فرض الواقع العراقي الجديد بعد عملية التغيير تحولات كبيرة منها أسلوب وفلسفة إدارة الحكم في البلاد، وأيضا القواعد الدستورية المقننة لها ولغيرها من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومع هذه التحولات الجديدة انطلقت أحلام الكثير خصوصا أحلام مجتمعات مثلت أرضها وخيراتها ثقلاً اقتصاديا ومجتمعيا وتأريخاً لا يمكن تجاهله لكنها ومع الأسف تعيش منذ تأسيس الدولة العراقية والي يومنا هذا في غياهب الفقر والحرمان والتهميش في شتى النواحي، وكانت عملية التغيير الفرصة الجوهرية في تبديد هذه الوقائع إلا إن غياب الوعي والإرادة والتخبط السياسي لدى النخب الحاكمة بعد عام 2003 العامل الأبرز في جعل أهالي هذه المحافظات الجنوبية وخصوصا محافظة البصرة يفكر أهلها في استثمار الفرصة التاريخية التي كفلها لهم الدستور بحق إقامة الإقليم.

فالدستور العراقي الذي اقر عام 2005 تضمن مبدأ حق إقامة الأقاليم واعتبرها الأساس في شكل الدولة من الناحية الإدارية والتنظيمية وهذا الحق منحه إلى كل محافظة أو عدد من المحافظات، فالمادة (119) منه تنص: يحق لكل محافظةٍ أو أكثر، تكوين إقليم بناءاً على طلبٍ بالاستفتاء عليه، يقدم بإحدى الطريقتين:-

الأولى: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلسٍ من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.

الثانية: طلب من عُشر الناخبين في كل محافظةٍ من المحافظات التي تروم تكوين الإقليــم أيضاً.

وكذلك نصت المادة (120) من الدستور على أن يقوم الإقليم بوضع دستورٍ له يحدد هيكل وسلطات الإقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على أن لا يتعارض مع هذا الدستور الاتحادي.

ومطالب سكان مدينة البصرة المطالبة بإقامة إقليم مشروعة وفق الواقع الدستوري والقانوني، لكن في المقابل تجربة إقليم كردستان كشفت الخلل والتناقض في هذه المواد مع أعراف وقوانين الأقاليم الفدرالية في دساتير دول العالم المتبنية للنظام الفدرالي، البعض يبرر تجربة كردستان بالأمر الواقع الذي سبق التقنين الدستوري للأقاليم، ومن ثم قد يصبح التشريع الدستوري للأقاليم مقاسا على إقليم كردستان، فمطالب إقامة إقليم البصرة وقعت ضحية هذه الوقائع الدستورية، حيث موارد المدينة الاقتصادية الضخمة يقابلها الواقع الاقتصادي المتردي، العامل الأخر في رواج فكرة تبني الإقليم من قبل سكان مدينة البصرة فما نسبته80%من إجمالي استخراج النفط وتصديره يخرج من هذه المدينة وبالتالي تمثل إيراداتها التي تدخل خزينة الدولة سنويا حوالي 75% من مجموعها الكلي.

وأيضا مرافئها وموانئها البحرية تعد المنافذ الوحيدة للعراق التي يطل بها على العالم، وبذلك فهي عماد التجارة العراقية في التصدير والاستيراد لمختلف أنواع السلع والبضائع. وكذلك تعتبر مدينة التكامل الاقتصادية لتميزها بالأراضي السهلية الشاسعة الصالحة للزراعة لتوفر المياه اللازمة لذلك، فنهري دجلة والفرات يلتقيان فيها أما الموارد الطبيعية الأخرى إضافة الى النفط فهي ذات إنتاج وخزين استراتيجي هائل من الغاز، وأيضا الجانب السياحي حيث تمثل الكثير من المعالم السياحية. في المقابل تعاني من أزمة تقديم الخدمات وغياب البني التحتية وتدهور التعليم والصحة التي لا تتناسب ومواردها الاقتصادية أيضا، كذلك ما عانته المدينة من تأثير حرب الثماني سنوات من الحرب مع إيران ومن بعدها احتلال دولة الكويت، خلفت تلك السياسات أثارا اجتماعية وبيئية واقتصادية وصحية منها الإمراض الوبائية والسرطانية التي تعد الأكثر انتشاراً فيها بسبب الحروب في هذه المدينة، والتلوث البيئي الذي ينتشر في أجواء هذه المدينة بسبب صناعة النفط والبتروكيمياويات.

