تغيرات سياسية وامنية عدة ساهمت بشكل مباشر او غير مباشر في ابراز قضايا جوهرية لم تكن المرحلة السابقة تتيح ظهورها بهذا الوضوح. وهذه القضايا الجوهرية تتمثل في المواقف الاميركية الواضحة في ضرورة تحقيق الاستقرار في البلاد، وبناء وتطوير القدرات العسكرية العراقية وتحديد النفوذ الايراني، والدعم الاقتصادي.

اما المتغيرات التي دفعت دبلوماسيين وباحثين اميركان بالحديث عن هذه الاهداف هي قرب نهاية داعش والقوات العراقية تجتثه في آخر معاقله في غرب البلاد، والاستفتاء في اقليم كردستان وتداعياته السياسية والامنية وقيام الحكومة بفرض السلطة الاتحادية على كامل اقليم الدولة العراقية من مطارات ومنافذ حدودية.

تغيير خارطة الحلفاء يدعو الى ضرورة استقرار العراق:

لعب الاكراد دور الحليف الثابت للولايات المتحدة بعد 2003 وذلك عبر وسائل عده منها المواقف الثابتة والواضحة الداعمة للسياسة الاميركية في العراق والمنطقة، وكذلك اللوبي الكردي في واشنطن ودوره المتصاعد بنجاح في كسب رأي نخبة من الساسة والكتاب الاميركان لمساندة قضاياهم.

ومهما يكن، فإن رفض رئاسة اقليم كردستان لطلب وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون بتأجيل الاستفتاء والاصرار على اجراءه رغم تكرار الطلب الاميركي -ومن مواقع عدة- بتأجيله، زعزع من ثبات الاكراد كحليف لواشنطن التي – في الوقت نفسه - تشيد دائما بنجاح الحكومة العراقية في القضاء على داعش والتكيف من الازمة المالية بسبب الفساد وانخفاض اسعار البترول وتصاعد الانفاق العسكري وبالنتيجة تجاوز اصعب مرحلة مرت بها الدولة العراقية منذ تأسيسها. الامر الذي صاعد من درجة الموثوقية الدولية ولاسيما الاميركية بالحكومة العراقية الاتحادية بهذا المنجز العسكري.

وبعد التداعيات الاخيرة في نشر سيطرة الحكومة الاتحادية وقواتها في كركوك والمناطق المتنازع عليها والاشتباكات الطفيفة التي حصلت قرب معبر فيشخابور، فإن الجانب الاميركي يبحث عن تحقيق الاستقرار ويجدد الدعوة للحوار بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية. فبعد الانتهاء من تنظيم داعش الارهابي تتطلع الادارة الاميركية الى تحقيق الاستقرار الذي يبدأ من اعادة الاعمار، وذلك لتجنب امتداد أكثر للتأثير والنفوذ الايراني كما يؤكد ذلك العديد من المحللين الاميركان.

تدعيم الاستقرار وسيادة القانون وتحديد النفوذ الايراني يتطلب تطوير القدرات العسكرية والامنية:

نشرت مجلة "Foreign Policy" الاميركية تقريرا جاء فيه " أن تنظيم ""داعش" خسر تقريبا المناطق التي كان يطلق عليها الخلافة في العراق وسوريا كلها، مشيرين إلى أن هذا لا يعني أن أميركا ستسحب آلاف الجنود الذين أرسلتهم لمحاربة الإرهابيين".

ويستدرك التقرير بالقول " أنه بالرغم من السيطرة على الرقة، التي كانت عاصمة للتنظيم، وطرد التنظيم أيضا من المناطق التي كان يسيطر عليها كلها تقريبا في العراق، إلا أن قادة الجيش يخشون تكرارا لما حصل بعد انسحاب الجيش الأميركي من العراق عام 2011، الذي أدى الى ذوبان الجيش العراقي الجديد أمام عدة مئات من المقاتلين المتطرفين بعد ثلاث سنوات من الانسحاب".

ويبدو أن هذا الأمر هو ما يدفع بالبنتاغون للإبقاء على القوات الأميركية في العراق؛ لتقوم بدعم القوات العراقية وتدريبها لمواجهة ما يراه القادة العسكريون الأميركيون تهديدا خطيرا، وإن كان ضئيلا.

ويبدو ان الولايات المتحدة وكجزء من اهدافها لمرحلة مابعد داعش هو تطوير القدرات العسكرية في العراق واستكمال بناء المؤسسات العسكرية والامنية، الامر الذي يعني تحديد قدرة وتأثير الفواعل من غير الحكومة وهي بعض فصائل الشيعية التي تقاتل داعش الان وفقا لرأي الكاتب الاميركي واحد مستشاري الامن القومي اوليفنت دوغلاس. الامر الذي يعني ان الادارة الاميركية قد قررت الخريطة الدبلوماسية والاستراتيجية لتوجهات ومهام وجودها العسكري في العراق بعد انحسار العمل الارهابي. والسبب الاخر هو استمرار تهديد داعش في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا. وتورد المجلة نقلا عن مسؤولي البنتاغون، قولهم "أنه بالرغم من التقدم المستمر من التحالف ضد الإرهاب، الا انه بقى هناك حوالي 6500 مقاتل تابع لتنظيم داعش في شرق سوريا والمنطقة الحدودية مع العراق، مشيرة الى أن القادة العسكريين الأميركيين يريدون مساعدة الشركاء المحليين في العراق وفي سوريا؛ لمنع تنظيم داعش من العودة، عن طريق الاستمرار في توفير الاستشارة لهم والتسليح، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي".

