ضجة كبيرة اثارها قرار بسيط جدا، مجموعة من نواب مجلس محافظة كربلاء المقدسة يقدمون مشروع قرار "قدسية كربلاء"، والذي يتضمن منع عرض الملابس النسائية الداخلية وشبه الداخلية في ارصفة المدينة، فالمشهد يتعارض مع خصوصية هذه المدينة كما يقول القائمون على المشروع.

مواقع التواصل الاجتماعي التي انتفضت ضد القرار بتدوينات هجومية وجدت في المقارنات افضل وسيلة لاصابة هذا المشروع في نحره قبل تقدمه خطوات نحو الامام، فالغالبية ممن كتبوا الموضوع اكدوا انه استهداف للحرية الفردية وتدخل سافر في شؤون المواطنين، وطالبوا بتفعيل ملف الخدمات المغيب منذ سنوات، باعتبارها اكثر اهمية وملامسة لحياة المواطن الكربلائي.

اللغة السائدة في مناقشة هذا الموضوع لا تختلف كثيرا عن النقاشات حول الازمات السابقة التي تكشف عن حجم التصحر الفكري الذي يحتاج الى غرس روح النقد الحقيقي وفرزه عن الثرثرة الفيسبوكية الفارغة، فالشتائم هي السلاح الامضى والاكثر استخدام في لغة التدوين والنقاش العراقي، وكأن الجميع يبحث عن نصر شخصي لتبنيه وجهة نظر التقطها في زحمة الاحداث دون تفكير او نقد واعي.

لنتفق معا أن طرح قرار قانون قدسية كربلاء خاطئة وذلك لعدة أسباب سواء بالفعل الذي يمثله مناصرو القرار أو حتى رد الفعل الذي يمثله المعارضون:

١_ لو إرادة الجهات المعنية تمرير هذا القرار لاستطاعت إقرار قانون عام يمنع عرض جميع السلع بالارصفة، وهنا يمنع عرض الملابس النسائية المثيرة (التي أجبرت الكثير على النشر والتعليق). وهنا يمكن تحقيق اهداف اكبر، وبكلفة اقل، خاصة وان التيارات المعارضة للقضايا التي تحمل بصمات اسلامية تهتم بقشور الاشياء.

٢_ بالنسبة للرافضين للخطوة هذه، نطرح عليهم سؤلا بسيطا، لو كان عرض الملابس النسائية في الأرصفة أمرا اعتياديا، الا يمكن اعتبار عرضها داخل المحلات أمر اعتيادي ايضا لا سيما ونحن نطالب دوما بتفريغها من البضائع التي يكون اغلبها ملابس نسائية، وبهذا الاجراء تبدو تلك الارصفة اكثر حضارية. (اذهب الى مولات بغداد وستكتشف أن جميع الملابس تعرض في المحلات فقط دون الأرصفة).

٣_ اهتمام المواطن والمسؤول بقضية ملابس داخلية دون المشاكل الأخرى تمثل أزمة حقيقية في التفكير وتحتاج إلى وقفة وإعادة إنتاج الوعي بطريقة سليمة. اننا نعيش التقشف الفكري ونستقي معلوماتنا من مصادر لا علاقة لها بالتفكير اصلا. وما نراه في مناقشة هذا الموضوع وغيره هو مجموعة من الاتهامات التي تفتقد لاي منطق عقلي او علمي.

٤_لكن، لو افترضنا أن من اثارهم قانون قدسية كربلاء فقط دون غيرها، بأنهم جهلاء في امور البلد، بالاضافة الى حزمة كاملة من الصفات السلبية، هنا يجب ان نفترض ايضا ان الأمر ينطبق على من (عرفوا وشاهدوا وعثروا وامسكوا) بالكثير من الفساد داخل الدولة دون أن ترف لهم طرفه عين ودون أن يعرضوا ذلك على الرأي العام رغم أن وظيفتهم الكشف وهم اولى بالتوبيخ من ذلك الذي يدافع عن قدسية مدينة فيها مشكلات اكبر من تعزيز قداسة راسخة. والمقصود شخصيات اعلامية كبيرة تعرف الكثير لكن حالها لا يختلف عن الموتى حين يتعلق الامر بكشف ملفات تهم محافظة كربلاء. ونعرف جيدا ماذا يعمل الصحفي الكربلائي، وكيف يجني المال نتيجة حضوره مؤتمرات خالية المحتوى.

٥_دائما ما تستخدم الحرية الشخصية كـ"جرافة" لتهديم القيم الاجتماعية، (ولتحقيق غايات سياسية فقط)، انها السلاح الاول والاقوى للتيارات المدنية في ترويج ثقافة الوهم، وهي ذات الطريقة التي يستخدم فيها الدين كجدار لايقاف الفرد عن التقدم، وترويج ثقافة الوهم ايضا.

امام هذه المعطيات الواقعية تتكشف لدينا مشكلة خطيرة في التفكير لدى الفرد العراقي، والخطير فيها أن الجميع يجزم بصحة ارائه دون غيره رغم أنه يسير بنفس المركب، والاختلاف فقط أنه يجلس في اليمين وخصومه في الشمال.

......................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0