وللواقع السياسي الأثر الأخر في تبني خيار الإقليم لدى سكان هذه المدينة، والذي يكمن بعدم تمثيلها بما يتناسب ووزنها في المواقع التنفيذية في الوزارات والمواقع الحساسة الأخرى في الحكومة الاتحادية في بغداد، يرجع البعض سبب ذلك إلى واقع الديمقراطية التي تحكم البلد والمتمثلة في الأحزاب والكيانات السياسية المتنافسة فيما بينها على المواقع السياسية التنفيذية والإدارية في مواقع الحكومة الاتحادية، فالحياة السياسية في العراق بعد التغيير أفرزت سيطرة الأحزاب السياسية العائد اغلبها من المهجر على مقاليد الحكم وهي (الأحزاب الشيعية والأحزاب السنية والأحزاب الكردية).

مدينة البصرة ولكونها ضمن نصيب بعض الأحزاب الشيعية أصبحت بعيدة عن التمثيل التنفيذي الفعال في الحكومة المركزية في بغداد لان بعض الأحزاب الشيعية قائمة على الزعامات الحزبية وبالتالي فأن اغلب زعمائها والخطوط الأولى لهم من المحافظات الوسطى وبغداد، وبالتالي أعطيت المواقع التشريعية في البرلمان لممثلي هذه المحافظة بينما أنيطت المحافظات الوسطى من العراق بالمواقع التنفيذية الاتحادية، فتقديم الخدمات ورسم الاستراتيجيات لإعادة الإعمار وفق التطبيقات العملية للنظام السياسي العراقي بعد عام 2003، تعطى للسلطة التنفيذية من وزارة ومواقع وهياكل تنفيذية أخرى كلمة الفصل في تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها وليس للمواقع التشريعية التي أصبحت ليس أكثر من منابر للتصريحات الإعلامية.

هذا ما لمسه البصريون خصوصا وسكان الجنوب عموما من ممارسة بعض الأحزاب الشيعية وتهميشهم لهم في السلطات التنفيذية الاتحادية وبالتالي حرك لديهم النزعة الفدرالية وذلك بإقامة إقليم خاص بهم يبعدهم عن هيمنة وسطوة بعض الأحزاب والقوى السياسية المسيطرة في الحكومة المركزية في بغداد، أمام هذه المبررات والوقائع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أثارت فكرة الإقليم لأهالي مدينة البصرة، نجد هناك رفض وتسويف وعدم ترحيب من بعض القوى السياسية والاجتماعية وحتى من أهالي هذه المدينة لخطوات إقامة الإقليم مستندة إلى الآتي:-

1- الخوف من تحول الإقليم إلى بؤرة جديدة من بؤر الصراع بين مراكز القوى فيه سواء على السلطة أو الثروات وأدارتها والخوف كذلك من التدخلات الإقليمية فيه.

2- قوى وشرائح اجتماعية شعبية واقتصادية واسعة في العراق تتخوف من تكرار تجربة إقليم كردستان في الجنوب وذلك لممارسات الإقليم التي لازالت تثير الكثير من الأزمات للحكومة الاتحادية والخروقات المتعددة للصلاحيات المحددة له وتجاوزها على صلاحيات الحكومة الاتحادية منها مسألة النفط والموارد الطبيعية، وكذلك الحدود الإدارية للإقليم وسيادة الحكومة الاتحادية عليها وعلى غيرها.

2- يبرر البعض أن الأكراد عند إقامتهم لإقليم خاص بهم كان ضرورة واقعية فرضتها عدة وقائع منها اللغة والعادات والتقاليد والجغرافية بينما البصريون يفتقرون لهذه المبررات.

3- يطرح البعض أن مسألة إقامة الأقاليم في العراق وفي ظل الظروف التي يعيشها اجتماعياً وامنياً تعني التقسيم المستقبلي لهذه البلاد وان الأقاليم تتطلب مرحلة من مراحل النضج الديمقراطي وهذا غير متوفر في ديمقراطية العراق.

