يرى عدد من المحللين السياسيين ان السياسة التقليدية التي كانت تنتهجها السعودية قد انتهت مع وفاة الملك السعودي (عبدالله بن عبد العزيز) وتسلم الملك (سلمان بن عبد العزيز) مقاليد الحكم في المملكة، اذ عمل الاخير على اجراء تعيينات ومناصب لم تكن مطروقة في السعودية لا من حيث الشكل او المضمون، فمن حيث الشكل كان تسلم المناصب العالية ومنها ولي العهد تتم باختيار الاكبر سنا من العائلة الحاكمة لتولي هذا المنصب، ولكن الملك سلمان تجاوز هذا العرف وقام بتعيين شخصية شابة لهذا المنصب وهو (محمد بن فهد)، متجاوزا من هم اكبر منه سنا في العائلة.

ومن حيث المضمون فقد تم استحداث منصب جديد في المملكة وهو ولي ولي العهد وهو (محمد بن سلمان)، وهو من العناصر الشابة ايضا، بل تم تسليمهم مناصب اخرى مهمة في المملكة، وقد اسندت اغلب المناصب العليا المهمة له منها (نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، اضافة الى ترأسه العديد من المؤسسات والهيئات الرياضية والخيرية)، وهو ما يعد بوادر اولية لان يتولى هذا الشاب الطموح مقاليد الحكم في المملكة لاحقا.

ان اختيار شخصيات شابة لمناصب في المملكة هي خطوة قد يعتبرها البعض كسرا للجمود والروتين الذي كان سائدا في المملكة سابقا، وضخ دماء جديدة في الحكم من اجل اجراء تغييرات واصلاحات يراها البعض ضرورية للسعودية، خاصة بعد انتشار الارهاب في المنطقة واتهام البعض للسعودية والمذهب الرسمي لها (الوهابي) بدعم بعض المجموعات التي تقوم بأعمال ارهابية، كذلك ارضاء الداخل السعودي الذي يطالب بالمزيد من الاصلاح والحرية والمشاركة في الحكم والانفتاح على العالم، كذلك عدم قدرة الملك (سلمان) حاليا على ادارة دفة الحكم بسبب كبر سنه ومرضه، بحيث اغلب التقارير تذكر انه سلم امور الدولة لولي عهده ولابنه (محمد).

ولكن الملاحظ ان اختيارات الملك هذه العناصر الشابة في مناصب عليا في السعودية لم تلبي الطموح الداخلي او الاقليمي او الدولي، فمع اول يوم من تسلم الملك (سلمان) لمقاليد الحكم في السعودية، وتعيين ولي للعهد ولي ولي للعهد، بدأت المشاكل تدب في داخل الملكة وخارجها، وخاصة من خلال التصريحات المتشنجة لولي ولي العهد (محمد بن سلمان) سواء ضد المعارضين في الداخل او دول جوار السعودية، واخرها حسب ما تناقلته سائل الاعلام المختلفة التهديدات ضد ايران وانه سوف ينقل المعركة الى حدود طهران واثارة التمرد القومي وخاصة العربي ضدها، هذه جوبهت بتهديدات مماثلة صدرت عن وزير الدفاع الايراني (حسين دهقان) من انه لن يسلم من السعودية سوى مكة والمدينة ان هي اعتدت على ايران، هذا التشدد بين الطرفين لم يكن الاول ولن يكون الاخير، بل سبقه كلام وتهديدات متبادلة وخاصة في ايام اعدام الشيخ نمر باقر النمر، وحول احداث مناطق الحساء القطيف واليمن وسوريا، كذلك القاء قوات الامن الايرانية القبض على عناصر مسلحة مدعومة من السعودية (حسب تصريحات المسؤولين الامنيين الايرانيين).

ان سياسة العداء بين السعودية وإيران قديمة قدم تغيير النظام السياسي في إيران عام 1979، وعلى الرغم من عدم حدوث حرب مباشرة او مناوشات بين الطرفين، الا ان سياسة الحرب بالوكالة هي سيدة الموقف، فهناك تنافس ايراني سعودي في اغلب مناطق الشرق الاوسط، من العراق الى سوريا واليمن لبنان مرورا بشمال افريقيا، حتى افغانستان وباكستان، وجمهوريات اسيا الوسطى، ولكن السؤال المهم هل فعلا ان للسعودية القدرة على زعزعة استقرار إيران؟ وهل هذا التهديد كان بمبادرة ذاتية من ولي ولي العهد او هو يحظى بقبول داخلي سعودي؟ وهل للولايات المتحدة دور في تحريض سعودي على إيران؟

