قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (1).

في الآية الكريمة توجيه إلهي للنبي موسى (عليه السلام) أن يذكّر قومه بِـ «أيام الله»، فما المقصود بهذه الأيام؟ الأيام من ناحية زمنية كلها أيام الله، فهو سبحانه خالق الزمان والمكان، وخالق كل ما يحيط بنا في هذا الكون الفسيح.

ولكنّ نسبة أمرٍ مّا إلى الله تعالى يدلّ على تشريفه وتعظيمه، وذلك كنسبة بعض الأمكنة لله، كالمسجد الذي يطلق عليه أنه بيت من « بيوت الله»، وكذلك شهر رمضان الذي يطلق عليه أنه «شهر الله».

روي عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أنه قال: أيام الله نعمائه وبلاؤه (2).

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يخطبنا فيذكّرنا بأيام الله» (3).

قال الفخر الرازي: إنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها، يقال: فلان عالم بأيام العرب، ويريد وقائعها (4).

قال سيد قطب: وكل الأيام أيام الله، ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو بالنقمة (5) وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي:

أيام الله هي جميع الأيام العظيمة في تاريخ الإنسانية، فكل يوم سطعت فيه الأوامر الإلهية وجعلت بقية الأمور تابعة لها، هي من أيام الله، وكل يوم يفتح فيه فصل جديد من حياة الناس فيه درس للعبر، أو ظهور نبي فيه، أو سقوط جبار وفرعون أو كل طاغ، ومحوه من الوجود، وكل يوم يعمل فيه بالحق والعدالة وتنهى حالة الظلم والجور هو من أيام الله (6)...

اليوم ـ علميًّا ـ: يعرّف بأنه المدّة الزمنيّة التي تستغرقها الأرض للدوران حول نفسها، والتي تمتدّ لأربعٍ وعشرين ساعة.

بينما اليوم ـ عرفًا ـ: ما يقابل الليل، حيث يبدأ اليوم من شروق الشمس وينتهي بغروبها.

فيقال في كثير من أدبيات العرب: اليوم والليلة، و«مسير يومٍ وليلة».

وقد وردت بعض الأحاديث الشريفة تستعمل اليوم في هذا المعنى.

وقد صنّفت بعض كتب الأدعية فيما يسمّى بِـ «أدعية اليوم والليلة»، بينما الليل يقابله ـ علميًّا ـ النهار، ومن الليل والنهار يتكون اليوم الواحد.

وقد أصبح متداولًا ومعروفًا اليوم في المجتمعات البشرية أنها تهتمّ بأيام ذات أحداث مصيرية وتاريخية مهمّة.

فأغلب الدول تحتفي بيوم استقلالها وتحرّرها من نير الاحتلال الأجنبي، وأصبح هذا الأمر تقليدًا دوليًّا، لا تكاد ترى دولة في العالم لا تحتفل بيوم استقلالها، وتجعله يومًا وطنيًا ويومَ عطلة، كما أن لكل دولة أو أمّة من الأمم أيامًا تحتفي بها رسميًّا وشعبيًّا.

فالفرنسيون ـ مثلًا ـ يحتفلون بيوم سقوط الباستيل، ذلك السجن الذي كان رمزًا للظلم والطغيان.

وقد تعارفت بعض المجتمعات البشرية على تخصيص بعض الأيام لتكريس وتأكيد بعض القيم والاهتمامات الجيّدة، وذلك مثل يوم «عيد الأم».

الذي هو عرف وتقليد قديم عند المجتمعات الأوروبية من القرن السابع عشر الميلادي، كيوم يتذكّر فيه الناس فضل الأم وتضحياتها ويجدّدون عهد التقدير والاحترام للأم، لما تتحمّله من عناء وبما تفيضه على الأبناء من محبّة وعطف في الحمل والرضاع والتربية.

في الآية القرآنية الكريمة يأمر الله تعالى نبيّه موسى (عليه السلام) بتذكير قومه بأيام الله، فالقرآن هنا لم يضع كيفية معيّنة بها يتحقّق هذا التذكير، ولكنّ ما عليه كثير من الأمم والشعوب أن يتم ذلك عادةً من خلال الاحتفال الشعبي وما يصاحب ذلك من إدخالٍ لبعض التقاليد والأعراف في إحياء هذه المناسبات التي ـ غالبًا ـ ما تقام سنويًّا.

وفي تاريخنا الإسلامي وقائعُ لها أهمية، ومنعطفاتٌ تشكّل لحظات مصيرية في تاريخ الأمة، وتؤثّر على وجدانها وثقافتها، وعلى واقعها الاجتماعي والسياسي.

هذه الأحداث يمكن أن تكون مصداقًا لعنوان «أيام الله» الوارد في القرآن الكريم.

ويمكننا ـ بكل ثقة ـ أن نَعُدَّ «يوم عاشوراء» مصداقًا بارزًا من بين تلك الأحداث، وذلك لما تحفل به هذه الحادثة من دروس وعبر وقيم للأمة وجماهيرها الواسعة.

يقول بعض علماء اللغة إلى أن مصطلح «عاشوراء» مصطلح إسلامي لم يكن في الجاهلية. هذا ما أكّده ابن دريد في الجمهرة: عاشوراء يوم سمّي في الإسلام ولم يعرف في الجاهلية [9].

الجمهرة في لغة العرب، باب ر ش ع، ويُقْصَد به اليوم العاشر من المحرّم، ولا يطلق على أي يوم عاشر من أي شهر غير المحرّم.

أن هذا المصطلح يظل مصطلحًا إسلاميًّا تعارف المسلمون عليه بسبب الواقعة التي حصلت فيه باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك اليوم.

في إحدى فقرات الزيارة الواردة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، حيث يقول فيها:

«... اَللّـهُمَّ إن هذا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أمَيَّةَ وَابْنُ آكِلَةِ الأكبادِ »(7).

نجد أن بني أميّة كانوا يريدون التعتيم على هذه الحادثة، لينسى الناس ما حصل لأهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء، ومن أجل ذلك كانوا يعلنون ذلك اليوم عيدًا ويوم فرح وسرور.

وينقل أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية، «فأما بنو أمية، فقد لبسوا فيه ما تجدد، وتزيّنوا، واكتحلوا، وعيّدوا، وأقاموا الولائم والضيافات، وأطعموا الحلاوات والطيبات، وجرى الرسم في العامة على ذلك أيام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم (8).

كما يشير ابن تيمية، فيقول: «... وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة، المقابلة للرافضة»، وأضاف ابن تيمية، «... وقد وُضِعَت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه، من الاغتسال والاكتحال إلخ...» وقال: «... وأحدث فيه بعض الناس أشياء، مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها، مثل: فضل الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة» (9) وقال العيني في كتابه عمدة القاري: ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح ومن ذلك من اكتحل بالأثمد وهو حديث موضوع وضعه قتلة الحسين (10).

