عندما لا يخضع السلوك للفكر، فإنه يكون عشوائيا ويذهب سدى، من دون أية فائدة تُذكر، ولذلك يقول المختصون إن أصل السلوك فكرة، من هنا فإن كل عمل مادي لابد أن يسبقه الفكر، وإذا ترسّخ هذا الفكر عن قناعة في ذهن الإنسان، فإنه يؤمن به، ويحرص على تطبيقه برحابة صدر، فكرة العمل التطوعي حديثة، أسهمت في بناء شعوب وأمم ودول، وجعلتها في المقدمة دائما، لذا نحن نحتاجها، أي أننا نحتاج الى تطبيق فكرة العمل التطوعي.

ويعرف التطوع بأنه "الجهد الذي يبذله أي إنسان بلا مقابل لمجتمعه بدافع منه للإسهام في تحمل مسؤولية المؤسسة التي تعمل على تقديم الرعاية الاجتماعية" (اللحياني، 1984: 29)، كما يعرفه العلي (1416هـ: 760): بأنه "بذل مالي أو عيني أو بدني أو فكري يقدمه المسلم عن رضا وقناعة، بدافع من دينه، بدون مقابل بقصد الإسهام في مصالح معتبرة شرعاً، يحتاج إليها قطاع من المسلمين". وهو كذلك خدمة إنسانية وطنية تهدف إلى حماية الوطن وأهله من أي خطر.

وفي بعض الدول كسويسرا مثلاً يعتبر التطوع إلزامياً للذين لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية ممن هم في سن 20-60 سنة. والمتطوع هو الشخص الذي يسخّر نفسه عن طواعية ودون إكراه أو ضغوط خارجية لمساعدة ومؤازرة الآخرين بقصد القيام بعمل يتطلب الجهد وتعدد القوى في اتجاه واحد، ويسعى العمل التطوعي لخلق روح إنسانية تعاونية بين أفراد المجتمع الواحد والمجتمعات المختلفة.

لذلك يحتاج المسلمون الى تنمية هذا النوع من الأفكار، وتحويلها من حالتها الفكرية المجردة الى نوع من العمل اليومي الذي يُقبل عليه أفراد المجتمع بصورة دائمة وطوعية، أي من دون مقابل، حيث يكون الهدف تطوير الأفراد والمجتمع وبناء الدولة، وخير مناسبة تساعدهم على ذلك هي زيارة (الأربعين)، حيث تقبل على العراق وكربلاء المقدسة الملايين من الزوار الكرام، وهؤلاء يحتاجون الى خدمات كثيرة، ولابد أن يكون للعمل التطوعي قصب السبق في تقديم مختلف الخدمات للزوار.

تساؤلات ينبغي الإجابة عنها

وهذا ما يحدث في الواقع فعلا، حيث نلاحظ مئات أو آلاف الشباب المتطوعين والمنتشرين في الشوارع والحسينيان والمواكب وهم يقدمون خدماتهم المتنوعة لزوار (الأربعين) الكرام الذين يواصلون السير على الأقدام باتجاه مدينة العز والفداء، مدينة كربلاء المقدسة، وقد بثت إحدى القنوات الفضائية تقريرا عن شباب متطوعين في مدينة السماوة يقومون بأعمال تنظيف واسعة تتناسب والأعداد الكبيرة للزوار الكرام، حيث يرفع المتطوعون المخلفات والنفايات لتكون الشوارع نظيفة وهي تستقبل زوار ابي عبد الله الحسين (ع).

وثمة أسئلة كثيرة يتم طرحها بخصوص تلكؤ الجهات الرسمية والأهلية بخصوص نشر وترسيخ ثقافة العمل التطوعي، وأهمية انتهاز الفرص لتعميق هذه الثقافة ونشرها على نحو واسع في المجتمع، هذه الأسئلة ينبغي الإجابة عنها بصورة عملية، حتى يتم العمل على تحسين السلوك الفردي والجمعي للمسلمين ومن ثم تحسين حياتهم.

فقد وجَّهت المرجعية في اكثر من موقف ومناسبة بضرورة نشر ثقافة العمل التطوعي، وانتهاز فرصة زيارة (الأربعين) لكي تتحول هذه الثقافة من صيغتها الوعظية المبدئية والفكرية الى مضمار التنفيذ العملي، وهذه الثقافة ينبغي ان يتصدى لنشرها الجميع، ويشجع عليها الجميع ايضا، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، وهناك تساؤل مهم في هذا الصدد، هل تقوم منظمات المجتمع المدني المعنية بتطوير مفهوم الخدمة المدنية بدورها؟ وسوف يردف التساؤل الاول تساؤل ثان، هل تقوم الجهات الرسمية بدورها المطلوب في نشر ثقافة العمل التطوعي، وهل ينتهزون فرصة زيارة (الأربعين) لتحقيق هذا الهدف؟.