وتفيد المجلة بأن "القادة في العراق يريدون الابقاء على مهمة التدريب على قيد الحياة، حيث قال قائد القوات الأميركية في العراق وسوريا الجنرال روبرت وايت، لمراسلي البنتاغون في وقت سابق من هذا الشهر، بأن أميركا تفكر في أن تعرض على الحكومة العراقية خدماتها للاستمرار في تقديم خدمات التدريب والاستشارة للقوات الأمنية العراقية، لتستمر في بناء إمكانياتهم وطاقتهم في الجوانب التي لا يزال فيها نقص".

ويلفت التقرير إلى أنه في الوقت ذاته فأنه يمكن للقوات الاميركية أن تساعد في توفير ما يكفي من الأمن لجلب الاستقرار إلى الأجزاء التي دمرتها الحرب في العراق، ويقول الضباط العسكريون إنهم يعملون مع وزارة الخارجية الأميركية وغيرها من المؤسسات الاميركية؛ لبذل الجهود في إعادة البناء والاستقرار.

ويضيف التقرير سبب آخر لبقاء القوات الاميركية وهو خشية المواجهة المسلحة بين قوات الاقليم والقوات الاتحادية. اذ جاء فيه " أنه بعد المواجهة هذا الأسبوع بين الحكومة العراقية المركزية والأكراد العراقيين، فإن هناك تبريرا آخر لإبقاء القوات الاميركية، بحسب المسؤولين الحاليين والسابقين، وتساعد في تهدئة التوتر بين بغداد وأربيل فضلا عن المساعدة في تشكيل توازن للنفوذ الإيراني المتزايد،".

الاستقرار ودعم حكومة العبادي يتطلبان الدعم الاقتصادي

تحظى حكومة السيد العبادي –التي حققت نجاحات عسكرية على الصعيد الامني واستقرار في قوة العملة وزيادة في الانتاج النفطي على الصعيد الاقتصادي– بالدعم الدولي بشكل عام والدعم الاميركي بشكل خاص. وهذا الدعم لايقتصر على صعيد السياسات الداخلية بل تعداها الى السياسة الخارجية ودعم اندماج العراق أكثر بمحيطه العربي والاقليمي. وفي هذا الإطار حقق رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي نجاحا مؤشراً بوضوح في هذا الاطار بعد جولاته الاقليمية الاخيرة، وتداعياتها في اعادة بث الحياة للعلاقات مع العربية السعودية وسعيه في ان يكون العراق بعيد عن الانحياز لهذا الفاعل الاقليمي او ذاك. ولكن لايعد ذلك كافيا خلال المرحلة القادمة. فالأمر يتطلب ان تكون الحكومة العراقية على إدراك أكثر عمقا لأهمية السياسات الاقتصادية والاستفادة من الموارد النفطية المتاحة.

لذا، ففي الوقت الذي يكون الدور الرئيس والعبء الاكبر على الحكومة العراقية في اعادة تصحيح الوضع الاقتصادي ووضع رؤية اقتصادية للدولة العراقية، تدرك واشنطن ضرورة توفير الدعم للعراق بهذا الخصوص عبر المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين. وخلال الاشهر الماضية كانت هناك اتفاقات مهمة لصندوق النقد الدولي حول الاستعداد الائتماني مع العراق.

توفر قراءة واقعية لطبيعة الاهداف الاميركية نجدها ضرورية لصانع القرار العراقي في هذه المرحلة المهمة والحكومة العراقية تعمل على أكثر من صعيد. وبالتالي ادامة زخم النجاح الحاصل في المرحلة الحالية يتطلب قراءة واقعية لطبيعة التجاذبات الاقليمية والدولية ولاسيما الصراع البارز بين ايران والولايات المتحدة في المنطقة وحول حجم التأثير والنفوذ لكليهما في العراق.

ونرى ان الحكومة العراقية قطعت مسافة جيدة في وضع العراق على المسار الصحيح وعملت على تصحيح المسار مع المحيط الاقليمي العربي. وكذلك نجحت في استثمار ازمة استفتاء اقليم كردستان وتحويلها الى فرصة عززت من خلالها التعاون مع الجارة الشمالية تركيا والجارة الغربية ايران. الامر الذي يبعث برسالة واضحة لكل الاطراف ان عراق مابعد داعش والارهاب يسعى لعلاقات جيدة مع الجميع توفر له المناخ المناسب لتصحيح الاوضاع داخلياً.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0