معظم الفلاسفة والمفكرين الذين تركوا بصمة فكرية متميزة في السجل الإنساني، لم ينتظروا كلمة شكر من الآخرين، ولم تكن تعنيهم المكافأة المادية ولا حتى المعنوية، ولم ينتظروا الإطراء من مؤسسة أو شخصية ما، كما أن الأصيل منهم لم يضع منصبا في باله، كانوا يعملون بصمت ونكران ذات، وأقصى ما كانوا يهدفون إليه هو أن يقدموا فكرة جيدة تساعد الإنسان على أن يتقدم خطوة في هذا المضمار أو ذاك، وكان الأمل يحدو هذا الصنف من العلماء بأن تتطور عقلية الإنسان، وينتقل رويدا من حظيرة التوحّش الى فضاء المدنية.

هذا الصنف من العظماء، كانت غايتهم أن يقدموا الأفكار الجديدة المتميزة لمن يحتاجها من دون أي مقابل، وهذا ما أطلق عليه بعض المهتمين بـ (الإيثار الفكري)، أو التضحية من أجل تطور الفكر الإنساني، وهو ما حدث بالفعل، عبر مسيرة شائكة تخللتها رحلة البشرية من لحظة النشوء، وبداية المعاناة من ظروف التوحش أبان مرحلة العيش الجماعي مع الكائنات الأخرى، بما فيها الحيوانات المفترسة، حيث كانت جميع المخلوقات في حالة صراع (حد الموت) من أجل الوصول الى ما يسد الرمق لا أكثر.

تُرى كيف حققت البشرية هذه الوفرة من الأموال والمعادن الثمينة والمجوهرات النفيسة، وكيف تضاعف الثروات النقدية والعينية في العالم، ثم كيف تحقق هذا المخزون الغذائي الهائل وفق ما يصطلح عليه الاقتصاديون بـ (الأمن الغذائي)؟، وكيف بلغ الإنسان القمر والكواكب الأخرى وكيف اقتحم بل استعمر الفضاء، ثم هذه الثورة في التقانة والتكنولوجيا، كيف تحققت للبشرية في عصرها الحديث؟، إنها ليست عصا سحرية، بل هي رحلة شاقة طويلة عبر آلاف السنين، كان للإيثار الفكري فيها قصب السبق بدفع البشرية خطوات وخطوات الى أمام.

أولئك الذين سهروا الليالي تلو الليالي والسنوات تلو الأخرى، وأفنوا أعمارهم عن البحث في دهاليز الأفكار الحديثة، كان جل ما يطمحون إليه هو العثور على فكرة جديدة، يمكن تحويلها الى منجز عملي صناعي او علمي او طبي أو من هذا القبيل أو ذاك، فالمهم لدى هؤلاء العمالقة، ليس المال ولا الإطراء ولم يكونوا ينتظروا حتى كلمة شكر، ولكن عندما تتحول فكرتهم العملاقة الى مجسَّد عملي، هذه هي كفاءتهم، لذلك تقدم العالم، وتطورت البشرية الى ما هي عليه من حيث الجانب المضيء وليس الجانب الآخر أو المظلم من الحياة.

ولم يزل عالمنا يحفل بمثل أولئك المفكرين والعلماء، فحضورهم لا يزال مجسَّدا بهذا الامتداد المضيء لبعض المفكرين الذين لا يزالون يقدمون للإنسانية حزمة متماسكة من الأفكار المتجددة، عبر مؤلَّفات تحمل سمات الإيثار الفكر الذي يضع نفسه بين يدي الإنسان، كي يصبح العالم أكثر قدرة على التحول من القسوة والجلف والوحشية، الى الرأفة والرحمة والسمو بشأن الإنسان وكرامته وتحسين دقائق حياته من أصغر تفاصيلها الى أكبرها حجما، ومما يثلج الصدور دائما، أن هذا الامتداد الفكري لا يزال يفصح عن استعداد مؤكَّد لتقديم ما يستوجب من أفكار في محاولة لا تكلّ لتصحيح المسار البشري على نحو مستدام.