بين الإصرار والحماسة لإقامة إقليم البصرة من قبل قوى سياسية واجتماعية وشعبية بصرية متعددة وبين الرفض والتسويف والمماطلة الحكومية الاتحادية في بغداد لها وكذلك تخوف بعض النخب الفكرية والأدبية والاجتماعية لهذه الخطوة نضع مجموعة من الحلول التي تضمن للبصرة حقوقها التي ترى إن عودتها لا تتم إلا بإقامة الإقليم منها ما يلي:-

1- مبادرات كثيرة قدمت في السابق منها مشروع (البصرة عاصمة العراق الاقتصادية) وكذلك مشروع البترودولار الذي يخصص من مواردها النفطية ليضاف إلى مخصصاتها الاتحادية من الموازنة على الحكومة الاتحادية.

2- تفعيل اللامركزية الإدارية وذلك بإعطاء صلاحيات واسعة لحكومتها المحلية سواء كانت تشريعية أم تنفيذية.

3- إعطاء أولوية اقتصادية لهذه المدينة وزيادة ميزانيتها الاستثمارية وميزانيتها من تنمية الأقاليم الخاصة بها وبما يتناسب ومواردها وصادراتها النفطية.

4- معالجة البطالة في هذه المدينة ومنها إعادة النظر بالعقود مع الشركات الأجنبية العاملة فيها سواء كانت نفطية أو غازية وغيرها وذلك بتضمين هذه العقود مع هذه الشركات، تشغيل الأيدي العاملة في هذه المدينة وإعطاءها نسبة عالية، حيث اغلب العاملين في هذه الشركات حاليا هم من خارج هذه المدينة سواء من المحافظات الأخرى أو عمالة أجنبية.

5- إعادة النظر بالتعريفة الجمركية وذلك بفرض ضرائب مجزية على الإيرادات الداخلة للعراق والتي اغلبها تدخل عن طريق موانئ هذه المدينة، واستثمار الجزء الأكبر من عائداتها في إعادة أعمار الحركة الملاحية وكذلك موانئ ومدن سياحية في هذه المدينة.