ان الموقف الاقليمي والقوة الظاهرة في المنطقة، وحسب اغلب التحليلات تميل لصالح كفة ايران على اغلب دول المنطقة وليس على السعودية وحدها، وفي ايام الثورة الايرانية عام 1979، وسقوط الشاه كان هناك ضعف في البنية الامنية لإيران وقد حصلت حركات تمرد لبعض القوميات في إيران ومنها الكرد، وتم انهاءها جميعا على الرغم من أن الموقف الدولي كان كله ضد الثورة عدا روسيا نوعا ماو، والصين وكوريا الشمالية، وهذه الدول كانت الممول الرئيس بالسلاح لإيران خلال الحرب ثمان سنوات مع العراق، بينما وقفت السعودية ودول الخليج واغلب دول العالم مع العراق ضد ايران، ان المعركة بين الجانبين غير متكافئة، وذلك لعدة اسباب منها:

1- ان حرب الثمان سنوات والاستنزاف لإيران لم تتمكن من تحقيق أي تفوق عسكري عليها، اما الان فإيران تعد أكبر قوة عسكرية في المنطقة وتملك من السلاح والقوات، وخاصة الحرس الثوري، وبناء منظومة استخباراتية واسعة، واستطاعت من تأسيس منظمات عسكرية تابعة لها في الشرق الوسط، تجعل من بعض الدول الكبرى كأمريكا تحسب لها حساب.

2- الوضع الداخلي في الدولتين، ان على الرغم من ان ايران تضم العديد من القوميات منها ما هو مندمج بالدولة القومية، ومنها ما هو معارض لها، الا ان بالمحصلة هناك تماسك اجتماعي في ايران متأتي من وجود اغلبية دينية مذهبية اذ ان 89% من الشعب الايراني هم من المسلمين الشيعة، كما ان التماسك القومي بين القوميات الرئيسية وهم الفرس والاذريين قوي جدا من خلال التشارك في حكم البلاد، ووجود نوع من الحريات السياسية والمشاركة في الحكم عن طريق الانتخابات، وهو تماسك تفتقر له السعودية، فهي تعاني من مشاكل داخلية عديدة منها التشدد الديني المرتبط اغلبه بالمذهب الرسمي للدولة السعودية، والتفرد في الحكم، وحرمان الاقليات من الحقوق السياسية وحتى الاجتماعية، انتشار الفقر بالرغم من انها اغنى دول نفطية في المنطقة، والتوترات على حدودها كافة وانجرارها الى مستنقع اليمن، وجود ثقل شيعي في اهم منطقة اقتصادية وهي المنطقة الشرقية، ومشكلة البحرين، والتنافس مع الامارات في المنطقة.

3- على الرغم من وجود تيارات سياسية داخل النظام السياسي في ايران (اصلاحية ومحافظة)، وهي قد تبدو بنظر بعض التحليلات متنافسة ومتصارعة، الا انها كلها متفقة على السياسة العليا للدولة، بل ومتشددة في الدفاع عنها، وحتى المعارضة خارج ايران فإنها معارضة للنظام الحاكم في ايران، وليس معارضة لتوجهات الدولة الايرانية في التفوق الاقليمي والبحث عن النفوذ، وحتى المعارضة الايرانية التي تدعمها السعودية ودول اخرى مثل مجاهدي خلق فإنها لا تحظى بأي مقبولية في الشارع الايراني بل حتى من المعارضة الاخرى في الخارج، اما الداخل السعودي فهناك تنافس محموم بين اقطاب السلطة في المملكة بين ولي العهد ولي ولي العهد، بل ان الصراع –وحسب بعض التحليلات- قد يتفاقم بين يوم وآخر بين العائلة الحاكمة التي وصل افرادها الى الالاف من الامراء، واغلبهم لديه طموحات في الحكم، كما ان هناك معارضة قوية لنظام الحكم السعودي في الخارج، وهي تريد تغيير جذري في بنية الحكم السعودي.

4- لقد استطاع النظام السياسي احتواء القوميات ضمن إطار الدولة الإيرانية في محورين الأول هو الأصل الآري الذي يجمع اغلب مكونات الدولة الإيرانية، والثاني هو الانتماء المذهبي الذي يربط ما تبقى من مكونات الدولة الإيرانية، لهذا لم تظهر حركة قومية تهدد وحدة الدولة الإيرانية والنظام السياسي، كذلك إن النظام السياسي سمح لأبناء القوميات المختلفة المشاركة في العمل السياسي، فضلاً عن ان قوة الدولة الإيرانية العسكرية والروح القومية الجامعة لدى بعض أبناء القوميات الايرانية المتمسكة بوحدة البلاد، وعدم امتلاك القوميات الوسائل الكافية واللازمة للتأثير على النظام السياسي، وكل هذا لم يسمح ببروز هذه المشكلة على نحو يهدد مستقبل النظام السياسي.

5- ان ما جعل مشكلة الاقليات القومية غير ضاغطة بحدة على النظام السياسي، هو عدم ثقة الأقليات بالوعود الغربية عامة والأمريكية خاصة، إذ إن الدعم الغربي هو بسبب العداء للنظام السياسي الإسلامي، وزوال النظام السياسي في إيران لا يعني إن القوميات سوف تحصل على حقوقها القومية، لهذا فالحركات القومية مترددة في مشروعها لتغير النظام السياسي.

