يسعى لإنزال "الأخلاق الحسينية" إلى الميدان العملي والمادي عبر البناء المؤسساتي، وتهذيب السلوك الفردي، وتطوير الخطاب الرسالي. معيار النجاح والتوافق الحقيقي مع نهضة عاشوراء في نظر الشيرازي يُقاس بمدى قدرة المجتمع على تحويل مبادئ الطف إلى قيم حية تحكم السياسة، والاجتماع، والأسرة، والمعاملات اليومية، لتأخذ الأمة مكانتها الحضارية...
إن الشعائر الحسينية، بما تحمله من بكاء وعزاء وإطعام وزيارة وخدمة، ليست ممارسات شكلية معزولة عن الحياة، بل هي منظومة وجدانية وتربوية تحفظ الذاكرة، وتبني الانتماء، وتغرس المحبة. غير أن رؤيتها الكاملة في فكر المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الشيرازي تتحقق حين تنتقل من دائرة الإحياء الموسمي إلى دائرة الأثر المستمر، فتتحول العاطفة إلى رحمة اجتماعية، والذكرى إلى وعي، والمجلس إلى مدرسة، والموكب إلى مؤسسة، والبراءة من الظالمين إلى موقف يومي ضد الظلم والفساد والاستبداد.
ويسعى هذا المقال العلمي إلى قراءة الشعائر الحسينية في فكر المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، مستنداً إلى رؤيته الأخلاقية التجديدية وشرحه لأهداف النهضة الحسينية. يطرح المقال رؤية في بنية المنظومة الأخلاقية، وسبل تحقيق الانسجام السلوكي، من خلال الحلول التي قدمها السيد الشيرازي لتحقيق "التوافق السلوكي والنهضوي" للأمة الإسلامية على الصعيد الخاص للشخصية، وللإنسانية على الصعيد العام.
إذ شغلت علاقة "الدين بالخُلق" حيزاً واسعاً في الفلسفة الاجتماعية الإسلامية، فالأخلاق ليست ترفاً فكرياً، بل هي المحك الحقيقي لصدق التدين والوعي بالحدث التاريخي. وتتجلى هذه العلاقة بوضوح عند دراسة "النهضة الحسينية"، باعتبارها حركة أخلاقية عظمى ثارت ضد الاستبداد والدناءة والرذيلة والفساد، ومن ثم ترسيخ قيم الحرية والتضحية، والعدالة الاجتماعية من خلال طلب الإصلاح وإن كلّف ذلك الأثمان الباهظة.
ومن ذلك ينطلق الفكر السلوكي للمرجع المجدد الشيرازي، الذي لا تُفصل فيه النهضة الحسينية عن جوهرها الأخلاقي؛ إذ يرى أن عاشوراء لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل "مدرسة لإحياء مكارم الأخلاق" وتحصين المجتمع قيمياً. غير أن الإشكالية المعاصرة تكمن في عدم التوافق السلوكي بين النظرية والتطبيق بين الأفراد والمجتمعات؛ إذ تشكّل العاطفة الحسينية مدخلاً وجدانياً عميقاً لحفظ الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام)، غير أن كمال هذا الارتباط يتحقق حين تتحول هذه العاطفة إلى وعيٍ عملي وتمثّلٍ سلوكي لقيم النهضة في الحياة اليومية، ويمكن تشخيص مفاتيح لما يُستغلق في هذه النهضة الكبيرة في رؤى وأفكار السيد الراحل كالآتي:
أولاً: بنية المنظومة الأخلاقية الحسينية عند السيد الشيرازي
ينطلق السيد محمد الشيرازي في صياغته للمفهوم الأخلاقي من قاعدة أصيلة تربط بين "الأخلاق" وبين "الأثر السلوكي والاجتماعي". فيرى في كتابه (الأخلاق الإسلامية)، وفي أطروحاته العاشورائية، أن الإسلام صاغ تلاحماً وثيقاً بين الدين والفضيلة، بحيث يكتمل تعظيم الشعائر الحسينية عندما تحدث التزاماً أخلاقياً ثابتاً(1)؛ لذا يضع تأسيساً للمنظومة الحسينية في فكره على ركائز واضحة: كأخلاق التضحية والإيثار، حيث يعلّم الحسين (عليه السلام) المجتمع بذل النفس والمال في سبيل الصالح العام ومواجهة الظلم الإنساني؛ لأن بناء المجتمع يحتاج إلى مدد نهضوي مستدام.
