الانفجار الجديد في العلاقات القطرية - السعودية وتحوله الى نقطة تجاذب واستقطاب اقليمي وحتى دولي، يأتي مواكباً لتلاشي القوة العسكرية التكفيرية في العراق وسوريا وتلاحق الهزائم لتنظيم داعش، الى درجة شدّ الخناق في الموصل وفي الرقة ثم وصول القوات العسكرية لكل من العراق وسوريا الى الحدود الدولية، ولم تخف الدولتان طيلة السنوات الماضية، دعمهما للجماعات الارهابية المسلحة بالمال والسلاح والفتاوى التكفيرية في العراق وسائر البلاد العربية بذريعة تحقيق طموحات شرائح اجتماعية معينة نحو التغيير، بيد أن النتيجة لم تكن سوى أنهار من الدماء وخراب هائل دون أي تغيير ايجابي، واكثر من دفعوا ضريبة هذه التدخلات؛ الشيعة في العراق والبحرين والسعودية وسوريا ولبنان.

بات واضحاً للمتابعين والخبراء حجم المخاوف الخليجية من صعود النجم الشيعي منذ الاطاحة بنظام صدام في بغداد، لمعرفتهم بان زوال الديكتاتورية في العراق، لا يؤدي فقط الى صعود الشيعة الى قمة الحكم وحسب، وإنما يجسد مفاهيم الديمقراطية الحقيقية انطلاقاً من المتبنيات العقدية للشيعة ورفضهم القاطع لأي لون من أنواع الاستبداد والظلم والطغيان في الحكم، ودعوتهم الى الحرية والعدالة وحقوق الانسان، مما يسفر عن زيف شرعيتهم السياسية، فكان لابد من إفشال أي تجربة ديمقراطية في العراق من خلال إشغال البلد بمخاوف الارهاب والتحديات الأمنية.

بمعنى أن شيعة العراق لم يكونوا يشكلون قوة سياسية منافسة لمشايخ الخليج يوماً ما، كأن يطمحون الى التسيّد في المنطقة من بعد صدام حسين، إنما هم يطالبون بحقوق مشروعة سلبت منهم طيلة قرن الزمن، بأن يمارسوا حقهم في اتخاذ القرار والمشاركة في عملية التطور والتقدم في المجالات كافة، بغض النظر عن الاسقاطات السلبية لأداء الاحزاب السياسية الشيعية في الحكم، فهذه الاحزاب والمكونات السياسية لم تكن لتفكر في إقامة نظام حكم اسلامي في العراق، إنما منهمكة في صياغة المشروع الديمقراطي كلاً حسب فهمه الخاص.

أما الخلاف القطري – السعودي، فهو سياسي بامتياز، وله خلفيات تعود الى ما بعد حرب تحرير الكويت ومحاولة تمرد الدول الخليجية على التسيّد السعودي وإنهاء حالة الوصاية التي سعت الرياض لتكريسها بعد تحرير الكويت ومشاركتها المباشرة فيه، وقد حدثت مناوشات عسكرية على الحدود بين قطر والسعودية أدت الى مقتل عدد من حرس الحدود بين البلدين، ثم اختفى التوتر أواسط التسعينات خلف توجهات جديدة للبلدين لوثبة جديدة في ساحة المواجهة، فقد لجأت قطر الى المحور الاقتصادي والتنموي بشكل موسع وعميق، وتحركت على الاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية مع دول عديدة في العالم من بوابات عدّة منها منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، واذا كانت قطر تطور الغاز لديها، فان السعودية طورت الفكر الوهابي ليكون اكثر فاعلية في مجال التكفير وغسل الادمغة ونشر التطرف الديني في البلاد العربية وفي جميع انحاء العالم.

ويبدو أن البلدين المتنافسين أدركا مؤخراً أنه، لا الغاز القطري واستثماراته الواسعة، ولا منابر التكفير السعودية أفادت اصحابها بشيء طيلة السنوات الماضية، إنما رسمت للعالم وجهاً قبيحاً للتطرف والعنف الدموي، وبدلاً من استثمار عشرات المليارات في البناء والتنمية، ذهبت الى تشيكل عشرات الجماعات الارهابية على طول البلاد العربية والاسلامية ايضاً، ثم امتداد الأذرع الارهابية الى المدن الاوربية وانحاء مختلفة من العالم.

الوجود الشيعي في المنطقة وفي العالم بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص يجد في النزاع الخليجي – الخليجي نقطة قوة له كونه من أول ضحايا التعبئة الطائفية طيلة الثلاث عشر سنة الماضية، بيد أنه امام استحقاق جديد من نوعه وكبير بحجم التضحيات الجسام التي قدمها شيعة العراق ومن بعدهم الشيعة في البحرين والسعودية وسوريا ولبنان، فالضحايا الذين سقطوا بالآلاف ومن خلفهم جيوش الأرامل والايتام لم يكونوا طرفاً سياسياً في معادلة الصراع على النفوذ والسلطة، إنما دفعوا ضريبة الانتماء وحسب.

فقبل ان نفكر في الاستفادة من هذا النزاع سياسياً، من الجدير صياغة خطاب سياسي مستقل يقوم على اساس من المفاهيم والقيم الثابتة، يكرّس المواطنة والتعايش ونبذ الكراهية، ويعزز المصداقية للمطالب المطروحة سلفاً في دول المنطقة، من المشاركة السياسية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة وغيرها من المطالب الحقّة.

يكفي أن نلقي نظرة على الرسالة التي وجهها الشهيد الشيخ نمر النمر الى أمير المنطقة الشرقية في السعودية عام 2007، نجد فيها توجهاً ايجابياً نحو التغيير والبناء بما يحفظ أمن واستقرار البلد والشعب ويضمن الحقوق المتساوية للجميع، ففي مقدمة الرسالة جاء "أن الفكر الشيعي، فكر رافضي، أي يرفض الظلم والجور والاضطهاد، وهو في ذات الوقت أفضل فكر قادر على التعايش مع سائر الديانات والمذاهب والأنظمة لانه فكر ينشد الاصلاح والسلم والتآلف المجتمعي حتى ولو وقع عليه الجور الظلم، لانه فكر يرفض الفوضى والعنف والتحارب..."، هذه الرسالة الحقوقية البليغة ما كان يُراد لها ان تأخذ مسارها على ارض الواقع، وربما كانت السبب في تصفية الشيخ النمر والتخلص من الحجج الدامغة أمام السياسات الطائفية في السعودية.

نحن بحاجة الى وثيقة سياسية وحقوقية متكاملة تضمن الأمن والاستقرار للشيعة في المنطقة وفي كل مكان، كما تضمن الحقوق لسائر المكونات الاجتماعية الاخرى، والخطاب موجه الى المؤسسات الدينية وما تضمه من علماء وخطباء وباحثين، وايضاً المؤسسات الثقافية والرموز الفكرية والسياسية بأن يأخذوا الحيطة والحذر، ليس فقط من التسرّع في التحالف مع طرف ضد آخر، وإنما لعدم ضياع تلك الدماء التي سالت بفعل المال والإعلام والفتاوى التكفيرية والطائفية، فاذا نشهد اليوم هزيمة هذه الجهود الخليجية مجتمعة أمام الطود الشيعي الشامخ، فهل نتوقع لها نتيجة تذكر وهي ممزقة اليوم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0