من البصرة جنوبا الى الانبار غربا، ومن ساحة التحرير في قلب بغداد الى مناقشات النواب تحت قبة البرلمان، يسجل المشهد السياسي العراقي يومياته المضطربة متأرجحا بين صراعات ومصالح متضاربة، وهموم يومية ضاغطة، ومشاكل كثيرة لم تتناقص ولاتجد حلولا مجدولة، وبرامج حزبية مقنعة.

ثمة مشكلة بنيوية في النظام السياسي جعلت العراق مسرحا كبيرا لسوء الاداء والشكوى وانعدام الفاعلية وضعف الانجاز، ففيما ينتظر المواطن رؤية وخطط وبرامج من الجهاز الحكومي تشعره بالقدرة على الفعل الملموس والتقدم على طريق حل المشكلات والتوسع في الخدمات وتحسين نوعية الحياة، تنشغل الحكومات المحلية بصراعاتها السياسية وتستهلك يومياتها وجهودها في المكايدات الحزبية والاتهامات المتبادلة بالفساد والمحسوبية والاستفادة من المواقع الادارية لتحقيق مصالح شخصية.

فيما لاتجد السلطات العليا حلا لتلك المشكلات سوى ايكال الامور الى القضاء وانتظار كلمة القانون في هذه المنازعات، ولان استقرار النظام السياسي برمته يرتبط باستقرار اوضاع المحافظات سياسيا وخدميا وامنيا، ولان النجاح الحكومي يقاس بمقدار نجاح الحكومات المحلية في ارضاء مواطنيها، لذلك يبدو المشهد صادما ومؤلما حينما تتراكم المشكلات في المحافظات لينتقل صداها الى المركز ولتصبح مهمة الحكومة المركزية العمل على اطفاء الحرائق واللجوء الى المهدئات والمسكنات على امل تجاوز المنعطفات الحادة وبرجاء ان تنتج الديمقراطية دوائها الناجع ويساهم الاعلام في ترشيد وعي الجمهور بما يمنحه القدرة على الاختيار الصحيح والانتخاب الناجح في كل دورة انتخابية جديدة.

الخطورة في هذا المسار الطويل ان المواطن العراقي الذي لم يعتد سلوكا سياسيا ديمقراطيا، لايسعه الانتظار طويلا، وهو يريد اجراءات حاسمة وتدخلا قويا، فلاشعوره السياسي يستبطن الصورة التاريخية القديمة التي يستطيع فيها الوزير اقالة المدير بلا تدخل من احزاب ولا تأثير من جماعات، المواطن العادي يريد حكومة تدير شؤونه وتدبر له حلولا لمشكلاته وهو لاشأن له ان كانت هذه الحكومة مركزية تحتكر السلطات او لامركزية فيها متسع للحكومات المحلية لتدبير الأمور.

ولذلك عندما تشيع الشكوى والاحباط من اداء الحكومات المحلية ويتشكل اتجاه من الرأي العام ناقم على الاحزاب الحاكمة ومتهما اياها بالفشل، فان صدى هذه الاصوات سيتردد في جنبات العاصمة وسيعمل الاعلام المضاد على الامعان في تكريس الفشل وزيادة الاحباط وتحفيز المشاعر المكبوتة، وسيتولد من جراء هذه العوامل مجتمعة موقف ناقم وسلوك عنيف واستعداد للانتقام وهي اخر مايحتاجه العراق في ظرفه العصيب الراهن.

ان الاضطراب السياسي ليس منشؤه الانقسامات وتعدد الارادات والمصالح الفئوية والحزبية والتدخلات الخارجية ومخططات الاعداء فحسب، بل عدم القدرة على الانجاز والاقناع وسقوط شرعية المؤسسات والاشخاص ويأس الافراد من النظام السياسي هو ايضا دافع من دوافع الاضطراب الخطير الذي تعمل النظم السياسية وفلسفات الحكم على تفاديه، وهو مالم ننجح به حتى الآن.

لذلك يتعين على الاحزاب والجهات التي لم تفتر حماستها للعمل السياسي والحكومي وتستعد للانتخابات القادمة ان تعد برامج مقنعة وافكارا عملية لحل المشكلات ليكون التنافس القادم تنافس خطط ومشاريع لاتنافس افكار وايديولوجيات، ولتستعن الاحزاب بخبراء واختصاصيين في وضع خرائط طريق للخروج من المأزق.

* ابراهيم العبادي، كاتب عراقي، وعضو ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0