وكذلك الرحمة الإنسانية الاجتماعية: إذ يستحضر السيد الشيرازي باستمرار موقف الإمام الحسين يوم الطف عندما سقى جيش عدوه وخيولهم بالماء؛ ليوضح أن أخلاق النهضة الحسينية تفرض "الرحمة بالآخر"، وتقديم المساعدات الإنسانية والاجتماعية للجميع بغض النظر عن انتمائهم وتوجهاتهم، إنما ينظر إليهم بعين الإنسانية. ومن المحتمل أن هذا الموقف أعطى ثمرته عبر أثره البالغ في هؤلاء، مما أنتج خروج قائد الفرقة المحاصرة عن أوامر ابن زياد والالتحاق بالركب الحسيني.
بالإضافة إلى أخلاق الإصلاح ومحاربة الاستبداد: فالهدف الرئيس من النهضة العالمية طلب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتغيير البيئة الفاسدة للمجتمع البشري آنذاك.
ثانياً: إشكالية التوافق السلوكي وتجلياتها المعاصرة
إن "التوافق السلوكي" وما يُعرف بـ(Behavioral Alignment) يعبّر عن حالة الانسجام التام بين المعتقدات والقيم التي يؤمن بها الفرد (المنظومة النظرية)، وبين أفعاله وقراراته اليومية (الواقع المادي). وتنبثق الإشكالية عندما يُصاب المجتمع بـ"الانفصام السلوكي"، وهو ما حذّر منه السيد الشيرازي في مؤلفات عدّة مثل: (الفضيلة الإسلامية) و(الأخلاق المثالية)(2).
أما من جهة الفضاء الحسيني، فتتبدى هذه الإشكالية في مظهرين شخصهما الشيرازي:
1- تكامل الشعيرة والمقصد: فالبكاء وإقامة العزاء وإطعام الطعام من الشعائر المباركة التي حفظت الذاكرة الحسينية وعمّقت الارتباط الوجداني بالأمة، إلا أن فاعليتها الكبرى تكتمل حين تُقرأ بوصفها طريقاً لترسيخ الأمانة والعدل ونبذ الاستبداد، وإصلاح السلوك الاجتماعي.
2- التكامل بين الشعيرة والمعاملة: يقول الشيرازي: "من لا فضيلة له لا دين له، وإن صلّى وصام وزكّى وحج"(3)، ويُقاس عليها: وإن بكى على الحسين وزاره. فإذا كان الفرد يحضر المجالس الحسينية ولكنه يمارس الغيبة، والنميمة، وأكل حقوق الآخرين، أو التخاذل عن نصرة المظلومين، فإنه يعيش حالة من اللاتوافق السلوكي المعرفي حيال القضية الحسينية.
ثالثاً: أسباب غياب التوافق السلوكي
يُرجع المرجع الشيرازي الراحل أسباب هذا العقم والتفاوت بين الوعي القيمي والممارسة السلوكية إلى عوامل رئيسة:
1- قصور الخطاب والفهم القشري: حيث يرى الشيرازي أنه على أصحاب المنبر والقلم والخطباء مسؤولية عدم الاكتفاء بالطرح المأساوي الفاجع للواقعة، رغم أهميته الاستراتيجية في حفظ الإيمان، بل وجوب ربطه بالقوانين الإسلامية وتطبيقات المعاملات اليومية ونشر قيم الإسلام الأخلاقية عالمياً.