عاشوراء كواقعة من أهم الأحداث التي وقعت في تاريخ الأمة الإسلامية وتمثّل لنا عظمة الموقف المبدئي الذي وقفه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه رضي الله عنهم، إذ كانوا قلّة قليلة، ولكنهم ضربوا أروع الأمثلة في الصمود والثبات، والالتزام بالقيم، والدفاع عن المبادئ، والاعتراض على الظلم والفساد والانحراف.

ونحن حينما نتذكّر عاشوراء إنما نتذكّر هذه المواقف العظيمة السامية الرائعة.

وبشاعة الظلم الذي وقع على أهل البيت (عليهم السلام) وانتهاك حرمات الله في ذلك اليوم.

فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن رجلاً عاديًّا، وإنما له شخصيته ومكانته وموقعيته التي لا يجهلها أحد من المسلمين.

كما أنه لم يمضِ وقت طويل على وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، الذي كان المسلمون يسمعون منه ويرون مواقفه التي يعبّر فيها (صلى الله عليه واله وسلم) عن حبّه للحسين وانشداده له.

لقد قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) على مرأى من الصحابة ومسمع منهم: «إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا» (11)، عن ابن عباس قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا) (12).

وفي موضع آخر سمعوا قوله (صلى الله عليه واله وسلم): «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما» (13).

وروى عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر وهو حامل حسن أو حسين فتقدم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها قال إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وهو ساجد فرجعت في سجودي فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الصلاة قال الناس يا رسول الله انك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا انه قد حدث أمر أو انه يوحى إليك قال كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى» (14)...

لذلك لا يمكن عَدّ ما حصل يوم العاشر من المحرّم من انتهاك للحرمات حدثًا عاديًّا، بل يجب التأمّل فيه جيدًا، والوقوف عند محطّات هذه الحادثة للاستفادة من أحداثها والدروس العظيمة التي تجلّت فيها.

فقد كانت هناك مصاديق نهضة الامام الحسين (عليه السلام):ـ

كونوا احراراً في دنياكم" صرخة الامام الحسين (عليه السلام) في صمت المجتمع العربي والاسلامي المذل.

أن معاوية في تنصيبه لابنه يزيد من بعده للخلافة قد نقض عهده المبرم في صلحه مع الإمام الحسن (عليه السلام).

وبذلك أصبح الإمام الحسين (عليه السلام) أمام أمر مستحدث يقتضي منه موقفاً يتناسب وما تمليه مصلحة الإسلام العُليا.

إن تنصيب يزيد من قبل أبيه معاوية خليفة للمسلمين أصبح أكبر قضية تُهدِّد أساس العقيدة الإسلامية، وذلك من خلال الانحراف الخطير الذي سيطرأ على مسألة الحكم الإسلامي وخلافة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

وقضية الحرية هي مسألة ذات تأصيل فقهي وعقائدي في الاسلام، وتكاد تعادل في اهميتها قضية التوحيد، ومنذ فجر الدعوة الاسلامية ظهر جلياً ان علاقة تكاملية تربط بين مسألتي التوحيد والحرية، لأن الاسلام بتأكيده على التوحيد انما الغى وبشكل تلقائي تعدد الالهة، اصناماً من طين كانت، ام بشراً، ام قيماً وعادات، لذا قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): اخرجوا من ذل عبادة الناس الى عز عبادة الاله الواحد.

وإنّ لقتل الإمام الحسين (عليه السلام) حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً، فعلى مثل سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) فليبكِ الباكون، وليندب النادبون، وليلطم اللاطمون، وليدمي أبدانَهم المؤمنون.

في مشربة عائشة قال جبرائيل للنبي (صلى الله عليه واله وسلم): سيقتل الحسين وستقتله أمتك، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): أمّتي؟! قال نعم، وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها، فأشار جبرائيل بيده إلى الطف بالعراق فأخذ منه تربة حمراء فأراه إياها. (15).

... فلما ذهب جبرئيل من عند رسول الله والتربة في يده يبكي، قال: يا عائشة إنّ جبرائيل أخبرني أن الحسين ابني مقتول في أرض الطفّ وأنّ أمتي ستفتتن بعدي، ثمّ خرج إلى أصحابه... وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبرائيل أنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطفّ وجاءني بهذه التربة وأخبرني أنّ فيها مضجعه. (16).

مواقف كثيرة من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بكى فيها على الحسين الشهيد وأقام المأتم، في داره (صلى الله عليه واله وسلم)، وفي بيت أمّ المؤمنين أمّ سلمة، وعائشة، وزينب بنت جحش، وفي دار الإمام عليّ (عليه السلام)، وفي مجمع من الصحابة. (17).

عن أم سلمة قالت: كان النبي (صلى الله عليه واله وسلم) جالسا ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخلن علي أحد فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج النبي (صلى الله عليه واله وسلم) يبكي، فاطلعت فإذا الحسين في حجره أو إلى جنبه يمسح رأسه وهو يبكي.

فقلت: والله ما علمت به حتى دخل.

قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أن جبرائيل كان معنا في البيت فقال: أتحبه؟ فقلت: أما من حب الدنيا نعم، فقال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلا.

فتناول من ترابها فأراه النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، فلما أحيط بالحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: أرض كربلا، قال: صدق رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أرض كرب وبلاء...) (18).

ومن إنذاره (صلى الله عليه واله وسلم) ما رواه عروة عن عائشة قال: دخل الحسين بن علي (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يوحي إليه، فبرك على ظهره وهو منكب ولعب على ظهره، فقال جبرائيل: يا محمد، إن أمتك ستفتن بعدك ويقتل ابنك هذا من بعدك، ومد يده فأتاه بتربة بيضاء وقال: في هذه الأرض يقتل ابنك اسمها الطف (19).

فلما ذهب جبرائيل خرج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) إلى أصحابه والتربة في يده، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي، فقالوا ما يبكيك يا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)؟ فقال: أخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه.

عن عبد الله بن نجي عن أبيه (إنه سار مع علي (عليه السلام) وكان صاحب مطهرته (أي الإناء الذي يتطهر به ويتوضأ منه) فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي (عليه السلام) أصبر أبا عبد الله، أصبر أبا عبد الله بشط الفرات قلت: وما ذاك؟ قال، دخلت على النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت، يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبرائيل قبل أمد فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال فقال: هل لك إلى أن أشمك من تربته؟ قال: قلت نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا...) (20).

روى الصدوق في الأمالي بسند عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خروجه إلى صفين، فلما نزل نينوى وهي بشط الفرات قال بأعلى صوته: يا ابن عباس أتعرف هذا الموضوع؟ قلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي، قال: فبكى كثيراً حتى خضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معه وهو يقول: آه آه، مالي ولآل أبي سفيان، صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم...) (21).

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة......لـكنما عيني لأجلك باكية

(أن علياً مر بقبر الحسين فقال: هاهنا مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم فتية من آل محمد يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض...) (22).

