لم يخطئ مَن قال جهارا نهارا، وعلى رؤوس الأشهاد، بأن العقل العربي يجتاز اليوم أسوأ حالاته، فهو مُحاط بتصدّعات خطيرة معقدة، ما يسمح لنا من توصيف العقل العربي بأنه يجتاز حالة من التيه، قد تأخذه الى متاهات جديدة أكثر تعقيدا مما هو عليه الآن، خصوصا وأنه يعاني أصلا من تصدعات فكرية عكستها عادات وتقاليد بالية، أكل الدهر عليها وشرب.

التصدّع الأكثر بينونة في العق العربي، الغباء الإداري، والطامة الكبرى أن هذا النوع من الغباء يتفرع الى عدد من الغباءات، فيظهر في هذا الوسط الغباء السياسي والغباء الاجتماعي وهلمّ جرى، على أن الإجابة عن تساؤل أحد المفكرين، حين قال، هل معالجة الغباء الإداري في المحيط العربي سوف تؤدي الى معالجة الغباء المنتشر في المجالات الباقية؟.

في الحقيقة لا يوجد من يضمن أن التحسّن في الأداء الإداري سينعكس بصورة أفضلية على الأداء السياسي أو الاجتماعي، ولكن عند الخوض في أتون تجارب مقاربة، يمكننا استخلاص بعض النتائج التي تتبنى فكرة انعكاس الجودة الإدارية على مجالات السياسة والاجتماع والتعليم والصحة، واختصارا تنعكي على الحياة برمتها.

وفي صورة وصفية للعقل العربي يمكن أن نتصوره بناية عالية، كانت ذات يوم مكتملة قوية الأسس، متينة الجدران، وتشتمل على تصاميم داخلية مذهلة، كانت هذه البناية في تاريخ مضى، بلا تصدعات وتعاني من مشكلة تذكر، ولكن مع مرور الزمن بدأت حالات التراجع تتبلور بوضوح لتظهر بصورة بارقة في الحياة الموصوفة، حيث الغباء في إدارة السلطة بدأت بوادره منذ اللحظات الأولى التي غادر فيها قائد العرب الأعظم الرسول محمد (ص)، وحدث ما حدث في ما أطلق عليه بواقعة أو (مؤامرة سقيفة بني ساعدة)، فمنذ ذلك التأريخ بدأ التخبط الإداري للسلطة، لتظهر لنا أمراض سياسية تمثلت على شكل تصدعات جلية في العقل العربي.

وإذا كان الإمام علي عليه السلام قد تعامل بحكمة مع هذه الأوضاع المستجدة، حتى لا يحدث خلاف وفرقة بين النسيج الإسلامي، ولأنه ينظر الى السلطة على أنها من مغريات الحياة التي لا يعيرها أهمية إلا بقدر ما تقدمه من خدمة للأمة، فهذا التعامل من لدن الإمام منح فرصة لمعالجة التصدّع الذي بدأت بوادره مبكرا، بيد أن ظاهرة الغباء الإداري والتعامل الأهوج مع السلطة بدأت مجددا بالظهور في العصر الأموي الذي جعل من السلطة مطية له لتحقيق مآرب دنيوية غرائزية حقيرة ضاعفت من مظاهر وبوادر تصدع العقل العربي.

واستمر مسلسل التصدع، مع حدوث نوع من المعافاة الخاطفة، إلا أن المشهد بقي على حالته، مغلفا بالغباء الإداري المؤدي على الدوام الى تصدعات هائلة في العقل العربي يمكن رصدها بوضوح، ولعل ما يحدث اليوم من غباء في سلوك العقل العربي جاء ليؤكد أن ما يجري اليوم ليس وليدة المصادفة، فهو نتاج أحقاب متلاحقة من الغباء الإداري تتابعت مع الزمن، لتصنع قاعدة غباء صلدة تحيط بالعقل العربي خصوصا عندما تقترب المجسات المتفحصة من عقل السلطة.

في الجزيرة العربية يتابع العالم الآن ما يشبه الدربكة السياسية الاقتصادية الاجتماعية، وهي نتاج تراكمي للغباء الإداري العربي المتنامي، كما أنها مشكلة تشترك فيها (السلطة، والاقتصاد، والغباء) على حد سواء، فهذه الجزيرة التي باركها الله فأودع في بطونها ثروات ممدودة ربما يصعب تحديد مقدارها المادي، لم يتبلور فيها العقل العربي القيادي السليم حتى اللحظة.

ويكفي لإثبات ذلك ما قامت به الحكومة السعودية من صفقة (صاعقة) مع أمريكا، تم بموجبها منح الأخيرة قرابة (400) مليار دولار بأشكال مختلفة جلها مبطّن بأردية اقتصادية استثمارية، لكنها في الحقيقة هي صفقة أو منحة من الحكومة السعودية لأمريكا تم تغليفها في إطار برتوكولي مزيف وكاذب، غايته ذر الرماد في العيون، وهذه الخطوة تدل على نحو قاطع، أن العقل العربي لا يزال يعيش حالة من الغباء الإداري الداهم، حيث ينعكس بجلاء على السلوك السياسي الرديء لأسوأ حكومة عربية أهدرت في خلال ساعات ثروات يمكن أن تعيش عليها المجتمعات العربية مئات السنين، فضاعت بذلك حقوق الموجودين واللاحقين من الأجيال القادمة.

ولنتخيّل للحظة ماذا كان سيحدث لو أن هذه الأموال (400) مليار دولار، تم توظيفها على نحو اقتصادي إداري علمي لتطوير الدول العربية مجتمعة، وهي في الواقع ثروات ليست سعودية وإنما عربية، أي لكل فرد عربي حصة من هذه الثروة إذا لم نذهب أبعد من ذلك لنقول لكل مسلم حصة في هذه الثروة، فكيف تجرؤ عائلة مالكة فتمنح أمريكا هذا المبلغ الهائل من الأموال في عملية ابتزاز سياسي دولي واضحة للداني والقاصي، وإذا كانت أمريكا لا تشعر بالعار نتيجة هذا الابتزاز الذي ينم عن تدني في الأخلاق والقيم والإنسانية، فكان الأحرى بالعقل القيادي الذي يدّعي الانتماء الى العرب بأن يفكر بهذه الصفقة آلاف المرات قبل الإقدام على إبرامها.

نعم نحن وغيرنا يعرف أن هدف الصفقة تخليص الحكومة السعودية من حالة الخوف التي تعيشها، حيث ضخّمت دوائر أمريكية معنية من البعبع الإيراني، حتى تدفع بالسعودية الى أحضان أمريكا أكثر فأكثر، فكانت زيارة ترامب الأخيرة دليل قاطع على هشاشة عقل القادة العرب في السعودية ليحدث ما يحدث، ليس هذا فحسب، فالمسلسل مستمر، وما اشتعال فتيل الحصار الذي ضرب أطنابه حول قطر إلا بداية لتدهور مستمر في حالات التصدع التي كان العقل العربي ولا يزال يعاني منها، لنختم هذه الكلمة بأن الخوف على العرش والتشبث بالسلطة مع استفحال الغباء الإداري، كلها مؤشرات على استمرار التصدعات في العقل العربي الى أمد لا أحد يستطيع أن يحدد نهايته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0