لقد تميز عصرنا الحالي، بهذا النوع من المفكرين، وبهذا المنجز الفكري الذي لا يقدَّر بثمن، على الرغم من وجود مؤشرات كبيرة وكثيرة على ولوج حالات التعقيد في مفاصل حياتنا، مع انتشار التطرف في الفكر والسلوك، والمغالاة في دفع البشرية نحو التصادم بدلا من التآخي والتفاهم، حتى باتت مظاهر العنف ترسم المشهد الأسوأ حضورا وتأثيرا في النشاط الآني، فأينما ولّيت بصرك سوف تجد بؤرة هنا وأخرى هناك للفكر المتطرف التكفيري المريض، وتجد الظلم منتشر في مناطق كثيرة من العالم، وترصد أخطاء معقدة تبدو غير قابلة للمعالجة، ومع ذلك المفكرون من حملة الإيثار الفكري لم يستكينوا ولم يشعروا باليأس، ولم يوقفوا عن محاولاتهم العظيمة على المواجهة وإثبات الجمال والخير والحقيقة التي تجسد الوجود وتمنحه عقلانية تعلو على الجشع والشر بتوابعه كافة.

هؤلاء المفكرون والعلماء الإنسانيون، لا زالوا يكافحون ضد موجات الفكر المضاد، الفكر المريض المتطرف، وحبذا لو أن المؤسسات العالمية والمنظمات المستقلة المهتمة بالفكر، أن تأخذ بيدهم، كذلك على المؤسسات الجامعية العالمية الرصينة، ومراكز البحوث والدراسات غير التابعة سياسيا أو سوى ذلك من أنواع التبعية المغرضة، من المهم جدا أن تأخذ دورها المدروس في استقطاب العقول المنتجة للإيثار الفكري، وترعاها وتمدها بلوازم الإنتاج والمواصلة، وعدم تركهم عرضة للعوز والحاجة، او الارتماء في أحضان مؤسسات مشبوهة.

إن خسارة عقل مفكر من هذا النوع يمثل خسارة جمعية، تلحق أضرارا بالغة بالإنسانية، فحذارِ من إهمال هذه العقول النادرة أصلا، فالعالم وكينونة الإنسان ومصيره الجمعي يتوقف على هذه العقول التي تمتلك القدرة على أن تجترح الطازج من الأفكار وتدشينه في بوتقة الاختبار، ثم تدفع به الى المنشآت المعنية بتحديث الفكر وتحويله من حالته المجردة الى منجز مجسّد عمليا ليسهم في تطوير الحياة ودفعها الى الأمام، وهكذا يتوقف العالم على مثل هذه العقول التي لا ولن تبحث عن مآرب ذات طابع مادي، لكنها تبقى في حاجة الى ضمان قدر أدنى من مستوى العيش يحفظ كرامة الإنسان من الاستغلال أو الجوع والمرض وما يقترب من ذلك.

هذه هي مهمة جمعية، يُقاضى عنها في القادم، مؤسسات ومنظمات وحكومات وشخصيات، فمن يهمل العقول المنتجة لهذا النوع من الأفكار، كمن يغامر بسوق البشرية نحو حافة الهاوية، خصوصا أننا نعيش في عصر يتكالب فيه التطرف الفكري ليضرب المناطق والتجمعات السكانية الهشة الساخنة القلقة من العالم، فرعاية الإيثار الفكري كمن يضرب عصفورين بحجر واحد، الأول أن تطفئ بؤر التطرف الفكري، والثاني تفوز بمنتَج فكري يدعم التقدم البشر بأفكار متجددة وغير مسبوقة تتحول من كلمات في العقول الى مشاريع إنسانية عملاقة على أرض الواقع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0