذارة والفساد، كما لوحظَ ذلك في تصريحاته مؤخرا عندما وصف بعض الدول الأفريقية بدول القذارة، والحثالة، في إساءة تنم عن تشبّع بالفكر العنصري.

ولم يكتفِ ترامب بالإساءة للمهاجرين الأفارقة ولبلدانهم التي وصفها بالقذرة، فشمل بفكره العنصريّ المريض دولا أوربية مثل النرويج، حين قال بالفم المليان، نحن لا نرحب بالمهاجرين الأفارقة، لكننا نستقبل برحابة صدر مهاجرين من النرويج، ولعمري لم يجرؤ رئيس أمريكي سابق على مثل هذه الإساءات الخطيرة للبشرية، فسارع القادة النرويجيون الى رفض هذه التصريحات العنصرية وتهكموا منها وأدانوها، ولم تتوقف عاصفة الانتقاد للفكر الترامبي العنصري على المسؤولين الكبار، فانتشرت موجة من الانتقادات اللاذعة على وسائل الشوسال ميديا قام بها مواطنون عاديون، سخروا من ترامب سخرية لاذعة.

في داخل أمريكا نفسها، شنّ إعلاميون وكتاب وممثلون حملة واسعة مضادة لفكر ترامب العنصري، وقامت العديد من الصحف الأمريكية باستهجان التصريحات العنصرية الأخيرة لترامب، وحين سأله أحد الصحفيين كيف تجيب على من يتهمك بأنك رئيس عنصري؟. قال ترامب: أنا لستُ عنصريا!!. في محاولة مكشوفة لإقناع العالم بغير ما يحمل من فكر رثّ قضت عليه البشرية منذ زمن.

والجدير بالذكر أن أمريكا كانت قد غادرت العنصرية منذ عقود طويلة، بعد صراع أهليّ مرير بين البيض والسود، بعد أن قدّم الأفارقة الذي استقدِموا إلى أمريكا في حملات الرقيق والاتجار بالبشر الشهيرة، تضحيات هائلة وشهداء وآلام ونضال مرير لم يتوقف طيلة قرون، ليأتي اليوم بعد كل هذا التاريخ التصادمي المتوتر، ليعيد الكرّة، ويشعل فتيل العنصرية من جديد، ليس في أمريكا وحدها، ويبدو أن الفضاء الأمريكي وحده لا يكفي لشفاء غليل الرئيس المهووس بالفكر العنصري.

فانتقل الى بلدان العالم الأخرى في آسيا وأفريقيا، وبدأ يكبُّ الزيت على النار، واصفا بعض الدول بالقذرة، وأخرى بالحثالة، وطبيعي أن الفكر العنصري الذي ينزّ من تغريدات وتفوّهات ترامب، لا يمكن أن يتحجّم تأثيره في دائرة الكلام فقط، فتعدّى ذلك الى اتخاذ القرارات ذات الصيغة الإجرائية العنصرية، كما فعل الرئيس العنصري باتخاذه قرار نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس كعاصمة للكيان المسخ، هنا تحوّل الفكر العنصري الى فعل مجسّد، وعليه يعيش العالم حقبة جديدة من العنصرية التي بدأت بعهد ترامب.

هل تبقى البشرية مكتوفة الأيدي إزاء هذا الفكر المعطوب؟ أيصحُّ ذلك بعد أن قدمّت أمم العالم ما لا يُحصى من التضحيات حتى تضع الفكر العنصري خلف ظهرها، لتجده فجأة وفي غفلة من الزمن يقف حيالها مجددا وجها لوجه؟، بالطبع لم يسكت العالم، لا على مستوى الدول ولا على مستوى النخب ولا على مستوى الأفراد، حتى الداخل الأمريكي هنالك تحديات تواجه ترامب العنصري قد تصل إلى خلعه من ترؤّس الإدارة الأمريكية كما يظهر ذلك في بعض وسائل الإعلامية بالأخص الأمريكية منها، وقد يكون هذا هو السبب الذي دفع بترامب إلى خوض صراع ضارٍ ضد مؤسسات وصحف أمريكية محدّدة.

ولكن هذه الوسائل المضادة للفكر العنصري الترامبي وإن كانت لا تخلو من ضغط عليه، لكنها لا يمكن أن تصبح مؤثرة إلى الحد الذي يحجّم هذا الفكر ويمنع حامله ومطلقهُ من التمادي قُدُماً، الحاجة الى مكافحة أشد وأعنف وأكثر شمولية وتنظيما على المستوى الداخلي والعالمي، أمر لا يمكن إهماله إذا ما قيّض للعالم إطفاء فتيل العنصرية الذي أشعله ترامب، فهو يغذّ الخطى في سعيه المحموم لإحياء الفكر العنصري من رقدته الطويلة، إنه يزرق دماء العنصرية في شرايين هذا الفكر من جديد، متأملا في ولايته هذه أن يعيد البشرية إلى الوراء قرون وقرون.

لو كان هناك مسعىً أمريكيا عالميا جادّا لوأد هذا الفكر العنصري في مهدهِ، فليُعلَن ذلك على الملأ في مؤتمرات وندوات مناهضة للعنصرية، ولا يبقى الحال متروكا الى ردود الفعل الفردية التي سرعان ما تنطفئ جذوتها، في المقابل تتصاعد نبرة الفكر العنصري لدى ترامب، لأنه حتى هذه اللحظة في مأمن من أي تخطيط عالمي مضاد لفكره المشوّه، هنا دعوة إلى كل من يهمه الأمر بالشروع الفوري إلى وضع إستراتيجية فكرية تقف بقوّة البشرية كلّها بوجه الفكر العنصري الترامبي، ويُفضَّل أن يقوَّم هذا المشروع الفكري العالمي، بمساعدة المفكرين والكتاب والساسة الأحرار الذين ينشدون العدل والاستقرار والتفاهم الإنساني بين بني البشر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1