آراء وافكار - مقالات الكتاب

في ثقافة النقد ونقد الثقافة

او امراض النقد الاجتماعي في المجتمع العراقي

عن مفهوم النقد الاجتماعي:

في ركوب (باص الأجرة) او في السير في الشارع ولقاء الأصدقاء او أي شخص آخر في مجتمعنا، ستجده في حالة واحدة وهي تقييم وانتقاد المواقف المحيطة ونقد المجتمع وما يدور في الحياة. في هذه المواقف تتناسب الظاهرة النقدية مع الاحداث التي تدور في المجتمع، فممارسة النقد عادة هي استجابة للمشكلات والإشكالات التي تحصل في المجتمع، والتساؤل الذي يدور في خلد الكثير منا هل الممارسة التي تطرح الان هي نقد؟ وهل تؤدي وظيفتها المتوقعة؟

في اللغة يحدد النقد على انه: ابراز الشيء وبروزه، او اخراج الحسن من القبيح. وفي المفهوم الاصطلاحي النقد الاجتماعي: هو تعبير عن موقف كلي متكامل، اتجاه المشكلات التي تحملها البنية الاجتماعية والفعل، وهذا الموقف ينبني على:

- التفسير: الفهم الاولي لموضوع النقد ومحاولة فهم جوانبه.

- التعليل: الوقوف على أسباب حدوث الموضوع.

- التحليل: تفكيك الأسباب وربطها وفهم أثرها.

- التقييم: مرحلة اصدار الحكم على الموضوع.

وهنا سوف نفهم ان الناقد هو الشخص الذي له قدرة في تحديد موضوع المشكلة وفهمه وتمييزه وإمكانية اصدار الحكم بحقه مع طرح الحلول احياناً.

النقد كممارسة اجتماعية له أهمية كبيرة، فهو الوسيلة التقويمية والاصلاحية للحياة الاجتماعية، سواء كان من خلال وسيلته الدفاعية وهي ابداء الموقف الحاسم اتجاه الأفعال الخارقة للنظام الاجتماعي المهددة له بالخطر، أو من خلال نقد الجمود او الخلل في التركيبة الاجتماعية في الكثير من القيم والممارسات. ويؤدي النقد وظيفته السليمة من خلال وجود اطر ثقافية واجتماعية مهيأة لتك الممارسة الاجتماعية، من قبيل ايمان المجتمع بالنسبية الثقافية، قبول الاخر وحرية الرأي، استهداف الموضوع لا هوية الشخص الذاتية او الاجتماعية او حتى الدينية... الخ.

متى يكون النقد الاجتماعي حالة مرضية؟

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان في المجتمع العربي مجموعة من المفكرين الذي اخذوا على عاتقهم مشروع نهضة الامة العربية، فكان تساؤلهم المطروح هو: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟ وبعد مرور مئة عام وظهور احزاب قومية وإسلامية.. الخ عززت الهوية الاجتماعية والدينية، طرح نفس الموقف المقارن مع الاخر الغربي لكن بالصيغة الاتية: "ما الذي قدمه الغرب غير التقدم التقني؟ قد محى الغرب ملامح الانسان والأخلاق، نحن نمتلك الحقيقة".. وهذا النقد أسس في إطار المركزية الذاتية وثقافة اقصاء الاخر واعتباره هامش قلل من حضوره كقيمة غيرية في الحياة المشتركة في المجتمع، نتيجة غياب المشروع الفكري، او تشوه صورة الذات وعدم إدراك حدودها، ومن ثم وضعه في مقام المحاكمة الناتجة عن الصورة المؤولة من قبل الناقد ذاته، الذي هو بالأساس طرف مقابل وخصم.

هذه الإشكالية البنيوية في المجتمع العربي وجدت حضورها على مستوى الشخصية العراقية فأجتر مفهوم النقد الى ممارسات لصيقة مثل التشهير والتسقيط والاقصاء...الخ، وهي نتاج الامراض الثقافية والاجتماعية التي يعانيها المجتمع نتيجة التحولات السريعة وتراكم المشكلات الاجتماعية دون معالجة، فظهرت لنا أنواع من الامراض النقدية والتي ستوضع تحت العناوين الاتية:

1- الناقد التعويضي: وهم ما يدرجهم الطب النفسي في إطار المصابين بالدوافع القهرية الناتجة عن احباطهم وفشلهم في تحقيق الذات، وما يعانونه من شعور بالدونية ودنو القيمة، ويحاولون تعويضه في اسقاط هذا الشعور على الاخر ومحاولة جره الى المستوى الذي يعيشونه، ما يجعلهم في حالة من الرضا عن النفس. واستخدامه لنقد الاخر هو حيلة دفاعية لتحقيق الذات.

2- الناقد المقارن: هوس المقارنة مع الاخر والانشغال به أكثر من انشغاله في نفسه، وهذا النوع بين الأشخاص العاملين في نفس المجال او ذوي الاهتمامات المتشابهة، ولأنه غير قادر على تقديم انجاز بنفس مستوى الآخر، يكون شغله الشاغل هو التقليل من شأن منجز الاخر او انتقاص أفعاله، من خلال تعظيم قليله وتقليل عظيم الاخر، او استدعاء طرف ثالث أكثر عطاء من الشخص المنقود ويقارن اداءه به، ما يتيح القدرة على الحط من الاخر بداعي المقارنة.