وعند ذكر اجتماع محمد بن الحنفية أخ الإمام الحسين (عليه السلام) في المدينة به قبيل مغادرة الإمام لها، ونصيحة محمد للحسين بأن يخرج إلى مكة فإن اطمأن إلى أهلها وإلا فإلى اليمين، وإلا اللحاق بالرمال وشعوب الجبال، هربا ًمن تعقيب يزيد وزمرته الأمويين له، قال الحسين يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ـ فقطع محمد بن الحنفية عليه الكلام وبكى فبكى الحسين (عليه السلام) معه ساعة ثم قال: يا أخي، جزاك الله خيراً، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة...) (23).

لم نعاصر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولكن قد قرأنا وسمعنا... فكيف نكون أوفياء لرسول الله محمد (صلى الله عليه واله وسلم).

ولابد من أن لانقطع الصلة بالنبي الاكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم).

والبكاء على الحسين (عليه السلام) صلة للرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم).

وقد ورد في الروايات أن الباكي قد أدى حقنا.

وأن الزهراء البتول تبكي على الحسين (عليه السلام) كل يوم. فهنيئا لمن واسى مولاتنا السيده فاطمة الزهراء (عليه السلام).

فدمعاتكم أخواني نصرا للحسين (عليه السلام).

أحبتي الحسينيون أن عيونكم من أحب العيون عند الله عزوجل... ويوم القيامة تلك العيون الضاحكة المستبشرة، فعن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أنه قال: كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين، فإنها ضاحكة مستبشرة.

فالملائكة تمس تلك الدموع ويأخذونها، تلك الدموع لوسقطت قطره منها على جهنم لأطفأت حرها.

أنها تدفع إلى خزنة الجنان فيمزجونها بماء الحيوان الذي هو من الجنة فيزيد في عذوبته ألف ضعف... فهذه هي الدمعه على الحسين (عليه السلام).

قال الرضا (عليه السلام):"يا بن شبيب!.. إن كنت باكيا لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، فوجدوه قد قُتل، فهم عند قبره شعثٌ غبْرٌ إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم:

يا لثارات الحسين...

يا بن شبيب!... لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: أنه لما قُتل جدّي الحسين أمطرت السماء دما وترابا أحمر.

يا بن شبيب!... إن بكيتَ على الحسين حتى تصير دموعك على خديك، غفر الله لك كل ذنب أذنبته صغيرا كان أو كبيرا، قليلا كان أو كثيرا...

يا بن شبيب!... إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك فزر الحسين "ع"

يا بن شبيب!... إن سرّك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فالعن قَتَلة الحسين.

يا بن شبيب!... إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثلُ ما لمن استشهد مع الحسين، فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.

يا بن شبيب!... إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلا تولّى حجراً لحشره الله معه يوم القيامة.

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي (عليه السلام) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله، عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل له: ومن ذكر الحسين (عليه السلام) عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عز وجل، ولم يرض له بدون الجنة.

وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسين فقال: يا عبرة كل مؤمن، فقال: أنا يا أبتاه، قال: نعم يا بني.

مات معاوية بن أبي سفيان (عليه لعائن الله) في النصف من رجب سنة 59 أو 60 من الهجرة، فأستلم اللعين يزيد مسند الخلافة.

ورغم عدم وجود مؤهّلات الخلافة في يزيد ادّعى أنه خليفة رسول الله والقائم مقامه.

وكان يحمل عقيدة الإلحاد والزندقة كما صرّح بذلك يوم فقال:

لَعِبَتْ هاشمُ بالملك فلا......خَبَر جاء ولا وحي نزلْ

ويزيد مستخدم الموبقات كان يرتكبها من الخمور والفجور واللعب بالكلاب والقردة، والاستهتار بجميع معنى الكلمة أضافه الى نسبه المهتوك وحسبه الدنيء.

فلم يكن ليزيد أيُّ تحرج عن هتك حرمات الله جلَّ وعلا فقد ذكر المؤرخون انَّ يزيد كان مستهتراً يميل الى الطرب ويتعاطى الخمر ويلعب مع القرود والفهود (24).

وارسل يزيد خبرا بموت معاوية الى ابن عمه والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ويأمره بأخذ البيعة من أهل المدينة عامّة ومن الحسين بن علي خاصّة.

وقرأ الوليد كتاب يزيد على الامام الحسين (عليه السلام)! فأجاب الامام الحسين (عليه السلام) الوليد:ـ: أيها الوليد: إنّك تعلم انا أهلُ بيتٍ بنا فَتَح الله وبنا يَختم، ومِثْلي لا يبايع ليزيد شارب الخمور وراكب الفجور وقاتل النفس المحترمة.

وخرج الإمام الحسين من المدينة قاصدا مكّة، فجعل أهل العراق يكاتبونه ويراسلونه ويطلبون منه التوجّه إلى العراق ليبايعوه بالخلافة، فإنه ابن رسول الله وسبطه، والمنصوص عليه بالإمامة عل لسان جدّه المصطفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقوله: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا).

إلى أن وصل الى الامام الحسين (عليه السلام) إثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق وكلّها مضمون واحد، كتبوا إليه: قد أينعتِ الثمار واخضرّ الجناب، وإنما تقدم على جندٍ لك مجنّدة، إن لك في الكوفة مائة ألف سيف، إذا لم تقدم إلينا فإنا نخاصمك غداً بين يدي الله.

فأرسل الامام الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل إلى الكوفة، فلمّا دخل الكوفة اجتمع الناس حوله وبايعوه لأنه سفير الحسين وداعيته فبايعه ثمانية عشر ألفاً.

فلما علم يزيد ببيعة الناس الى مسلم بن عقيل (رضي الله عنه) أرسل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فدخل ابن زياد الكوفة وأرسل إلى رؤساء العشائر والقبائل يُهدّدهم بجيش الشام ويطمعهم.

فحينها أخذ يتفرّقون عن مسلم شيئاً فشيئاً، إلى أن بقي مسلم وحيداً، فأضافته امرأة تسمى طوعه (رضي الله عنه) فطوّقوا الدار التي كان فيها، وخرج مسلم، وقتل مسلم منهم مقتلة عظيمة، وألقي عليه القبض يوضربوا عنقه، وكانوا يسحبونه في الأسواق والحبل في رجليه.

وقد خرج الامام الحسين (عليه السلام) من مكة متجه الى العراق يوم الثامن من ذي الحجة، ومنعه أصحابه وأحدهم عبد الله بن العباس (حَبْر الأمّة) فقال الامام الحسين (عليه السلام) له: يابن عباس: إن رسول الله أمرني بأمرٍ أنا ماضٍ فيه.

وقد خرج الامام الحسين (عليه السلام) من مكة متجه الى العراق يوم الثامن من ذي الحجة، ومنعه أصحابه وأحدهم عبد الله بن العباس (حَبْر الأمّة) فقال الامام الحسين (عليه السلام) له: يابن عباس: إن رسول الله أمرني بأمرٍ أنا ماضٍ فيه.