2- الاستسلام النفسي لما أسماه بـ"الرذائل الذاتية": الأخلاق عند الشيرازي تتطلب ترويضاً شاقاً ومكافحة لآفات مثل: حب الظهور، والكسل، والطمع، والأنانية. وغياب التوافق ينبع من رغبة الإنسان في تحصيل الأجر الأخروي عبر الممارسات السهلة، دون تحمل مشقة "الجهاد الأكبر" لتطهير الذات سيكولوجياً وتطويعها لقيم عاشوراء.
3- غياب المأسسة والعمل الجماعي: بقاء الأخلاق الحسينية كمفاهيم فردية مجردة لا يتيح لها التحول إلى سلوك جمعي. لذا ركّز الشيرازي على البعد التنظيمي والاجتماعي للشعائر(4).
رابعاً: آليات التغيير وتحقيق التوافق السلوكي
لم يكتفِ السيد الشيرازي بالتشخيص النظري، بل قدّم منظومة مشروع حضاري متكامل مبني على الأخلاق لإنقاذ الأمة وتحقيق التوافق السلوكي مع النهضة الحسينية، عبر المسارات الخاصة بتحويل العاطفة إلى طاقة مؤسساتية؛ إذ يرى الشيرازي أن دروس الأخوة والرحمة الاجتماعية الحسينية يجب أن تُترجم عملياً عبر تأسيس "آلاف المؤسسات الإنسانية والخيرية" لإسعاف الفقراء، والأيتام، والمرضى، والمعاقين. هذا العمل المؤسساتي يحوّل الانفعال الوجداني العاطفي في عاشوراء إلى سلوك اجتماعي مستدام ومثمر.
وكذلك إعادة صياغة العقل الاجتماعي بالتربية الباكرة؛ حيث دعا إلى ترسيخ المبادئ الحسينية الأخلاقية منذ الطفولة عبر ثلاثية (الأسرة، المدرسة، والإعلام)، لضمان نشوء جيل يربط بنيانه التربوي بصياغة نفسية متخلّقة لا تلتزم بالشكل والمظهر فحسب، بل بالجوهر.
بالإضافة إلى ربط عاشوراء بالحريات والحقوق؛ وهذا عبر تفعيل السلم الاجتماعي والشورى والتعددية والحرية؛ لأن الإمام الحسين إنما ضحى ليرجع الإنسان إلى كرامته وحريته الفطرية(5). وبالتالي، فإن التوافق السلوكي يفرض إيجاد مناخ اجتماعي وسياسي تسوده العدالة والأخلاق الكونية الإنسانية التي تتجاوز الخصوصية المذهبية إلى الفضاء الإنساني الأرحب.
خامساً: نصرة المظلوم (الأخلاق السياسية والحقوقية)
إن البراءة من رموز الظلم التاريخي تمثّل موقفاً إيمانياً وأخلاقياً أصيلاً، وتكتمل دلالتها حين تتحول إلى وعيٍ عملي يرفض الظلم المعاصر والاستبداد والفساد، وكل ما يسحق كرامة الإنسان وحقوق الفقراء والمستضعفين. فقام سماحته بتطوير مشروع تطبيقي يقوم على تحويل الطاقة العاطفية الوجدانية لـ"عاشوراء" إلى مسارات عملية مستدامة عبر الآليات الآتية:
1. مأسسة السلوك الحسيني (تأسيس المؤسسات)
الآلية التطبيقية الأبرز عند الشيرازي هي "قانون المؤسسات". كان يرى أن البكاء على الحسين يجب أن ينتج سلوكاً منظماً. وهذا يجب أن يتبعه التطبيق العملي؛ حيث دعا إلى تحويل كل مجلس حسيني أو موكب إلى "نواة مؤسسة تخصصية". فالموكب الذي يطعم الناس في عاشوراء يجب أن يتحول طوال العام إلى: مؤسسة لتزويج الشباب، أو مستوصف خيري لعلاج الفقراء، أو جمعية لرعاية الأيتام، أو صندوق للإقراض المضاد للربا. هذا التحويل ينقل الأخلاق من "شعور مؤقت" إلى "سلوك مؤسساتي دائم"(6).