3- الناقد المراقب: أبراج المراقبة هؤلاء عملهم هو تصيد الهفوات في أفعال واقوال الاخر، وهذه المراقبة هي نتيجة الفراغ الذي تعيشه الشخصية، وغياب المشروع والنشاط والعمل، ومن ثم قضاء الوقت في تلك الممارسة التي تبعث النشوة في تفكيك الاخرين من اجل الاستمتاع بها لا غير..

4- الناقد المنتفخ: النقاد المثقفين والأكاديميين الذين يعانون حالة مرض اشبه بمرض انتفاخ القالون فلنسميه القالون الثقافي، واعتقد هؤلاء المثقفين انهم ممتلئين ثقافياً ويمارسون الاستاذية والفوقية مع المجتمع في التعاطي مع اشكالاته ومشكلاته، وفي حالات النقاش او النقد يطلقون افرازاتهم الخبيثة بطريقة انفعالية تبعث في أنفسهم الارتياح، لذا فان نقدهم يتخلله الشتم والتحقير ولغة التعالي والترفع على الاخر..

5- الناقد الشهوي: وهو الناقد الذي يمارس النقد من اجل النقد، والنقد عنده اشبه ما يكون بالغريزة الثقافية، شهيته مفتوحة لالتهام أي موقف او ظاهرة او فعل او منتج، بطريقة تتيح له الاستمتاع بافتراسه وعرض الذات وقدراتها في الإطاحة بالآخر.

تداعيات النقد الاجتماعي:

انفاً أشرنا الى النقد باعتباره أداة مهمة في انتاج ثقافة قادرة على تفكيك نفسها وإعادة انتاجها بما يناسب الموقف الزمكاني الذي مرت به، وعليه فان الموقف النقدي يسهم في تقويم التركيبة الاجتماعية من السلوك وصولاً الى البنى، لكن ذلك يحتاج الى بناء ثقافة نقدية يمكنها ان تنقد الثقافة، فالنقد صيرورة الوعي، وفاعل لحركية ثقافية تقويمية تمارس دورها في تحديث وتحديد الرؤى والمواقف الاجتماعية للمجتمع، هذا من جانب ومن جانب اخر، ممارسة النقد بدوافعه المرضية ينسحب على الفرد وبالتالي على المجتمع سواء كان على المستوى النفسي، الإحباط وعدم القدرة على العمل السليم نتيجة النقد الموجه للشخص او قتل للاستعدادات الإبداعية للأفراد، واهم التداعيات السلبية للممارسة النقدية بالسلب هو خلق حالة الضجر الاجتماعي، وهي عدوى النقد والتذمر التي تسيطر على المجتمع ومراقبة الاخر وإقناع النفس بانها على حق لكن المجتمع بطبيعته لا يقبل أي شيء ويبرر الفعل السلبي أخلاقياً باجترار مقولات الموروث الشعبي "هم على النبي ما رضوا يرضون علي" وعليه اسس الضجر الاجتماعي الى حالة عدم رضا الكل على الكل..

سبل جعل النقد الاجتماعي أداة إيجابية:

بالإمكان ممارسة النقد وابداء الموقف بما يسهم في بناء ثقافة نقدية تساهم في بناء مجتمع حركي ومتفاعل من خلال بناء النقد للثقافة والآخر على مفاهيم سليمة يمكن الإشارة الى بعضها:

- النسبية الثقافية: إدراك النسبية الثقافية يساعد في تنازل الفرد عن مفهوم الحقيقة المطلقة التي يتبناها، ويؤمن بان اختلاف الاخر امر وارد مهما كان شكل هذا الاختلاف مما يجنبه محاكمة الاخر محاكمة قيمية أخلاقية.

- القيمة الغيرية: تجاوز مفهوم المركزية الذاتية والتعاطي مع الاخر من خلال قيمه ونظرته للأشياء، والعبور من اعتبار ان الآخر هامش الى عده قطب اخر للحياة.

- تأسيساً على ذلك فان قبول الاخر والطرح الإيجابي في مقدمة النقد تكون أداة مهمة في تسهيل مهمة الناقد وإمكانية قبول نقوده من قبل الناقد..

- البقاء خارج دائرة الآخر: والقصد من ذلك بقاء الشخص المعرض للنقد خارج دائرة التصورات التي طرحت اتجاهه، كي لا يكون تحت تأثير الاحكام الصادرة بحقه، ومن ثم تحدد سلوكه من خلالها وان كانت سلبية ستحيله الى سلبي او العكس، اذ ان الدخول في دائرة حكم الآخر تمارس ضغطها الى إرادة الفرد وقدرته الذهنية على تحديد الموقف.

* حسام الدين شلش، باحث في علم الاجتماع بجامعة بغداد وباحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2017Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1