فقال: بماذا أمرك جدّك؟

فقال الامام الحسين (عليه السلام): أتاني جدّي في المنام وقال: يا حسين أخرج إلى العراق فإن الله شاء أن يراك قتيلا.

فقال ابن عباس: إذن فما معنى حملُك هؤلاء النساء معك؟ فقال الامام الحسين (عليه السلام): هنّ ودائع رسول الله ولا آمنُ عليهنّ أحدا، وهنّ أيضاً لا يُفارقنني.

وخرج الامام الحسين (عليه السلام) قاصداً الكوفة، وفي أثناء الطريق التقى به سريّة من الجيش تتكوّن من ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي، وأرادوا إلقاء القبض على الامام الحسين (عليه السلام) وإدخاله الكوفة على ابن زياد، إلا أن الامام الحسين (عليه السلام) امتنع من الانقياد لهم، فتمّ القرار على أن يسلك الامام الحسين (عليه السلام) طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة، فوصل إلى ارض كربلاء فنزل فيها.

فخطب ابن زياد في الكوفة وقال: من يأتيني براس الحسين فله الجائزة العظمى، وأعطه ولاية ملك الرّي عشر سنوات، فقام عمر بن سعد بن أبي وقاص وقال: أنا.

فعقد له رايةً في أربعة آلاف رجل، وعندما اصبح الصباح، وأولُ راية سارتْ نحو كربلاء راية عمر بن سعد، ولم تزل الرايات تترى حتى تكاملوا في اليوم التاسع من المحرم ثلاثين ألفاً أو خمسين ألفاً أو أكثر من ذلك.

وحالوا بين الحسين وأهل بيته وبين ماء الفرات من اليوم السابع من المحرم، ولما كان اليوم التاسع اشتدّ بهم العطش، واشتدّ الأمر بالأطفال الرضّع.

قالت السيدة سكينة بنت الامام الحسين (عليه السلام): عزّ ماؤنا ليلة التاسع من المحرّم فجفّت الأواني ويبست الشفاه حتى صرنا نتوقّع الجرعة من الماء فلم نجدها، فقلت في نفسي أمضي إلى عمّتي زينب لعلّها ادّخرت لنا شيئاً من الماء، فمضيتُ إلى خيمتها فرأيتها جالسة وفي حجرها أخي عبد الله الرضيع وهو يلوك بلسانه من شدّة العطش وهي تارة تقوم وتارة تقعد، فخفقتني العبرة فلزمتُ السكوت، فقالت عمتي: ما يُبكيك؟ قالت: حال أخي الرضيع أبكاني، ثم قلت: عمتاه قومي لنمضي إلى خيم عمومتي لعلّهم ادّخروا شيئاً من الماء، فمضينا واخترقنا الخيم بأجمعها فلم نجد عندهم شيئاً من الماء، فرجعت عمّتي إلى خيمتها فتبعتها وتبعنا من نحو عشرين صبياً وصبيّة، وهم يطلبون منها الماء وينادون: العطش... العطش.

وكانت آخر راية وصلت إلى كربلاء راية شمر بن ذي الجوشن (لعنة الله عليه) في ستة آلاف مساء يوم التاسع، ومعه كتاب من ابن زياد إلى ابن سعد، فيه: فإن نزل الامام الحسين (عليه السلام) وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم، فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره... إلى آخره.

وعند المساء بعد العصر زحف الجيش نحو خيام الامام الحسين (عليه السلام)... واقترب من خيمة أمامنا الحسين (عليه السلام) والامام جالس أمام خيمته، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت الصيحة أخته زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (سلام الله عليهم) فادنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الامام الحسين (عليه السلام) رأسه وقال: أخيّة: أتى رسول الله الساعة في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا.

فلطمتْ أخته وجهها وصاحت: واويلاه، فقال لها الامام الحسين (عليه السلام): ليس الويل لك يا أخيّة، ولا تُشمتي القوم بنا، اسكتي رحمك الله. فقال له العباس بن عليّ: يا أخي قد أتاك القوم فانهض.

فنهض ثم قال: يا عباس اركب ـ بنفسي أنت ـ يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم وما بدا لكم؟ وما تريدون؟

فأتاهم مولانا ابا الفضل العباس في نحو عشرين فارساً، فقال لهم مولاي العباس: ما بدا لكم وما تريدون؟

قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم.

فعاد قمر بني هاشم الى أخيه يخبره بما قاله القوم الفاسقين، فقال الامام الحسين (عليه السلام): ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غد، وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نُصلّي لربّنا الليلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه.

فمضى العباس إلى القوم وسألهم ذلك، فأبوا أن يمهلوهم، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: ويلكم والله لو أنهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمد؟!

وبات الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأهل بيته ليلة عاشوراء، ولهم دويٌّ كدويّ النحل، ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.

وجمع الحسين اصحابه وقام فيهم خطيباً

وقال: أما بعد:

فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً، فلقد بررتم وعاونتم، ألا: وإني لا أظن يوماً لنا من هؤلاء الأعداء إلا غداً، ألا: وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ من بيعتي ليس عليكم مني حرج ولا ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري.

فقال له اخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر:و لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، وتكلّم اخوته وجميع أهل بيته فقالوا: يابن رسول الله: فما يقول لنا الناس وماذا نقول لهم؟ نقول: إنا تركنا شيخنا وكبيرنا وابن بنت نبيّنا لم نرم معه بسهم، ولم نطعن معه برمح، ولم نضرب معه بسيف لا والله يابن رسول الله لا نفارقك أبداً، ولكن نقيك بأنفسنا حتى نقتل بين يديك ونرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

ثم قام مسلم بن عوسجة وقال: نحن نخلّيك هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدو؟! لا والله لا يراني الله وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن لي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ولا أفارقك حتى أموت معك.

وقام سعد بن عبد الله الحنفي فقال: لا والله يابن رسول الله لا نخلّيك أبداً حتى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمد، ولو علمت أني أقتل فيك ثم أحيى، ثم أحرق احياً، ثم أذرى ويفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟ ثم قام زهير بن القين فقال: والله يابن رسول الله لوددت أني قتلت ثمّ نشرت ألف مرة وإن الله قد دفع القتل عنك وعن هؤلاء الفتية من اخوتك وولدك وأهل بيتك.

وقام الأصحاب وتكلّموا بما تكلّموا، فلما رأى الحسين ذلك منهم قال لهم: إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى منازلكم.

فكشف لهم الغطاء ـ بإذن الله ـ ورأوا منازلهم وحورهم وقصورهم، فقال لهم الامام الحسين (عليه السلام): يا قوم إني غداً أقتل وتقتلون كلكم معي، ولا يبقى منكم واحد.

فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أو لا ترضى أن نكون في درجتك يابن رسول الله؟

فقال: جزاكم الله خيراً.