وفي النهاية مدينة البصرة تسعى من خلال الكثير من الفعاليات إلى إقامة إقليم خاص بها ولاشك أنها مطالب لها ما يبررها اقتصادياً وسياسياً، كما أن فكرة تبني الأقاليم في الأنظمة السياسية يعدها البعض أفضل فكرة أنتجها العقل البشري لحد الان في إدارة المدن والبلدان بواسطة أبنائهم وحكوماتهم الإدارية الخاص بهم، فهي في هذا الحال تتحول إلى اقرب ما يمكن وصفهم في حال تطبيق الأقاليم إلى ورش تجارية تتنافس في ما بينها في تقديم الخدمات والبني التحتية وغيرها، وتترك المسائل الخارجية والدفاعية والمالية عن هذه المدن من نصيب الحكومة المركزية، هذا ما تقوم عليه الفدراليات المتقدمة في دول العالم، وهذا ما يمكن أن تتبناه الحكومة العراقية في إدارة البلاد في المرحلة القادمة لكن وفق بيئة سياسية واجتماعية مستقرة.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق
Kadhim Albasri
California
إقليم البصرة هو الحل
ردّاً على مقال السيد باسم عبد عون فاضل/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، في مقاله الموسوم: " إقليم البصرة واحتمالية ظهوره على أرض الواقع.
لقد كان مقاله طويلاً بحيث لا يسعنا إن أردنا أن نردَّ على مقاله بردٍّ علميٍّ على نقاطه المهمّة باختصار، فكان لا بد من التفصيل والإسهاب.
إستطاع الكاتب أن يلفت القارئ في مقدمته من أنّ هنالك مجتمعات مثّلت أرضها وخيراتها ثقلاً إقتصاديّاً ومجتمعيّاً وتاريخيّاً لا يمكن تجاهله، وكان يقصد به حصراً المجتمع البصري، وبيّن الكاتب بأنّ هٰذه المجتمعات كانت تعيش غياهب الفقر والحرمان والتهميش منذ تأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١ وجعل الكاتب فرصة مجتمع أهل البصرة الجوهرية في حلم إستعادة حقوقهم هو أحداث التغيير بعد عام ٢٠٠٣ لٰكنه إعتبر غياب الوعي والإرادة والتخبّط السياسي لدى النخبة الحاكمة هو الذي بدّد حلم أهل البصرة في حلم فرصة التغيير فلذٰلك كانت نتيجة حتميّة على مطالبتهم بإقامة إقليم البصرة، وقد عدّ التهميش السياسي بعدم تمثيلهم في حكومة المركز الذي تُهيمن عليه الأحزاب سبباً في المطالبة وكذٰلك ما تورده موارد منطقتهم من ثروة نفطية وموانئ وغيرها للميزانية العامة بأكثر من ٨٠ بالمئة، ثمّ أبدا مخاوفه من الإقليم بأنه قد يتحوّل إلى نسخة من تجربة إقليم كردستان ونزاعه مع الحكومة المركزية وفقاً لبعض خلل المواد الدستورية التي تتصادم وتتناقض بين أطراف المركز والإقليم.
ثم يطرح الكاتب مخاوف بعض الجهات من إقامة الإقليم ويذكرها بأربعة نقاط، وبعدها يطرح الكاتب أيضاً حلولاً للبصرة بدلاً من إقامة الإقليم ويذكرها بخمسة نقاط، ويختم مقاله بخاتمة يدغدغ بها مشاعر البصريين بأهميّة ومنفعة الإقليم وعلى الحكومة أن تتبنّاه لكن علّقَ إقامة الإقليم وِفق بيئة سياسية مستقرّة. وسنرد على المقال - إن شاء الله تعالى - بالتفصيل وسنذكر المخاوف والحلول التي ذكرها الكاتب وكذٰلك نرد عليها.
" الرد على كاتب المقال "
البصرة لها خصوصية لا تشترك بها أي محافظة أخرى في البلد حتى المحافظات الجنوبية القريبة منها، فهي كانت تاريخيّاً مركز إشعاع العراق الحضاري والثقافي والديني والعلمي وبيئة خصبة لكل الثقافات والمدارس بموقعها الجغرافي الكبير الواسع وبثروتها البشرية التي كانت تتصدّر نُخبِها النُخب، وما يُحيط بها اليوم من مناطق خارج العراق وداخله كانت تابعة إليها، فتلك أطرافها وهي المركز، وإنّ ما جاء عليها بالعارض من إحتلالات وحوادث عبر التاريخ الحديث وتوالي حكّام الجور على مقدّراتها لا يمسخ إرثها الحضاري والتاريخي