يشير مفهوم التغيير الى الاختلاف في المواقف او الظروف في مختلف نقاط الزمن. وبالرغم من الإحساس المألوف بالتغيير، لكن تحليل التغيير يثير مشاكل معقدة شغلت الفلاسفة منذ ايام ما قبل سقراط. هيرقليطس هو اول فيلسوف أثار وبشكل مباشر هذه القضايا مستخدما المجاز مثل "لا يمكن للمرء عبور النهر مرتين".

الايليون(1) Eleatics كانوا عمليا منشغلين بالتغيير وطرحوا عددا من المشاكل، بما فيها مفارقات زينون، الامر الذي قادهم للإصرار على ان التغيير هو امر مستحيل، وان الواقع هو واحد ولن يتغير. الفلاسفة اللاحقين رفضوا مثل هذا الاستنتاج، وطوروا بدلا من ذلك انظمة مثل نظام الذرات في محاولة لتجنب مشاكل الايليين. وفي العصور الحديثة، دخلت بعض هذه المشاكل الى عالم الرياضيات مع تطور تحليلات التفاضل والتكامل. هذه التطورات اُعتبرت من جانب البعض كحل لمشاكل التغيير لكن فلاسفة آخرين أكّدوا استمرار هذه الاشكالية الفلسفية.

في الفلسفة اليونانية

هيرقليطس هو اول فيلسوف كتب حول التغيير مستخدما اسلوب الاستعارة، "بقوله "اولئك الذين يعبرون الانهار يبقون كما هم مهما تدفقت مياه اخرى " او "لا يمكن عبور نفس النهر مرتين". مناصروه اللاحقون غيّروا كلمة "مرتين" بـ "واحدة". وهذا اعتُبر نوعا من التناقض بين ما نسميه بقاء النهر "كما هو" وادراكنا لما يحصل من تغير كلي في المحتويات المادية للنهر "المياه".

من غير الواضح ما كان يقصده هيرقليطس بادّعائه هذا فهو لم يعرض توضيحا شاملا له. غير انه واحد من بين العديد من الامثلة لفكرة اكثر عمومية اطلق عليها هرقليطس "وحدة الاضداد" او حقيقة ان الاحكام المتضادة يمكن اطلاقها على ذات الشيء، مثال آخر"الطريق صعودا والطريق نزولا هو واحد وذات الشيء".

الايليون Eleatics

كان التغيير من الاهتمامات الرئيسية لمدرسة الايليين الفكرية بقيادة بارمنديس. اعتبر بارمنديس اللاوجود نوعا من السخافة، ولهذا هو زعم انه من المستحيل لشيء ان يأتي الى الوجود من لا شيء، او يستحيل خروج شيء من الوجود الى اللاشيء. هو يقصد بـ "شيء ما" ليس فقط الشيء المادي وانما اي شيء عام، رافضا، على سبيل المثال، تغيير الالوان، لأنها تتطلب لونا جديدا يبرز من اللاشيء بينما ينتقل اللون القديم الى لاشيء. هو لهذا، رفض كل التغيير باعتباره مستحيلا وادّعى ان الواقع هو كلُّ ثابت وغير مختلف.

هذه الافكار تبنّاها لاحقا اتباع برمنديس وخاصة مليشس وزينون اللذان عرضا حججا اضافية خاصة في استحالة الحركة. مليشس زعم ان الواقع هو كامل، وان "اللاوجود مستحيل"، ولهذا لا شيء يمكن ان يتحرك. زينون عرض سلسلة من الحج الهامة.

من بين تلك الحجج كانت ملاحظته ان الحركة من (س) الى (ص) تتطلب من المرء اولا ان يصل الى منتصف المسافة بينهما. وهكذا كل حركة تستلزم عددا لا متناهيا من الخطوات اعتبرها زينون مستحيلة. حجة مشابهة شملت سباقا بين احد الابطال وسلحفاة. السلحفاة مُنحت البداية في السباق. البطل يصل بسرعة الى النقطة التي وقفت عندها السلحفاة، ولكن في هذا الوقت تكون السلحفاة قد تحركت قليلا لذا يتوجب على البطل الآن الوصول الى النقطة الجديدة وهكذا. وهناك حجة اخرى ركزت على حركة السهم. لاحظ زينون عند التركيز على لحظة واحدة من الزمن، فان السهم لن يتحرك في تلك اللحظة. لذا هو ادعى استحالة حركة السهم.

الرد على الايليين

ذرية ديموقريطس و ليسوبوس يمكن اعتبارها ردا على انكار الايليين للتغيير. الذريون اعترفوا باستحالة مجيء شيء من العدم او ان يصبح عدما، ولكن فقط في مجال الشيء المادي وليس في النوعيات العامة. هم افترضوا بان كل شيء مرئي هو في الحقيقة مركب من جزيئات غير مرئية من مختلف الاشكال والاحجام وهذه الجزيئات لا يمكن قسمتها. هذه الجزيئات هي خالدة ولا تتغير، ولكن بإعادة ترتيب نفسها، يمكن للأشياء المركبة التي كونتها ان تأتي الى الوجود او تخرج منه. هذه المركبات من الاشياء وخصائصها ليست حقيقية في الواقع، هي حسب تعبير ديموقريطس "حسب العادة هي حلوة، مرة، حارة، باردة، ملونة: لكنها في الواقع ذرات وفراغ". لهذا فان التغيير المتخيل في خصائص الاشياء كان وهماً.