إن الجواب الذي يمكن أن نستمده من المشاهد الفعلية في حياتنا، تؤكد بصورة قاطعة على أن منظمات المجتمع المدني المعنية وغيرها من الجهات الأهلية لا تزال تدور في فلك المصالح والفوائد الفردية والشللية، وهي لا تزال تجلس في أبراجها العاجية بمعزل عن الشعب وكأنها تمارس دور القيادة الفخرية لا غير، فلم نر الجهد الفعلي المطلوب الذي ينزل الى الشارع ويساعد الناس على هضم وقبول واعتياد الخدمة المدنية الطوعية في حملات البناء والتنظيف وسواها، ولذلك ليس أمامنا سوى الاستفادة من فرصة زيارة (الأربعين) حتى نعمل بصورة جادة على نشر هذه الثقافة المدنية المتطورة.

فتح آفاق واسعة أمام الشباب

من الواضح أن الشريحة او الفئة العمرية الأكثر حماسا للعمل الطوعي هم الشباب، ولو أننا تابعنا الشباب الحسيني وما يقوم به من مبادرات كثيرة ومتنوعة تصب في خدمة زوار (الأربعين) الكرام، لاستعنا أن نؤشر رغبة كبيرة لديهم في هذا المجال، لذلك يمكن استثمار هذه الرغبات الكبيرة والحماسة الحقيقية التي تتضاعف لدى الشباب في مثل هذه المناسبات المقدسة، كي تستمر هذه الثقافة حتى بعد انتهاء الزيارة.

وفي هذه الحالة سوف تتحول الى سلوك جمعي يمارسه المجتمع في كل حين، أي في أوقات زيارة (الأربعين) وبعدها، وهكذا نكون قد حققنا الهدف الأهم الذي يتمثل بتحويل هذه الثقافة وتعميقها كي تصبح مجسدة في حياتنا اليومية على نحو دائم ومتواصل، علما ان نشر ثقافة العمل التطوعي يقع ضمن مسؤولياتها ولا نعرف بالضبط لماذا لا تؤدي هذه المنظمات ما يقع على عاتقها من مسؤوليات كبيرة في قضية نشر ثقافة العمل الطوعي بين الناس؟ مع أنها مدعومة بعوامل القدرة على نشر هذه الثقافة العملية ماديا ومعنويا أيضا.

إن التركيز على الشباب في قضية نشر ثقافة العمل التطوعي، ينطلق من قدرتهم على مواصلة هذا الجهد، تدفعهم الى ذلك عقيدتهم وإيمانهم بأهمية خدمة زوار (الأربعين)، ولذلك على الجهات المعنية استثمار هذه الفرصة لتعميق العمل التطوعي لدى الشباب، وجعله جزءا لا يتجزأ من أفكارهم وسلوكهم، لكننا عندما نتحدث عن الجهد الرسمي في مجال نشر العمل التطوعي كسلوك وفكر يسهم بتطوير المجتمع، فإن الوقائع الملموسة تشير الى إهمال كلي لهذا الجانب للأسف، مع أننا نؤكد بأن دور الجهات الرسمية هو الأول والذي ينبغي أن يكون المتصدر في التشجيع على نشر مثل هذه الثقافة الرصينة في المجتمع.

لذا مطلوب أن نفتح الآفاق الواسعة أمام الشباب، معتمدين في ذلك على رغبتهم وحماستهم التي تنطلق من عمق عقيدتهم وتدفعهم الى تقديم الخدمات الطوعية للزوار الكرام، الذين يبلغ أو يفوق عددهم الـ (15) زائرا في الزيارات الدينية وخاصة في زيارة (الأربعين)، علما ان هذه الأعداد الكبيرة تستدعي أعدادا كبيرة أيضا من المتطوعين، على ان يتم العمل على توجيههم بأهمية هذا النوع من الخدمة بلا مقابل، وأهمية أن يستمر ليصبح حالة دائمة وسلوكا يوميا يعتاده الجميع، وفي هذه الحالة سوف يتم تعميق ثقافة العمل التطوعي لدى الشباب والمجتمع عموما وتحويله الى منهج سلوك عام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0