اليوم ليمنعها من أن تستعيد فاعليتها بين الأمم ولو بإعادة جزء من حقها في تلك الخصوصيّة، فالبصرة لم تطالب بالإقليم أول مرّة بعد أحداث التغيير من عام ٢٠٠٣ كما يروّج البعض لذٰلك، بل كانت وعلى الدوام تحتج وتعمل لإسترداد ما غُصِبت من حقوقها حتى وصل صداها لمحافل الدول، وإنّ القول بأنّ البصرة نادت بالإقليم كون الدستور العراقي الحالي ذكر مسألة الأقاليم فهٰذا كذب بواح ومغالطة على واقع البصرة وإرثها التاريخي والحضاري، فلو أردنا الرجوع إلى إطروحة الدكتوراه التي قدّمها الباحث الهولندي ريدر في جامعة إكسفورد وكان عنوانها " البصرة الدولة الخليجيّة الفاشلة/ الإنفصالية والوطنية في جنوب العراق " والتي نُقِلت تلك الإطروحة إلى اللغة العربية، فهي تُبيّن لنا بأنّ بعض رجالات البصرة حيث لم يؤسس بعد قيام للدولة العراقية بضل الإحتلال البريطاني قد طالبوا المسؤولين البريطانيين بمطالب الإنفصال وقد تكرّر الطلب من شخصيتين من أعيان البصرة أحدهما أحمد الصانع والآخر عبداللطيف المنديل، حتى عُدّا من قِبل المسؤولين البريطانيين في فترة الإنتداب المحركين الأساسيين لمشروع أو مخطّط الإنفصال. والإطروحة في أحد فصولها تبيّن موقّعي عريضة المطالبة بدولة البصرة وموقعي عريضة أخرى تطالب بعراق موحد. ومن خلال قراءة أحوال الموقعين يحلّل صاحب الإطروحة الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للطرفين، وصولاً الى فشل قيام دولة بصرية، وقد إنضمّا الى الحركة الإصلاحية التي يقودها المدعو السيد طالب. ولم يشرعا بالتعامل مع بغداد إلا بعد الاحتلال البريطاني، وبحرص شديد، إذ يروى أن الصانع الذي زار العاصمة الجديدة " بغداد " لأول مرة في حياته عام ١٩٢٠ لم يكن راضياً عن الأحوال في بغداد ولم تكن له سوى مساهمات قليلة كوزير بلا وزارة في الحكومة الموقتة، أما المنديل فلم يمارس فعلياً منصبه كوزير للتجارة، وعلى المستوى المحلي، أحرزا نجاحاً أكبر في التعامل مع الوقائع السياسية الجديدة، فعين كوكس " المندوب البريطاني " الصانع حاكماً على البصرة في أوائل عام ١٩٢٠.
إذن لم تكن مطالبات البصرة بخصوصيتها وليدة صدفة التغيير بعد عام ٢٠٠٣ بل هي قديمة منذ الإحتلال العثماني والإحتلال البريطاني، واليوم بعد قيام الدولة العراقية وبعد تبنّي الديمقراطية وكتابة الدستور الدائم الذي كان ذكره لفقرات الإقليم ضرورة حتميّة لوضع العراق الجديد، تعيّن أن تكون البصرة إقليماً بالحد الأدنى لخصوصيتها وليس لما لاقته من تهميش وغبن من قبل تعاقب الحكومات المحتلّة أو حكومات بغداد السابقة والحاليّة، فحرّكت لديهم النزعة الفيدرالية كما إدّعى الكاتب، فليس للبصريين نزعة فيدرالية أو غيرها بل الفيدرالية أدنى حق يطالبون به.
أما ما ذكره الكاتب من مخاوف لبعض الجهات ومنها الطبقة السياسية والإجتماعية وحتى من بعض أهالي البصرة كما أدّعى، وجعلها في أربعة نقاط، فسنُجيب عليها أيضاً بأربعة نقاط وكما يلي:
١- إدّعى الكاتب بأنّ هنالك مخاوف من تحويل الإقليم إلى بؤرة جديدة من بؤر الصراع بين مراكز القوى فيه سواء على السلطة أو الثروات وإدارتها والخوف كذٰلك من التدخلات الإقليميّة فيه.