6- إن اغلب مطالب القوميات في ايران لم تكن موجه ضد النظام السياسي بقدر ما هي مطالب إقليمية خاصة بهم، وهي الحصول على الحقوق الثقافية مثل استخدام اللغة المحلية كلغة رسمية في منطقهم إلى جانب اللغة الفارسية، وحرية للصحافة، وتوحيد مناطقهم، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية، والاستفادة من الثروات الطبيعية، خاصة وان 80% من نفط إيران موجود في إقليم الاحواز، اضافة الى وجود اماكن سياحية كبيرة في كردستان وأذربيجان، لهذا فهي منسجمة في النسيج الداخلي الايراني العام.

7- الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، واحداث ما تسمى بثورات الربيع العربي، في سوريا وليبيا واليمن ومصر، وما تلاها من احداث مؤلمة جعلت العديد من شعوب المنطقة تعيد النظر بسياسة العنف، وتقبل بالوضع الحالي لها، الذي هو افضل بكثير من وضع نظرائهم في دول المنطقة التي تشهد حروبا اهليه طاحنة.

8- اقليميا، ان اغلب دول الخليج العربية تشترك بعلاقات وثيقة مع ايران قد تفوق علاقاتها مع السعودية ومنها عمان والامارات وقطر، بل ان هذه الدول وقفت ضد أي حرب امريكية ضد ايران للأضرار التي قد تلحق بشعوب هذه الدول، خاصة اذا عرفنا ان بعض هذه الدول بدأ ينافس السعودية على دور اقليمي له، خاصة التنافس السعودي الاماراتي في اليمن.

9- دوليا، مر الصراع الايراني مع دول كبرى على راسها امريكا بعدة مراحل منذ انتصار الثورة الايرانية حتى الان، فقد بدا امريكا بحرب بالوكالة مفتوحة ضد ايران لأكثر من ثلاثين عاما، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية اغلبها مستمرة الى الان، بل جربت امريكا كل انواع الحرب الداخلية ضد النظام الايراني ومنها تحريض الاقليات الدينية والعرقية، الا انها لم تحقق ما كانت تصبوا اليه، بعدها تم عقد الاتفاق النووي مع ايران من خلال مجموعة 5+1، ثم بدأت برفع بعض العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، بل لوحظ في الآونة الاخيرة وجود نوع من التعاون بين ايران وامريكا خاصة في مجال الطيران المدني، والطاقة، لهذا فان اوضاع المنطقة الملتهبة عوامل غير مواتية لأي دعم امريكي لصراع سعودي ايراني، لان مثل هذا الصراع سيقود المنطقة والعالم الى حرب كونية اخرى.

10- هناك تعاون ايراني مع الدول المجاورة لها في مجال مكافحة التطرف والارهاب، وخاصة ضد بعض الجماعات القومية التي لها امتداد قومي على حدودها مع باكستان وافغانستان وتركيا، فقد تعاونت في الماضي مع باكستان ضد جماعة جند الله بزعامة (عبد الملك ريغي) البلوشية وتم القاء القبض عليه على اخيه (عبد الحميد ريغي) وأعدما عام 2010، لهذا فان أي تدخل خارجي لتحريض القوميات الايرانية غير ذي فائدة، والسبب هو قوة النظام من جهة وتعاون دول جوار إيران معها من جهة اخرى.

اخيرا، ان سياسة السعودية الجديدة ضد ايران بالرغم من انها قد تكون حسب تصوراتهم سلاحا فعالا ضد النظام السياسي الايراني، وقد يشغله عن لبعض الوقت عن احداث المنطقة، الا انها في الوقت سلاح تم تجريبه سابقا ومن عدة دول وبمستويات عليا منها العراق وامريكا ودول اوربية، الا انه لم يحقق هدف اصحابه، فقد وقف اهالي الاحواز مثلا ضد العراق في حرب الثمان سنوات مع ايران على الرغم من اصولهم العربية وارتباطهم مع ابناء جنوب العراق، ورغم الدعم الامريكي الواسع لأكراد ايران وقومية البلوش، وقيامهم بعمليات مسلحة ضد النظام الا انهم عجزوا عن تحقيق الاهداف، كما ان ايران هي الاخرى لم تنجح في تحريك ابناء المنطقة الشرقية ضد النظام السعودي، بل جل حركتهم كانت سلمية وضمن مؤسسات النظام، لهذا على ايران والسعودية ان يبنوا سياسة جديدة في المنطقة تقوم على التعاون ونبذ العنف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لتجنيب دولهم والمنطقة المزيد من الدمار والخراب والذي يصب في صالح دول من خارج الاقليم.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1