أصبح الوجه كظيما... فالسبايا حُرروا لكنهم يمشون تتبعهم عيون الظالمين....

والمصائب لم تقف فأخذت تحنوا عليهم في كل حين...

فالموت أخذ طفلة، فتركت بالشام وقلب عمتها عليها مجفل وحزين....

خطفت من بين ايديهم بعد ان اشتاقت لحبيب قلبها ابيها الحسين..

مصائب حلت بين يوم طف.... وسبي وهاهم الآن الى مدينة جدهم عائدين....

قلوبهم حميت بنار فراق اجساد دفنت بلا رؤوس وبلا غسل وتكفين...

أيعقل ماذا يحل بهم وهم عترة وسلالة خير الوصيين...

انطلقوا للمسير وتملأهم ذكريات ستظل معهم ولن تمحوها السنون...

فبأمر من يزيد انطلق النعمان بن بشير مع جماعة يرافقون السجاد والسيدة زينب والعيال الى المدينة، وأمره أن يسير بهم ليلا، ويكونوا أمامه حيث لا يغيبون عنه طرفة عين، حيث يكونوا لهم بمثابة الحرس، فسار معهم وكان يرفق بهم ويسأل عن حوائجهم ويتلطف بهم..

ففي (مقتل الخوارزمي ج2 ص75) روي عن الحرث بن كعب قال: قالت لي فاطمة بنت علي عليه السلام: قلت لاختي زينب عليها السلام: قد اوجب علينا حق هذا الرسول، لحسن صحبته لنا، فهل لنا أن نصله بشيء؟.

قالت والله مالنا ما نصله به إلا أن نعطيه حلينا.

فأخذتُ سواري ودملجي [الحلق] وسوار اختي ودملجها، فبعثنا بها إليه واعتذرنا من قلتها،

وقلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا.

فقال: لو كان الذي صنعت للدنيا ففي دون هذا رضاي، ولكن والله ما فعلته إلا لله، ولقرابتكم من رسول الله (ص).

وعندما بلغ الامام السجاد عليه السلام وعياله العراق قالو للدليل مُر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا الى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري [وكان اعمى]، فتلاقوا في وقت واحد. عند قبر الحسين، وأخذوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد.

وبعدها ساروا الى المدينة، وفي هذه المرة تركوا الرباب التي رفضت ان تسير معهم واصرت على البقاء بجوار قبر زوجها الحسين عليه السلام، وأقامت على القبر سنة كاملة، هائمة تبكي على الحسين وترثيه، ثم عادت بعدها للمدينة، وبقيت تبكي على الحسين ليلها ونهارها، حتى ماتت كمدا.

اما السبايا فعندما اقترب ركبهم من المدينة، نزل علي بن الحسين عليه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وانزل نساءه.

وقال: يا بشير رحم الله اباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شيء منه؟.

قال بلى يا رسول الله إني شاعر.

فقال عليه السلام: أدخل المدينة وانعَ أبا عبد الله عليه السلام.

قال بشير بن جذلم فركبت فرسي وركضت، حتى دخلت المدينة.

فلما بلغت مسجد النبي رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت اقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّج

والرأس منه عَلى القناة يدارُ

قال ثم قلت هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته، قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه.

قال فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن....... فلم أرَ باكيا أكثر من ذلك اليوم، ولا يوما أمر على المسلمين منه.

قال بشير بن جذلم سمعت جارية تنوح على الحسين وتقول:

نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا

وأمرضني ناع نعاه فأفجعا

فعينيَّ جودا بالدموع واسكبا

وجودا بدمع بعد دمعكما معا

.......

ثم قالت ايها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله عليه السلام، وخدشت منا قروحا لمّا تندمل فمن أنت رحمك الله؟

فقلت أنا بشير بن جذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين وهو نازل في موضع كذا وكذا، مع عيال أبي عبد الله الحسين عليه السلام ونسائه..

قال بشير فتركوني مكاني وبادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرف والمواضع.

فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط. (المصدر/اللهوف على قتلى الطفوف لإبن طاووس).

فخرج علي بن الحسين من الفسطاط (الخيمة)، وهو لا يتمالك نفسه من العبرة، فارتفعت اصوات الناس بالبكاء، والناس يعزونه من كل ناحية، وفي مقتل الحسين للمقرم يقول:

فأومأ الامام الى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت فورتهم قال عليه السلام:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعد فارتفع في السموات العُلا......... الى آخر الخطبة

اما ام كلثوم فحين توجهت الى المدينة جعلت تبكي وتقول:

مدينة جدنا لا تقبلينا

فبالحسرات والاحزان جينا

ألا فأخبر رسول الله عنا

بأنا قد فجعنا في أخينا

......الى اخر الأبيات الشعرية.

اما حال السيدة زينب عليها السلام، عندما دخلت المدينة، ووقع طرفها على قبر رسول الله (ص)، صرخت وبكت وأخذت بعضادتيّ باب المسجد ونادت: يا جداه، إني ناعية إليك أخي الحسين، وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة.

وأخذت منازل المدينة تنعى أهلها ويبكون الحسين ويندبونه في كل حين.

ففي حديث للامام الصادق عليه السلام ما اختضبت هاشمية ولا ادهنت ولا أجيل مِروَد [الميل الذي يكتحل به] في عين هاشمية خمس حجج، حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد.

وهنا نذكر حزن الامام زين العابدين على ابيه

روي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال:

إن زين العابدين عليه السلام بكى على ابيه اربعين سنة، صائما نهاره قائما ليله، فإذا أحضر الافطار، وجاء غلامه بطعامه وشرابه، فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي، فيقول قتل ابن رسول الله عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه، ثم يمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزّ وجلّ.

انقر لاضافة تعليق
عطر الياسمين
العراق
احسنت روعة2015-12-12

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0