اما اناكسوغوراس فقد عرض ردا مشابها ولكن بدلا من الذرات هو افترض عدد من المقادير الاساسية الخالدة التي مُزجت الى بعضها ضمن سلسلة مستمرة من التغيير البطيء. لا وجود لشيء مادي ذو محتوى خالص، وانما اكتسب سمته المادية نتيجة العدد الهائل من مختلف المقادير في كل الاشياء الاخرى. بهذه الطريقة، يزعم انكساغوراس ان لا وجود لأي محتوى كامل يأتي من الوجود واليه.

مفارقات زينون Zeno’s paradoxes

هذه المفارقات وضعها الفيلسوف اليوناني زينون (490-430 قبل الميلاد) لدعم مذهب بارميندوس وليؤكد عكس دليل الحواس بأن الايمان بالتغيير والحركة ليس الاّ وهما. مفارقات زينون التسع بعضها متشابه. ارسطو قام بتفنيد بعضها. الحجج التي عرضها زينون هي امثلة لطريقة البرهان بالتناقض، وهي اُعتبرت كطريقة ديالكتيكية استخدمها سقراط.

بعض الرياضيين والمؤرخين مثل كارل بوير اعتبر مفارقات زينون مجرد مشاكل رياضية يستطيع التفاضل والتكامل الحديث تقديم الحلول لها لكن فلاسفة آخرين اعتبروا مفارقات زينون لاتزال تجسّد مشاكل ميتافيزيقية.

1- مفارقة الحركة

وفيها يجب الوصول الى منتصف المسافة قبل بلوغ الهدف – كما جاء في فيزياء ارسطو، v1:9, 239b10.

لنفرض ان شخصا ما يرغب المشي الى نهاية طريق معين. قبل ان يصل الى هناك، يجب عليه بلوغ نصف المسافة. قبل بلوغ نصف المسافة، يتوجب عليه بلوغ ربعها. وقبل قطع ربع المسافة، لابد له من قطع ثُمنها. لكن قبل بلوغ ثُمن المسافة يجب قطع نصف هذا الثُمن او1/16 وهكذا فان نتيجة السلسلة ستكون 1، 1/2، 1/4، 1/8، 1/16..... الى ما لانهاية.

هذه العملية تتطلب من الشخص استكمال عدد لا متناهي من الخطوات والتي يعتبرها زينون مستحيلة. السلسلة تجسد ايضا مشكلة ثانية كونها لا تحتوي على الخطوة الاولى للبدء، ذلك لأنه في اي خطوة اولى يجب ان تُقسم الى النصف، ولهذا سوف لن تكون الخطوة الاولى ابدا وبالتالي لا يمكن البدء في الرحلة. الاستنتاج هو ان الانطلاق في اي مسير لا يمكن استكماله ولا يمكن البدء فيه، وبالتالي فان الحركة هي ليست الاّ وهماً.

2- مفارقة السهم

هذه المفارقة وردت في فيزياء ارسطو، v1: 9, 239b5

يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغير الموقع الذي يشغله. هو يعطي مثال عن السهم. هو يذكر في اي لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة اخرى، في اي لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في اي لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات، عندئذ تكون الحركة مستحيلة. اذا كانت المفارقة الاولى تقوم على تجزئة المكان فان هذه المفارقة تعتمد على تجزئة الزمان.

Stanford Encyclopedia of philosophy

................................................
الهوامش
(1) الايلييون هم مدرسة فلسفية نشأت في فترة ما قبل سقراط، اسسها بارمندوس في بداية القرن الخامس قبل الميلاد في مدينة ايليا اليونانية القديمة والتي تقع حاليا في جنوب ايطاليا. الايليون رفضوا الصلاحية الابيستيمولوجية لتجربة الحواس واتخذوا بدلا من ذلك المستويات المنطقية للوضوح والضرورة كمعيار للحقيقة. بارميندوس وميلشس أقاما حججا تبدأ من قواعد سليمة.
زينون من جهته، استخدم الديالكتيك كمحاولة لتحطيم حجج الآخرين مبيناً ان منطلقاتهم تقود الى التناقض. العقيدة الرئيسية للايليين برزت متحديةً النظريات المبكرة للفلاسفة الفيزيائيين الذين فسروا كل الوجود بناءا على المادة الاولى، ونظريات هيرقليطس التي تؤكد بان كل الوجود يمكن تلخيصه بالتغيير الدائم. الايليون أكّدوا بان التفسير الحقيقي للاشياء يكمن في تصور وحدة كلية للوجود. هم يرون ان الاحاسيس لا يمكنها ادراك هذه الوحده لأن تقاريرها غير منسجمة، وانه بالتفكير وحده يمكننا المرور الى ما وراء المظهر الخادع للحواس والوصول الى معرفة الحقيقة الاساسية للوجود وهي ان "الكل واحد"، وان لا خلق هناك لأن الوجود لا يمكن ان يأتي من لا وجود.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1