وردّنا عليه، بإنها أكبر مغالطة يذكرها الكاتب، فالبصرة منذ الإحتلال البريطاني وانتدابه وتعاقب الحكومات الملكية والجمهورية عليه وإنتهاء فترة الحكم البعثي السابق وأحداث ما بعد التغيير عام ٢٠٠٣ وحكومة الأحزاب الحالية والبصرة وضعها مستباح، خيرها لغيرها، نفطها لغير أهلها، موانئها لسطوة حكومة بغداد، أرضها يُستقطع منها الأجنبي برضا حكومات بغداد وتطفّلها، فمَن كان يحكم عندما أقتُطِعت أجزاء من أراضيها للكويت، هل كان أهل البصرة يحكمون فوهبوا تلك الأراضي الشاسعة من البصرة للكويت أم حكومة المركز والحاكمين الحاليين من ضمنها، فلقد أُنتزع من أرضها بعهد المقبور صدام وكذٰلك قسماً من أم قصر وسفوان بعهد حكومة الأحزاب الحاليّة القابعة في المنطقة الخضراء المُدجّجة بأفواج الحمايات، ومن وافق على إجتزاء خور العميّة العراقي والسماح للكويت أن تُبحر بخور عبدالله العراقي وتتقاسمه معهم؟! هل كانوا أهل البصرة أم قنّن البرلمان العراقي لحكومة الأحزاب ذٰلك، فمَن هو الذي يفرّط بالبصرة؟!، فعندما يقول الكاتب عبارة " الخوف من الصراع لو تحوّلت البصرة إقليماً " فهل الصراع السياسي على الثروات وإدارتها اليوم غير موجود أم هو على أشدّه لتقاسم مغانم البصرة بين الأحزاب؟! فلماذا لا يعني للكاتب والجهة التي يتّبع أي أهميّة للصراع القائم على البصرة والذي تسبّب بإفقار البصرة وأهلها وتهميشهم، أم هو معنيٌ فقط بالصراع عندما ستتحوّل البصرة إلى إقليم؟!
أما التدخلات الإقليمية بالبصرة فهي موجودة اليوم لأنّ أجنداتها لها لاعبيها من الأحزاب الحاكمة في بغداد وذيولها في البصرة، وسبب هٰذه التدخلات هو ضعف الحكومة المركزية وموالاتها لأحزابها وبعض الدول الإقليمية.
أما موضوع الصراع الذي إفترضه الكاتب في إقليم البصرة فسوف لن يكون له موضوعاً، لأنّ ما نراه اليوم من صراع، هو إنما صراع الحكومة المركزية بأحزابها في المركز أو بالبصرة على خيرات وهيمنة القرار السياسي فيها، وليس لأهل البصرة علاقة أو طرف به، فالبصرة حسب الدستور لو تحوّلت إلى إقليم فسوف تتخلّص من تلك الهيمنة التي فرضتها الأحزاب الحاكمة قرابة عقد من الزمن، وذٰلك لأنّ أغلب من نصف جماهير البصرة مع الإقليم، فلو أقيم الإقليم فسينتج عن طريق الإنتخابات بزوغ جهات سياسية بصرية خالصة مولودة من رحم البصرة، ليس لها علاقة تابعية بأحزاب المركز أو رؤوساء كتل قابعة في المنطقة الخضراء أو جهات أخرى داخلية أو إقليمية، وإنما تابعيّتهم ستكون لأبناء البصرة حصراً، وسيعملون وِفق دستور الإقليم ووفق حكم السلطات الثلاث المنفصلة " السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية وقوانين الإقليم، وسيحمي حدود هٰذا الإقليم قوات حرس الإقليم، فلا أدري لماذا يفترض الكاتب أنّ البصرة عندما يحكمها غير أهلها كما نشهده اليوم تكون آمنة، مستقرّة - وهو خلاف الواقع على أرض واقع البصرة - وعندما يحكمها ويديرها أهلها الأصليين تكون عِرضة للصراعات والتآمرات الإقليمية والأطماع على ثرواتها وخيراتها؟!
٢- إدّعى الكاتب بأنّ هنالك مَن يبرّر للأكراد إقامة إقليمهم الخاص بهم وأنه ضرورة واقعية فرضتها عدَّة وقائع منها اللغة والعادات والتقاليد والجغرافية بينما البصريون يفتقرون لهٰذه المبررات.
وهٰذه مغالطة أخرى يطرحها الكاتب ومَن يقف ورائه، حيث حصر ضرورة إقامة الإقليم بمسائل مثل اللغة والعادات والتقاليد والجغرافية، ولا أدري هل بقيّة دول العالم الذي تحكمها الفيدرالية وهي أكثر من خمس وعشرين دولة إقتضت ضرورة أقلمتها واقعيّة فرضتها وقائع كاللغة والعادات والتقاليد والجغرافية؟! هنالك دول فيدرالية كأمريكا وكندا والمانيا والبرازيل والأمارات وغيرها من الدول لم تنظر للأقلمة من هٰذه الجهة فكافة مناطق هٰذه الدول عبارة عن فيدراليات تجتمع في الغالب في عنصر اللغة والعادات والتقاليد والجغرافية، فخصوصيّة مجتمع معيّن كي يصبح إقليماً لا تنحصر بما ذكره الكاتب من وقائع، فللبصرة أيضاً خصوصيتها التي ذكرناها في هٰذا المقال من