يعد منصب الرئيس في ايران ارفع منصب في ايران بعد منصب المرشد الاعلى، فقد رفع الدستور الإيراني في الفصل التاسع في المواد (113-142)، موقع رئيس الجمهورية إلى قمة السلطة التنفيذية، إلا أن ذلك الدستور يحتفظ للقرارات المؤثرة والمصيرية بهياكل ومؤسسات أخرى متشعبة تشكل قيداً على حركة الرئيس، بعد أن يضع الصلاحيات الكبرى للدولة في يد مرشد الجمهورية، اذ يعد يرأس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية ومجلس الوزراء، وله صلاحيات في مجال الشأن الداخلي والخارجي، ويوقِّع رئيس الجمهورية أو ممثلة القانوني ـ بعد مصادقة مجلس الشوري الإسلامي ـ على المعاهدات والعقود والاتفاقيات والمواثيق التي تبرم بين الحكومة الإيرانية، وسائر الدول، وكذلك المعاهدات المتعلقة بالاتحادات الدولية، ويتولى رئيس الجمهورية مسؤولية أمور التخطيط والميزانية والأمور الإدارية والتوظيفية للبلاد بشكل مباشر، ويمكن أن يوكل شخصًا آخر لإدارتها، يتم تعيين السفراء باقتراح من وزير الخارجية ومصادقة رئيس الجمهورية، ويقوم رئيس الجمهورية بالتوقيع على أوراق اعتماد السفراء، ويتسلم أوراق اعتماد سفراء الدول الأخرى، ومنح الاوسمة والنياشين، ويرأس مجلس الامن القومي الايراني، وغيرها من الصلاحيات التنفيذية.

لهذا تعد الانتخابات الايرانية حدثا مهما سواء على صعيد الداخل الايراني او على الصعيدين الاقليمي والدولي، فمع بداية فتح ابواب الترشيح للرئاسة تبدأ التكهنات والرهانات عن الشخصية التي يمكن ان تفوز بهذا المنصب، وتأتي اهمية الانتخابات من امور عديدة، منها:

1- كون الانتخابات الايرانية باتت في نظر الكثيرين من المحللين وحتى دول المنطقة، الأكثر فاعلية في الإقليمين العربي والشرق أوسطي، تتوجه الأنظار صوبها، في انتظار ما تتمخض عنه المنافسة الداخلية، وهي سوف تحدد تحرك السياسة الايرانية سواء نحو الداخل او الخارج.

2- تأتي اهمية هذه الانتخابات ايضا من كونها أول انتخابات رئاسية بعد الاتفاق النووي الإيراني، فقد تمكن الرئيس الحالي (حسن روحاني) من عقد اتفاق نووي مع الدول الخمس الكبرى والمانيا والامم المتحدة، وهو الاتفاق الذي كان بنظر العديدين بعيد المنال، وهو ما اكسب ادارة الرئيس (روحاني) القوة والتأييد داخليا وخارجيا، الذي تجسد في اعادة انتخابه في 19 ايار 2017، لدورة اخرى امدها اربع سنوات الايرانية.

3- الظروف الامنية في منطقة الشرق الاوسط، الممتدة من العراق الى سوريا واليمن ولبنان، والتي تعد في نظر الكثيرين صفيح ساخن وحرب اهلية طاحنة، ودور ايران المحوري فيها منحت هذه الانتخابات اهمية اضافية، خاصة وان اغلب دول المنطقة منقسمة حول هذه الانتخابات، اذ ان بعض دول المنطقة دعمت فوز ( روحاني) املا في الوصول الى حل وسط لازمات المنطقة.

4- تنامي اليمين الشعبوي في العواصم الأوروبية، واستفتاء تركيا، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي، ووصول (ترامب) لمنصب الرئاسة في امريكا في كانون الثاني 2017، وتصريحاته بتعطيل الاتفاق النووي، وتمزيقه حال تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، والتهديدات ضد إيران واعتبارها دولة راعية للإرهاب، كل هذه الاحداث لها تأثير في الانتخابات الايرانية.

5- تأتي اهميتها ايضا من رغبة العديد من الايرانيين لإجراء اصلاحات على النظام السياسي الايراني من الداخل، أي (الاصلاحي الذاتي)، والابتعاد عن العنف او الدعم الخارجي في اجراء التغييرات، لهذا يعد خط الرئيس الحالي (روحاني)، الذي يعد امتدادا لخط سلفه الرئيس السابق (محمد خاتمي)، من أبرز الداعمين لهذا الاتجاه، وهو ما حظي ويحظى بالدعم المستمر من داخل وخارج إيران.