فقال له القاسم بن الإمام الحسن المجتبى: وأنا في يمن يُقتل؟ فاشفق عليه الامام الحسين (عليه السلام) وقال: يا بني كيف الموت عندك؟

قال: يا عمّ فيك أحلى من العسل.

فقال الامام الحسين (عليه السلام): إي والله ـ فداك عمّك ـ إنك لأحدُ من يقتل من الرجال معي، بعد أن تبلوا بلاءً حسناً، ويقتل ابني عبد الله.

فقال: يا عمّ ويصلون إلى النساء حتى يقتل وهو رضيع؟

فقال الامام الحسين (عليه السلام): أحمله لأدنيه من فمي فيرميه فاسق فينحره.

ثم قال الامام الحسين (عليه السلام): ألا ومن كان في رَحْلهِ امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد.

فقام علي بن مظاهر وقال: لماذا يا سيدي؟

فقال: إنّ نسائي تُسبى بعد قتلي، وأخاف على نسائكم من السبي، فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته فقامت زوجته واستقبلته وتبسّمت في وجهه، فقال لها: دَعيني والتبسّم فقالت: يابن مظاهر إني سمعتُ غريب فاطمة طب فيكم خطبة وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة فما علمتُ ما يقول؟

قال: يا هذه إن الحسين قال لنا: ألا ومن كان في رحله امرأة فليذهب بها إلى بني أسد، لأني غداً اقتل ونسائي تسبى.

فقالت: وما أنت صانع؟

قال: قومي حتى ألحقك ببني عمّك.

فقامت ونطحت رأسها بعمود الخيمة وقالت: والله ما أنصفتني يابن مظاهر أيسرّك أن تسبى بنات رسول الله وأنا آمنة من السبي؟ أيسرّك أن يبيّض وجهك عند رسول الله ويسوّد وجهي عند فاطمة الزهراء؟ والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء.

فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين وهو يبكي فقال الحسين: ما يبكيك؟ قال: يا سيدي أبتِ الأسدية إلا مواساتكم، فبكى الحسين وقال: جُزيتم منّا خيراً.

عندما أصبح الصباح من يوم عاشوراء نادى الامام الحسين (عليه السلام) أصحابه وامرهم بالصلاة، فتيمّموا بدلاً عن الوضوء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ثم قال: (اللهم أنت ثقتي في كلّ كربٍ وأنت رجائي في كل شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من كربٍ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمّن سواك، ففرّجته عنّي، وكشفته، فأنت وليّ كلّ نعمة؛ وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة).

ثم نظر إلى أصحابه وقال: (إن الله قد أذن في قتلكم وقتلي؛ وكلّكم تقتلون في هذا اليوم إلا ولدي علي بن الحسين (أي زين العابدين) فاتقوا الله واصبروا).

واصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وخرج بالناس، وجع على ميمنة العسكر عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى المسيرة شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، وأعطى الراية دُريداً غلامه.

ودعى امامنا الحسين (عليه السلام) بفرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المترجزْ، وعبّأ أصحابه، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في المسيرة، وأعطى رايته أخاه العباس، وجعلوا البيوت والخيم في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب أن يترك في خندق عملوه في ساعة من الليل، وأشعلوا فيه النار مخافة أن يأتيهم العدو من ورائهم، وجعلوا جبهة القتال جهةً واحدة، فغضب الأعداء بأجمعهم، فنادى شمر بأعلى صوته: يا حسين أتعجّلت النار قبل يوم القيامة؟

فقال الامام الحسين (عليه السلام): من هذا، كأنه شمر؟

فقالوا: نعم.

فقال: يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا.

وأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الامام الحسين (عليه السلام)، وقال: أكره أن أبدأهم بالقتال.

ثم تقدّم الامام الحسين (عليه السلام) نحو القوم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير الهمداني، فقال له الامام الحسين (عليه السلام): كلّم القوم.

فتقدّم برير وقال: يا قوم اتقوا الله فإن ثِقل محمد (صلّى الله عليه وآله) قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمهن فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه؟

فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم.

فقال برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم يا اهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟! ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيّكم وحلأتموهم عن ماء الفرات؟! بئس ما خلّفتم نبيكم في عترته، مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.

فقال نفر منهم: ما ندري ما تقول.

فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرءُ إليك من فعال القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان.

فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه، فتقدّم الامام الحسين (عليه السلام) نحو القوم، ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل العراق ـ وكلهم يسمعون ـ فقال: (أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ، وحتى أعذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك سعداء وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمّة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، إنّ وليّي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

ثم حمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله، وصلى على النبي وآله وعلى الملائكة والأنبياء، فلم يسمع متكلّم قط قبله ولا بعده أبلغ منه في المنطق.

ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟

الستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأول مصدّق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربّه؟

أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟

أو ليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمّي؟

أو لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة).

فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدتُ كذبً منذ علمتُ أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذّبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي... أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ يا قوم فإن كنتم في شكٍ من ذلك، أفتشكّون أني ابن بنت نبيّكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم! أتطالبوني بقتيل منكم قتله أو مالٍ استملكته، أو بقصاص من جراح؟

فأخذوا لا يكلّمونه، ونادى بأعلى صوته فقال: أنشدكم الله هل تعرفونني؟

قالوا: نعم أنت ابن رسول الله وسبطه.

فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدي رسول الله؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت رسول الله؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم هل تعلمون أن جدّتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله أنا متقلّده؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن علياً كان أول القوم إسلاماً وأعلمهم عِلماً وأعظمهم حلما، وانه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: فبم تستحلّون دمي وأبي الذائدُ عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواءُ الحمد في يد أبي يوم القيامة؟!

قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشانا).

فلما خطب بهذه الخطبة وسمعت بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن خدودهن، وارتفعت أصواتهن، فوجّه إليهن أخاه العباس وابنه عليّاً، وقال لهما: أسكتاهنّ فلعمري ليكثرن بكاؤهن.

وذكر السيد ابن طاووس خطبةً أخرى الامام للحسين (عليه السلام) قال: فركب الامام الحسين (عليه السلام) ناقته، وقيل: فرسه، فاستنصتهم فأنصتوا، وفي رواية: فأبوا أن يُنصتوا حتى قال: ويلكم ما عليكم أن لا تنصتوا لي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين، وكلّكم عاصٍ لأمري غير مستمعٍ قولي فقد مُلئتْ بطونكم من الحرام وطُبعَ على قلوبكم، ويلكم! ألا تنصفون؟ ألا تسمعون؟ ألا تنصتون؟ فتلاوم القوم وقالوا أنصتوا له فأنصتوا.

فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله، وصلّى على محمد وآله وعلى الملائكة والأنبياء والرسل، وابلغ في المقال ثم قال:

(تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحا حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، فهلاّ لكم الويلات؟ تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن، والرأي لما يستحصف ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، فسُحقا لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلم، وعصبة الآثام، ونفثة الشيطان ومطفئ السنن.