حيث موقعها الجغرافي والتاريخي وإرثها الحضاري الذي تتميّز به عمّن سواها عن بقية مدن العراق فهٰذا أيضاً يؤهلها أن تكون إقليماً ولا تنحصر ضرورة الإقليم بما اشترطه الكاتب من لغة مختلفة وعادات وتقاليد وجغرافية بل ولا دليل عليها، هٰذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالدستور العراقي وهو الوثيقة الرسمية التي تنظّم إدارة هٰذا البلد، لم تذكر في جواز الإقليم ما اشترطه الكاتب، بل أجازت قيام الإقاليم حسب الآلية التي رسمها الدستور لمحافظة أو أكثر تنظّم بإقليم، والأساس في حكم العراق كما في الدستور هو فيدرالي إتحادي ولم يشترط لغة أو جغرافية أو غيرهما. ثمّ إنّ ما فرض إقليم كردستان في الواقع ليس هٰذه العناصر، بل إنهم كانوا منطقة منفصلة عن العراق قبل سقوط النظام السابق وفرضت الدول المتحالفة بقيادة أمريكا وجود الأكراد كجزء من الحكومة العراقية بوضع خاص وهو فرض أقلمة منطقتهم ولها أحكامها الخاصّة ورضي مَن في السلطة اليوم بالواقع الجديد، بل دوّن مَن في السلطة اليوم نفس الدستور الحالي الذي يُجيز للبصرة القيام بإقليمها، فلماذا إذن تُبدون المخاوف من قيام شئ أنتم مَن وضعه ورضيه وطلب من شعبه الإستفتاء عليه؟!
٣- أيضاً إدعى الكاتب هنالك مَن يطرح أنّ مسألة إقامة الأقاليم في العراق وفي ظل الظروف التي يعيشها إجتماعياً وأمنياً تعني التقسيم المستقبلي لهٰذه البلاد وإنّ الأقاليم تتطلّب مرحلة من مراحل النضج الديمقراطي وهٰذا غير متوفر في ديمقراطية العراق.
وهٰذه النقطة بالذات تكرّرت بأكثر من جهة سياسية وهي مغالطة، حيث أنّ الدستور العراقي - كما قلنا - نصّ على جواز إقامة الأقاليم في أكثر من مرة وذكر تلك الآليات وشروط قيامها، ولم يذكر الدستور أوضاع وأحوال البلد الأمنية كشرط لقيام الإقليم، ولم يذكر الدستور أيضاً أنّ الأقاليم بحاجة لمرحلة من مراحل النضج الديمقراطي، وإذا أردنا أن نتكلّم على ظروف البلد الأمنية فهي متفاوتة، ففي البصرة وضعها مناسب ولا يعتريه عارض، أما النضج الديمقراطي فليس هنالك دليل بأنه بظل الحكم المركزي سيسود ذٰلك النضج، بل على العكس فإنّ حكم الإقليم هو أقرب لذٰلك النضج الديمقراطي وذٰلك لغياب هيمنة الأحزاب. ثم إنّ أهل البصرة ليسوا سبباً في تردّي الأوضاع الأمنية في مناطق العراق وليست مشكلتهم بل هي بسبب صراع الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة في المركز وعدم إكتراثها بالجانب الأمني للمواطن العراقي، فالسلطة الحاكمة قد أمّنت وجودها وحمت مناطقها في منطقة محصّنة بالمنطقة الخضراء بأكثر من ثلاثين فوجاً من الحمايات وتركت المواطن بالعراء مُعرّضاً لتهديدات الإرهاب بأي لحظة، والتقسيم الذي افترضه الكاتب لا يتم بظل الإقليم الذي جاء في الدستور بل بظل سياسة المركز التهميشيّة للمحافظات وخصوصاً للمنطقة الجنوبية وبالخصوص للبصرة، لأنها سياسة فاسدة وضعيفة وخارج نطاق الدستور وهٰذا هو الذي يُهدّد البلد بالتقسيم.
ثمّ يحاول الكاتب أن يضع حلولاً كبديل عن الإقليم بعد إن ذكر مخاوفه من إقامة الإقليم وذكر خمسة نقاط، وسنرد على كل نقطة وكالتالي:
١- ذكر الكاتب مبادرات وضِعت كحل للبصرة منها جعلها عاصمة العراق الإقتصادية ومبادرة البرودولار.