6- هذه الانتخابات الإيرانية قد تحدد مستقبل ايران السياسي، اذ ان الفائز فيها واعضاء مجلس خبراء القيادة الإيرانية، وهي الهيئة التي عهد إليها الدستور مهمة تعيين وعزل قائد الثورة الإسلامية في إيران؛ سيكون لهم صوت مهم في اختيار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية المقبل حال شغور منصب المرشد الاعلى، خاصة وان هناك تقارير طبية تؤكد على مرض المرشد الحالي الذي يبلغ من العمر 77 عاما، وهو في المنصب منذ 1989.

7- رفع العقوبات عن ايران، تأتي اهمية الانتخابات ايضا بعد رفع بعض العقوبات الدولية عن ايران، وهي من ضمن شروط الاتفاق النووي، وهو ما سمح لإيران من فتح ابواب الاستثمار والتعاون مع الشركات الغربية، وزيادة تصدير النفط، وهو ما ينعكس على تحسن الاقتصاد الايراني، الذي يعد مطلبا داخليا اساسيا، لهذا نرى ان الدعم الداخلي الكبير للرئيس (روحاني) في الانتخابات الاخيرة ما هو الا انعكاس لتحسن الاقتصاد.

والسؤال هنا، هل يمتلك الرئيس (روحاني) الأدوات اللازمة التي يمكن من خلالها فرض توجهاته السياسية الاصلاحية، ومواجهة التيار المتشدد دون الاعتماد على المرشد الأعلى، او الحرس الثوري؟

ان فوز الرئيس (حسن روحاني) في الانتخابات الثانية عشر لإيران، تعد في نظر الكثير علامة تغيير نحو الاحداث في منطقة الشرق الاوسط، خاصة في سوريا واليمن، فمع اول فوز للرئيس (روحاني) بدا حديثه عن التعاون مع دول المنطقة والعالم لإنهاء الحرب في المنطقة، وتطرق الرئيس ايضا الى ان ايران على استعداد للتعاون مع دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية لإنهاء الصراع في المنطقة، بعدها اكد الرئيس في خطابه انه سوف يرفض أي شعار او الموت لأي دولة في العالم (وهو يقصد شعار الموت لأمريكا)، وانه سوف يولي تحسين الاقتصاد ومعيشة الايرانيين اهمية قصوى، كما طالب بان يكون للرئاسة الايرانية قنوات خاصة بها تنشر سياساتها داخليا وخارجيا، لان وحسب الدستور الايراني المادة (110- سادسا) يعين المرشد الاعلى (رئيس مؤسسة الاذاعة و التلفزيون في جمهورية ايران الاسلامية)، وهو ما يعد في نظر الاخرين احتكارا لوسائل الاعلام من قبل جهة واحدة، وحرمان الاخرين منها، كما ان فوزه بمنصب الرئاسة يعد عمليا دعما ورضا من المرشد الاعلى لسياساته داخليا وخارجيا، كما ان بعض التحليلات ذكرت ان فوز (روحاني) بهذه النسبة الكبيرة من الاصوات تعني انتهاء عصر ثنائية التيار في الانتخابات الايرانية، وظهور التيار الاصلاحي كقوة على الساحة الايرانية.

ولكن على الرغم من ان سياسة الرئيس الحالي (روحاني) تحظى بالقبول والتأييد الداخلي والخارجي، الا ان هناك عدد من المعوقات التي قد تكون عائقا امامه في تنفيذ وعوده التي نادى بها في حملته الانتخابية وخطابه الاخير، ومن هذه المعوقات هي:

1- على الرغم من كل الفرص التي يتمتع بها (روحاني) الفائز في الانتخابات، الا ان السياسات الداخلية المتشددة لا تزال سارية في ايران، ومنها، دور المرشد الاعلى المدعوم دستوريا ودينيا، اذ ان أي سياسة يصدرها الرئيس داخليا وخارجيا لابد من تحظى بقبول ومباركة المرشد الاعلى، ولا يمكن انكار سيطرة الحرس الثوري على القضايا المهمة من الشؤون السياسية والاقتصادية، والوقوف بوجه الرئيس في الامور التي لا تتناسب مع توجهاتهم، واضافة الى منع المعارضين من العمل بحرية، ومراقبة الصحف، ووسائل الإعلام من ممارسة عملها بحرية، كل هذا سوف لن يختلف كثيرا في عهد (روحاني) عما كان عليه في عهد سابقه.