أهؤلاء تعضدون؟ وعنّا تتخاذلون؟ أجل والله غدرٌ فيكم قديم، وشجت إليه أصولكم، وتأرّزت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجا للناظر وأكلة للغاصب، إلا وإن الدعيّ بن الدعيّ قد ركّز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله، وحجور طابت وجدودٌ طهرت، وأنوفُ حميّة ونفوسٌ أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر، ثم قال:

فـإن نهزم فهزّامون قدماً......وإن نُـغلبْ فـغَير مُغَلّبينا

ومـا إن طـبّنا جبنٌ ولكن......مـنايانا ودولـة آخـرينا

إذا ما الموت رفّع عن اناس......كـلا كـله أنـاخ بآخرينا

فـأفنى ذلكم سرواة قومي......كـما أفنى القرون الأوّلينا

فـلو خلد الملوك إذن خلدنا......ولـو بقي الكرام إذن بقينا

فـقل لـلشامتين بنا أفيقوا......سيلقى الشامتون كما لقينا

ثم أيم الله لا تلبثون بعده إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور، عهدٌ عهده إليّ أبي عن جدّي، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون إني توكّلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم.

اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسنّي يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كاساً مصبرة، فإنهم كذبونا وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكّلنا واليك أنبنا واليك المصير).

وخطب فيهم خطبة أخرى، وأتمّ عليهم الحجّة فما أفاد فيهم الكلام ثم أناخ راحلته، ودعى بفرس رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) المرتجز فركبه، فعند ذلك تقدّم عمر بن سعد وقال: يا دريد أدن رايتك ثم أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس وقال: اشهدوا لي عند الأمير فأنا أول من رمى الحسين، فأقبلت السهام من القوم كأنها شآبيب المطر، فقال الحسين لأصحابه: قوموا رحمكم الله فإن هذه السهام رسل القوم إليكم.

فاقتتلوا ساعة من النهار حملةً وحملةً، فلما انجلت الغبرة وإذا بخمسين من أصحاب الحسين صرعى، فعند ذلك ضرب الحسين بيده على لحيته الكريمة وقال: (اشتدّ غضبُ الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتى ألقى الله وأن مخضّب بدمي).

ثم جعل أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) يبرزون واحداً بعد واحد، وكل من أراد منهم الخروج ودّع الامام الحسين وقال السلام عليك يا أبا عبد الله.

فيجيبه الامام الحسين (عليه السلام): وعليك السلام ونحن خلفك، ثم يتلو: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).

ولا يبرز منهم رجلٌ حتى يقتل خلقاً كثيراً من أهل الكوفة، فضيّقوا المجال على الأعداء حتى قال رجل من أهل الكوفة يصفهم:

ثارت علينا عصابةُ أيديها على مقابض سيوفها، كالأسود الضارية تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها بين الورود على حياض المنية، والاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها).

ونعم ما قيل في حقّهم:

قـومٌ إذا نـودوا لـدفع مـلمّةٍ......والـخيل بـين مدَعّسٍ ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا......يـتهافتون عـلى ذهاب الأنفس

وأقبل الحرّ بن يزيد الرياحي إلى عمر بن سعد وقال: يا عمر أمقاتل أنت هذا الرجل؟

قال: إي والله قتالاً أيسرهُ أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي.

فقال الحر: أفمالكم فيما عرضه عليكم رضى؟

قال عمر: أما لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك أبى.

فاقبل الحرّ حتى وقف موقفاً من الناس، فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد أن تصنع؟ أتريد أن تحمل عليه؟

فلم يجيبه الحر، وأخذه مثل الإفكل وهي الرعدة، فقال له المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟!

فقال الحر: إني والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قُطّعتُ وحُرّقت.

ثم ضرب فرسه قاصداً نحو الامام الحسين (عليه السلام) ويده على رأسه وهو يقول: اللهم إليك أنبتُ فتُبْ عليّ، فقد أرعبتُ قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك، فلما دنى من الامام الحسين (عليه السلام) قال له: من أنت؟ قال: جعلني الله فداك أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعتُ بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون بك هذه المنزلة، وأنا تائبٌ إلى الله ممّا صنعتُ، فترى لي من ذلك توبة؟ قال: نعم يتوب الله عليك فانزل.

قال: أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول يصير آخر أمري، فقال له الحسين: فاصنع رحمك الله ما بدا لك.

فاستقدم الامام الحسين (عليه السلام) فقال: (يا أهل الكوفة لأّمكم الهُبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجّه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالأسير المرتهن لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً، وحلأتموه ونساءه وصبيته عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ به خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلّفتم محمداً في ذريّته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر).

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الامام الحسين (عليه السلام) واستأذن قائلاً: يابن رسول الله كنت أول خارجٍ عليك، فأذن لي لأكون أول قتيلٍ بين يديك، وأول من يصافح جدّك غداً، فأذن له الامام الحسين (عليه السلام) فبرز مرتجزاً:

إنـيّ أنا الحرّ ومأوى الضيف......أضـرب فـي أعناقكم بالسيف

عن خير من حلّ بأرض الخيف......أضـربكم ولا أرى مـن حيف

وحمل عليهم وقتل منهم نيفاً وأربعين رجلاً، فعقروا فرسه فجعل يقاتلهم راجلاً، ثم شدّت عليه عصابة فقتلوه، فلما صرع وقف عليه الحسين ودمه يشخب، فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه وهو يقول: بخٍ بخٍ يا حر، أنت الحر كما سمّتك أمك، وقضى نحبه وحملته عشيرته ودفنته.

وبرز برير بن خضير الهمداني بعد الحر، وكان من عباد الله الصالحين فجعل يحمل عليهم ويقولك (اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول الله وذريته الباقين)، حتى قتل منهم ثلاثين رجلاً فخرج إليه يزيد بن المغفّل أو معقل، وقرّرا المباهلة إلى الله في أن يقتل المحقّ منهما المبطل، فقتله برير، ثم حمل عليه القوم وقتلوه عليه رحمات الله وبركاته.

ثم برز مسلم بن عوسجة وجعل يقاتلهم قتالاً شديداً، وبالغ في قتال الأعداء وصبر على أهوال البلاء، حتى سقط صريعاً فمشى إليه الامام الحسين (عليه السلام) ومعه حبيب بن مظاهر وبه رمق من الحياة، فقال له الامام الحسين (عليه السلام): رحمك الله يا مسلم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً، ثم دن منه حبيب ابن مظاهر وقال: يعزّ والله عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة، فقال مسلم ـ بصوت ضعيف ـ: بشّرك الله بالخير، فقال حبيب: لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمّك، فقال مسلم: أوصيك بهذا (وأشار إلى الامام الحسين (عليه السلام)) قاتل دونه حتى تموت.

فقال حبيب لأنعمنّك عينا.