وردنا عليه هو إنّ كل مدينة من مدن العالم قد تحوّلت إلى عاصمة اقتصادية هي إنما كانت مؤهّلة أن تكون عاصمة اقتصادية قبل إعلانها رسميّاً، ومثال ذٰلك مدينة نيويورك في أمريكا ودبي في الإمارات، ومن مؤهلاتها الأساسية التي بموجبها تحوّلت إلى ذٰلك هو وجود بنى تحتيّة وفوقيّة كواقع حال وقوانين مرنة في المال والإقتصاد والإستثمار تجعل تلك المنطقة التي يُراد تحويلها إلى عاصمة اقتصادية ضرورة مطلوبة، البصرة اليوم لا يوجد فيها ما يؤهلها أن تتحوّل إلى عاصمة إقتصاديّة، لخلوّها من البنى التحتيّة والفوقيّة ولعجز وفقر القوانيين العراقية القديمة التي ما زالت تحكمها ومنها قوانين الملكية لعام ١٩٥٢. والدستور العراقي محكوم بإرادة كتل وطوائف وأحزاب ولا يمكن عن طريق وزارات تلك الكتل أو برلمان تلك الكتل أن تُبنى البصرة أو تتغيّر قوانينها لتكون مؤهلة لذٰلك، فما يحكم ويشرّع القوانيين رؤوس كتل، وما يحكم البصرة حتى بعد أن تكون عاصمة إقتصادية هي رؤوس كتل لها أذنابها بالبصرة تنفّذ أجندتها لا غير، فمَن كان عاجزاً عن رفع نفايات البصرة في الوقت الذي يُرجِع المليارات من أموال المحافظة إلى خزينة الحكومة لعدم قيامه بأي مشاريع حيويّة لمحافظته، فهو أعجز أن يمسك أو يحوّل البصرة إلى عاصمة اقتصادية. أما قضية البترو دولار فالذي سيطبّق القانون إنما هي إرادة كتل وأحزاب تنظر لمصالحها ولن يستفد المواطن منها.
٢- ذكر الكاتب كحل آخر هو تفعيل اللامركزية الإدارية وذٰلك بإعطاء صلاحيات واسعة لحكومة الإدارة المحلية. ونرد على السيد الكاتب، أنه يوجد قانون ٢١ للمحافظات غير المنتظمة بقانون والذي أُلغي ثم أُرجع وما زال القانون لم يرَ النور، والقانون يفترض تحويل بعض صلاحيات الوزارات الخدميّة إلى المحافظة بنسبة بين ٢٠ بالمئة وحتى ٨٠ بالمئة، والمعلوم أنّ في العراق الجديد، الوزارة ومواردها إنما هي ملك للحزب الدي ينتمي له الوزير، فأي حزب من الأحزاب سيعطي صلاحيات وزارة وزيره ومواردها وإمكاناتها لحزب آخر؟! لأنّ محافظ البصرة هو أيضاً ينتمي إلى حزب، وإذا سلّمنا جدلاً وقلنا ستوافق الأحزاب أن تعطي صلاحيات وزرائها إلى محافظ البصرة، فما هي النسبة التي سيعطونها له من تلك الصلاحية؟! لن تكون أكثر من ٢٠ بالمئة وهي الحد الأدنى، فلن يجبرهم أحد على إعطاء أكثر من هٰذه النسبة، وحتى لو أُعطي المحافظ أعلى من هٰذه النسبة، وهب إنها ٥٠ بالمئة من الصلاحية، فهل سينفع بها البصرة أم حزبه وكتلته، أوَ لم يُرجع محافظ البصرة حسب تصريح رئيس مجلس محافظ البصرة قبل عدّة أيام ترليونين إلى خزينة الدولة ببغداد، فلماذا لم يقم بمشاريع تنموية للبصرة بهٰذه المبالغ، فالذي يعجز عن رفع نفايات البصرة فهو أعجز من أن يحفظ أموالها ويبنيها إن حصل على صلاحيات أكثر.
٣- يرى الكاتب حل آخر هو إعطاء أولوية إقتصادية للبصرة وزيادة ميزانيتها بما يناسب مواردها وصادراتها النفطية.
وردنا على الكاتب هو ما دامت الأموال تأتي عن طريق الأحزاب الحاكمة وإعطائها لنفس الأحزاب فسوف لن ينتفع بها المجتمع البصري أبداً، ولذٰلك لا حل للبصرة إلا أن يحكمها أبنائها أنفسهم دون تابعية لجهة معيّنة.
٤- يعالج الكاتب قضية البطالة في البصرة بإعادة النظر في العقود مع الشركات الأجنبية سواء أكانت نفطية أو غازية، وتشغيل الأيدي العاملة بدلاً من الوافدة من المحافظات.
والرد عليه كما هو الرد في النقطة السابقة، فالعقود لها سماسرتها من الأحزاب والمتنفذين فأي بطالة سوف تعمل وتشتغل عن طريق هذا المجال.
٥- وكان أخر حل يضعه الكاتب هو إعادة النظر بالتعريفة الگمرگية ومساعدة الملاحة وتطويرها، ومعلوم لدى القاصي والداني موارد الموانئ ومواقع الحدود كيف تذهب لجيوب متنفذي الأحزاب وأعوانهم.
فكل الحلول التي وضعها الكاتب إنما هي ترقيعية ولا تنفع واقع البصرة، فلن يبقى إلا حل واحد يتناسب مع واقع البصرة وهو قيام إقليمها الإداري والحضاري.2015-03-12

مواضيع ذات صلة

0