2- ان رفع بعض العقوبات عن ايران ضمن الاتفاق النووي هو رفع جزئي ومقيد، فهو لم يكن رفع شامل للعقوبات، بل لا زالت امريكا تهدد بين فترة واخرى الشركات العالمية التي تتعامل مع ايران بفرض عقوبات عليها، كما ان هناك عقوبات فردية فرضتها امريكا على اشخاص وشركات ايرانية، كما ان هذا الرفع الجزئي للعقوبات مقيد بتنفيذ ايران التزاماتها الدولية بخصوص برنامجها النووي، لهذا فان أي خلل في تنفيذ هذه الالتزامات من قبل ايران، سيعيد العقوبات بشكل تلقائي، خاصة وان هناك جهات داخلية وخارجية معارضة للاتفاق النووي وتحاول باي وسيلة افشاله.

3- رغم الحركة الاصلاحية الواسعة التي يقودها الرئيس (روحاني)، واهتمامه بتحسين الاقتصاد الايراني، الا ان الكثير من الإيرانيين لا يشعرون إلى الآن بتحسن كبير في مستويات معيشتهم كما كانوا يأملون من إصلاحات الرئيس (روحاني).

4- سياسة بعض دول المنطقة التصعيدية والاستفزازية، ومنها سياسات السعودية تجاه إيران خاصة، ونفوذها في المنطقة، اذ تعد السعودية المحرض الاول على إيران، ونفوذها في المنطقة، ومع بداية الانتخابات الايرانية، وفوز الرئيس (روحاني)، بدأت السعودية بتصعيد الموقف مع ايران من خلال تهديد ولي ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان) لإيران، وانهم سوف ينقلون المعركة الى داخل ايران، الى تصعيد الموقف في مناطق الشيعة ومحاصرتهم، وهدم المنازل، ثم تصعيد الموقف في البحرين بشكل يؤثر على استقرار المنطقة.

5- زيارة (ترامب) للمنطقة، على الرغم من ان السياسة الخارجية الامريكية هي مستقلة وتتبع المصالح العليا لها، بعض النظر عن شكل الدول وميولها، كما ان التزام امريكا بالاتفاقات مع ايران واضحة ومنها الاتفاق النووي، خاصة وان الرئيس (ترامب) امر برفع بعض العقوبات عن ايران التزاما بالاتفاق النووي، الا ان الملاحظ ايضا ان هذه الزيارة وما رافقها من حضور عربي واسلامي قد اعطت السعودية وبعض دول المنطقة بعض الحرية في التحرك داخليا وخارجيا، من خلال غض البصر عن انتهاكات حقوق الانسان في السعودية والبحرين وخاصة ضد طائفة المسلمين الشيعية، وطلاق يدها في اليمن، وهو ما يعد عامل ضغط على سياسة الرئيس (روحاني) الهادئة في المنطقة.

6- صفقات الاسلحة بين السعودية وامريكا والتي قدرت قيمتها (110) مليار دولار، وشملت مختلف الاسلحة المتطورة، وهي موجهة ضد ايران بالدرجة الاولى، وهو ما يقود الى فتح باب سباق التسلح في المنطقة، وهو ما سوف يؤثر على حركة الرئيس الايراني (روحاني)، من جبهتين، الاولى ضغط الحرس الثوري للحصول على التفوق العسكري لإيران، وهو ما قد يفسر خارجيا انتهاكا للاتفاق النووي، وستكون عواقبه كبيرة على ايران، كما ان موافقة الرئيس على الدخول في سباق التسلح في المطقة سوف يحمل ايران اعباء اقتصادية كبيرة، هي في امس الحاجة لها لتحسين حياة ومعيشة المواطن الايراني.

7- التواجد العسكري الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، يتم بعيدا عن المؤسسات السياسية التنفيذية من حيث نقاشه وطريقة ادارته وتمويله، اذ ان اغلب النقاشات تتم بين الحرس الثوري والاستخبارات وجيش القدس بإشراف المرشد الاعلى والمجالس المرتبطة به، بحيث أصبح الدور الأساسي لوزارة الخارجية الإيرانية التبعية وتبرير ما يفعله الحرس الثوري في سوريا والعراق واليمن ومحاولات وضعه في سياقات سياسية.

ان حديث الايرانيين عن انفتاح في السياسة الخارجية أو عن نوع من البراغماتية هو نوعا من التكتيك المؤقت لتحقيق بعض الانجازات الاقتصادية الداخلية لتخفيف بعض مظاهر الاحتقان الاجتماعي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، وان السلوك السياسي الإيراني هو المحافظة على النظام وتماسكه يتصدر المشهد السياسي ويصبح الهدف الأهم، هذه السياسة جعلت من الانتخابات مجرد عملية سياسية تجري بأوقاتها المحددة لتحقيق هذا الهدف، وتجديد شرعية النظام عبر عملية الاقتراع المباشر.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2