نـصروك أحياءً وعند مماتهم......يوصي بنصرتك الشفيق شفيقا

أوصى ابن عوسجةٍ حبيباً قال......قـاتل دونه حتى الحِمام تذوقا

ونادى أصحاب عمر بن سعد ـ مستبشرين ـ: قد قتلنا مسلم بن عوسجة، فصاحت جارية له وا سيّداه، يابن عوسجتاه.

فلما سمع ابنه ذلك دخل عند إمّه وهو يبكي فقالت: ما يبكيك؟ قال: أريد الجهاد، فقامت أمّه وشدّت سيفاً في وسطه وقالت: أبرز يا بني فإنك تجد رمحاً مطروحاً بين أطناب المخيّم.

فخرج وأراد حمل الرمح فلم يتمكّن، وجعل يسحبه على الأرض سحباً، فبصر به الامام الحسين (عليه السلام) فقال: إن هذا الشاب قد قتل أبوه في المعركة وأخاف أمّه تكره برازه فقال الغلام: يا سيدي إنّ أمي ألبستني لامة حربي فبرزَ مرتجزاً:

أمـيري حسين ونعم الأمير......سـرور فؤاد البشير النذير

عـلـيّ وفـاطمة والـداه......فـهل تعلمون له من نظير

له طلعة مثل شمس الضحى......لـه غـرّةٌ مـثل بدرٍ منير

فقاتل حتى قتل فاحتزوا رأسه، ورموا بالرأس نحو معسكر الامام الحسين (عليه السلام)، فأخذت أمه رأسه وقالت: أحسنت يا بني يا سرور قلبي يا قرّة عيني، ثم رمت براس ولدها وأخذت عمود الخيمة وحملت عليهم وهي تقول:

أنا عجوز سيدي ضعيفة......خـاوية بـالية نـحيفة

أضـربكم بضربةٍ عنيفة......دون بني فاطمة الشريفة

فأمر الحسين بصرفها ودعا لها.

ثم برز وهب بن عبد الله الكلبي، وكان نصرانياً ومعه أمه وزوجته فأسلموا على يد الحسين في أثناء الطريق ورافقوه إلى كربلاء، فأقبلت أمه وقالت: يا بني قٌم وانصُر ابن بنت رسول الله.

فقال: أفعل يا أماه ولا أقصّر، فبرز وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن الكلبي......سوف تروني وترون ضربي

وسطوتي وجولتي في الحرب

فقتل جماعة منهم، ثمّ رجع إلى أمّه وقال: يا أماه ارضيِ عنّي؟

فقالت: ما رضيتُ حتى تقتل بين يدي الامام الحسين (عليه السلام)، فقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني في نفسك، فقالت أمه: أعزب عنها ولا تقبل قولها، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.

فرجع فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً وعشرين راجلاً، ثم قطعت أصابع يده، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله، فاقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود أو أموت معك، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن تحرّضينني؟ قالت: يا وهب لقد عفتُ الحياة منذ سمعت نداء الامام الحسين (عليه السلام) ينادي وا غربتاه وا قلّة ناصراه، أما من ذابّ يذبّ عنّا؟ أما من مجير يجيرنا؟

ثم استعان وهب بالحسين وقال سيدي ردّها، فقال الامام الحسين(عليه السلام): جزيتم عن أهل بيت خيراً، إرجعي إلى النساء يرحمك الله، فانصرفت، وقتل وهب ورموا برأسه إلى عسكر الامام الحسين (عليه السلام)، فأخذت أمّه الرأس فقبّلته وجعلت تمسح الدم من وجهه وهي تقول: الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك ـ يا ولدي ـ بين يدي أبي عبد الله الحسين.

ثم رمت بالرأس وأخذت عمود الخيمة فقال لها الحسين: ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

فذهبت امرأته تمسح الدم والتراب عن وجهه وهي تقول: هنيئاً لك الجنّة.

فبصر بها شمرٌ فأمر غلامه فضربها بعمود فقتلها، هي أول امرأة قتلت في معسكر الامام الحسين (عليه السلام).

ولم يزالوا كذلك حتى دخل وقت الظهر، فجاء أبو تمامة الصيداوي وقال: يا أبا عبد الله أنفسنا لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك... وأحبّ أن ألقى الله عزّ وجلّ وقد صلّيت هذه الصلاة معك.

فرفع الامام الحسين (عليه السلام) رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، ثم قال (عليه السلام): سلوا هؤلاء القوم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي، فأذّن الحسين بنفسه، وقيل: أمر مؤذّنه ليؤذّن، ثم قال الامام الحسين (عليه السلام): ويلك يابن سعد أنسيت شرائع الإسلام؟ اقصر عن الحرب حتى نصلّي وتصلّي بأصحابك ونعود إلى ما نحن عليه من الحرب، فاستحى ابن سعد أن يجيبه، فناداه الحصين ابن نمير ـ عليه اللعنة ـ قائلاً: صلّ يا حسين ما بدا لك فإن الله لا يقبل صلاتك.

فأجابه حبيب بن مظاهر: ثكلتك أمك، ابن رسول الله صلاته لا تقبل وصلاتك تقبل يا خمّار؟!

فقال الامام الحسين (عليه السلام) لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدّما أمامي حتى أصلّي الظهر. فتقدّما أمامه في نحو نصفٍ من أصحابه حتى صلّى بهم صلاة الخوف، وسعيد تقدّم أمام الحسين فاستهدف لهم فجعلوا يرمونه بالنبال كلّما أخذ الحسين يميناً وشمالاً قام بين يديه فما زال يرمى إليه حتى سقط على الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عادٍ وثمود، اللهم أبلغ نبيّك عني السلام.

وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنني أردت بذلك نصرة ذرّية نبيّك ثم مات رحمه الله.

وخرج حبيب بن مظاهر وودع الامام الحسين (عليه السلام) وجعل يقاتل وهو يقول:

أنـا حـبيب وأبي مظاهر......فارس هيجاء وحرب تسعر

أنـتم عـدّ عـدّة وأكـثر......ونـحن أوفى منكم وأصبر

وأنـتم عـند الوفاء أغدر......ونـحن أعلى حجّة وأظهر

فقتل اثنين وستين فارساً ثم قتل فبان الانكسار في وجه الحسين، فقال الحسين: لله درّك يا حبيب لقد كنت فاضلً تختم القرآن في ليلة واحدة.

وتقدّم زهير بن القين وقاتل قتالاً لم ير مثله، ثم رجع ووقف أمام الحسين وجعل يضرب على منكب الحسين ويقول:

فدتك نفسي هادياً مهديّاً......الـيوم ألقى جدّك النبيّا

وحسنا والمرتضى عليّا

إلى آخر أبياته، فكأنّه ودّع الحسين وعاد يقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلاً، ثم قتل رحمه الله، ووقف عليه الحسين وقال: لا يبعدك الله يا زهير، ولعن قتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.

وجاء عابس بن شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى آل شاكر، فقال عابس: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع اليوم؟

فقال: ما اصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتى اقتل، فقال له عابس: ذلك الظنّ بك، أما الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه وحتى أحتسبك أنا، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.