2. مشروع "مليار كتاب" وتغيير الوعي السلوكي
عدّ السيد الشيرازي أن الجهل بمفاهيم المعاملات هو سبب غياب التوافق السلوكي. فيجب أن يخضع لتطبيق عملي، لذا أطلق أطروحته الشهيرة لطباعة ونشر "مليار كتاب إسلامي مبسط". وكان يركز على كتابة كتيبات صغيرة جيبية تُوزع في المواكب والمجالس الحسينية تبيّن: (أخلاق الطبيب، أخلاق التاجر، أخلاق المعلم، حقوق الزوجة)(7). الهدف هو ربط المعزّي الحسيني بواجباته السلوكية التخصصية في مهنته وحياته اليومية.
3. تفعيل السلم المجتمعي واللاعنف (أخلاق التعامل مع الآخر)
تطبيقاً لمنهج الإمام الحسين الإنساني، أفرد الشيرازي مساحات هائلة للاعنف والسلم الاجتماعي؛ إذ ركّز على ضرورة أن ينعكس إحياء ذكرى الطف على ممارسة "اللاعنف" في حل النزاعات الأسرية والاجتماعية والسياسية. واعتبر أن اللجوء للقوة أو السب أو التسقيط الاجتماعي بين المؤمنين هو خروج عملي عن الخط السلوكي الحسيني(8).
الاستنتاجات
يخلص المقال إلى أن فكر السيد محمد الحسيني الشيرازي يُقدّم قراءة واعية لإشكالية التوافق السلوكي في القضية الحسينية. ونجمل أفكاره في هذه النهضة العالمية بالآتي:
1- تتضح ميزته في عدم وقوفه عند حدود التنظير الأخلاقي المثالي، بل يسعى لإنزال "الأخلاق الحسينية" إلى الميدان العملي والمادي عبر البناء المؤسساتي، وتهذيب السلوك الفردي، وتطوير الخطاب الرسالي.
2- إن معيار النجاح والتوافق الحقيقي مع نهضة عاشوراء -في نظر الشيرازي- يُقاس بمدى قدرة المجتمع على تحويل مبادئ الطف إلى قيم حية تحكم السياسة، والاجتماع، والأسرة، والمعاملات اليومية، لتأخذ الأمة مكانتها الحضارية اللائقة.
3- يُقدم السيد محمد الحسيني الشيرازي خارطة طريق شديدة التطبيقية والواقعية لحل إشكالية الانفصام والتفاوت السلوكي في المجتمع الحسيني، وقد أثرت هذه الخارطة على واقع المجتمع وأتت أُكلها على أصعدة شتّى.
4- إن "القرابة الروحية" بالإمام الحسين (عليه السلام) عنده لا تُنال بالدموع والمظاهر الإحيائية فحسب، بل بالقدرة على إحداث نقلة سلوكية تترجم قيم الطف إلى مؤسسات قائمة، وأسواق نزيهة، وعلاقات اجتماعية قائمة على السلم والشورى واللاعنف، وهذا ما نجده في المجتمع الحسيني بما يُقدّمه من أخلاق إبّان الزيارات المليونية الآن.
5- النهضة الحسينية عنده هي دعوة للانتقال بالقضية الحسينية من "عاطفة الموسم" إلى "منهجية الحياة اليومية"، وهذا يحتاج إلى عمل مؤسساتي متعدد الأقطاب، حكومية وغير حكومية، لأن الموضوع كبير ويحتاج إلى تكاتف الجهود للنهضة به.
* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026
http://shrsc.com
................................................



اضف تعليق