فتقدم شوذب واستأذن وقاتل وقتل.

وتقدّم عابس إلى الحسين سلّم عليه وقال: يا أبا عبد لله، والله ما أمسى على وجه الأرض قريب أو بعيد أعز عليّ ولا أحبّ إليّ منك ولو قدرت أن أدفع عنك الضيق أو القتل بشيء أعزّ على من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله، إشهد أني على هداك وهدى أبيك، ثم مشى بالسيف مصلتاً نحو القوم.

فصاح رجل من أهل الكوفة: هذا أسد الأسود هذا ابن شبيب.

فأخذ عابس ينادي: إلا رجل ألا رجل؟ فلم يتقدّم إليه أحد، فنادى عمر بن سعد:

إرضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره خلفه، ثم شدّ على الناس.

قال الراوي: فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس، حتى اثخنه بالجرح ضرباً وطعناً ورمياً وقتلوه رضوان الله عليه.

وأقبل جون مولى أبي ذر الغفاري يستأذن في القتال، فقل الحسين: يا جون أنت في إذن مني فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا، فقال جون: يابن رسول الله أنا في الرخاء الحسُ قِصاعَكم وفي الشدّة أخذلكم؟! والله إنّ ريحي لنتن، وإن حسبي للئيم، وإن لوني لأسود، فتنفّس عليّ بالجنة فتطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دماءكم.

فأذن له الحسين فبرز يرتجز ويقول:

كيف يرى الكفّار ضرب الأسود......بـالمشرفيّ والـقنا الـمسدّد

يـذبّ عـن آل الـنبي أحمد......يـذبّ عـنهم بـاللسان واليد

فقتل خمساً وعشرين رجلاً ثم قتل، فوقف عليه الحسين وقال: اللهم بّيض وجهه وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد.

وخرج غلام تركي وهو يقول:

البحر من طعني وضربي يصطلي......والـجوّ من نبلي وسهمي يمتلي

إذا حـسامي فـي يميني ينجلي......يـنشقّ قـلب الـحاسد المبخل

فقتل جماعة ثم سقط فجاءه الحسين وبه رمق يومي إلى الحسين، فبكى الحسين وبه رمق يومي إلى الحسين، فبكى الحسين واعتنقه ووضع خدّه على خدّه، ففتح الغلام عينيه وتبسّم وفاضت نفسه.

ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي وقال للحسين: يا أبا عبد الله جعلتُ فداك هممت أن الحق بأصحابك وكرهت أتخلّف فأراك وحيداً من أهلك قتيلاً، فقال له الحسين: تقدّم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فقاتل حتى قتل، وبرز ابنه خالد مرتجزاً فقاتل حتى قتل.

ثم جاء حنظلة بن اسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح بوجهه ونحره.

فقال له الحسين: يابن أسعد إنهم استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق.

فقال: صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى الآخرة ونلتحق بإخواننا؟

فقال له الامام الحسين (عليه السلام): بلى، رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها وإلى ملك لا يبلى، فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك، عرّف الله بيننا وبينك في الجنّة، فقال الحسين: آمين آمين.

فاستقدم وقاتل قتال الأبطال وصبر على احتمال الأهوال حتى قتل.

فبرز سعد بن حنظلة التميمي، وقاتل قتال الأسد الباسل، وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى سقط صريعاً بين القتلى وقد اثخن بالجراح، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون: قتل الحسين فتحامل، وأخرج سكّيناً من خُفّه وجعل يقاتلهم بها حتى قتل.

وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين فأذن له، فقاتل قتال الأسد الباسل، وكان لايأتي إلى الحسين سهم إلا اتقّاه بيده، ولا سيف إلا تلقّاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى اثخن بالجراح.

فالتفت إلى الحسين وقال: يابن رسول الله أوفيت؟ فقال الحسين: نعم، أنت أمامي في الجنة، فاقرأ رسول الله عني السلام وأعلمه أني في الأثر.

وبرز جابر بن عروة الغفاري، وكان شيخاً كبيراً قد شهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بدراً وحنيناً، فجعل يشدّ وسطه بعمامة، ثم شدّ جبينه بعصابة ثم رفعهما عن عينيه والحسين ينظر إليه ويقولك شكر الله سعيك يا شيخ، فبرز وقاتل حتى قتل ثمانين رجلاً، ثم قتل.

وبرز عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان فقالا: السلام عليك يا أبا عبد الله أحببنا أن نقتل بين يديك فقال (عليه السلام): مرحباً بكما أدنوا مني، فدنوا منه وهما يبكيان فقال: يا بني أخي ما يبكيكما؟ فوالله أني ارجوا أن تكونا بعد ساعة قريري العين؟

فقالا: جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن ننفعك، فقال الحسين: جزاكما الله يا بني أخي بوجدكما ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أفضل جزاء المتقين، ثم استقدما وقالا: السلام عليك يابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته، وقاتلا حتى قتلا.

وبعد استشهاد أمامنا ومولانا ابي عبد الله الامام الحسين (عليه السلام) ووقفت العقيلة الهاشميّة زينب أُخت الإمام الحسين (عليه السلام) تنادي في عرصات كربلاء بصوت حزين، وقلب كئيب: (وامحمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسينٌ بالعراء، مرمّلٌ بالدماء، مقطّع الأعضاء، واثكلاه، وبناتك سبايا! إلى الله المشتكى.

فالسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين.

.......................................
المصادر
(1) إبراهيم | 5.
(2) صحيح مسلم، باب فضائل الخضر ص 1294ح2380، وبحار الأنوار ج67 ص20 ح17.
(3) كنز العمال ج 12 ص 420 ح 35469.
(4) الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج19، ص 84، ط3 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(5) في ظلال القرآن ج 4 ص 2088.
(6) الأمثل في تفسير القران ج7 ص402.
(7) مفاتيح الجنان، ص 555.
(8) المواسم والمراسم، ص 84.
(9) كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ص300.
(10) صوم عاشوراء بين السنة النبوية والبدعة الأموية ص 123.
(11) صحيح البخاري في باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(12) صحيح البخاري باب مناقب المهاجرين وفضلهم ج4 ص217.
(13) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 182 ح4779.
(14) مسند احمد بن حنبل ج 8 ص 928 ح 28199.
(15) (أخرجه الحافظ البرقي من رجال أبي داود والنسائي، وذكره المدني في الصراط السوي).
(16) (المعجم الكبير، أعلام النبوة للماوردي (83)، الطبقات لابن سعد، علل الحديث للدارقطني).
(17) (راجع: مسند أبي يعلى الموصلي، تاريخ دمشق، مجمع الزوائد، كنز العمال، المعجم الكبير، نظم الدرر، المستدرك على الصحيحين، صفات رب العالمين، المصنّف لابن أبي شيبة، الصواعق، الطبقات الكبرى، أخبار المدينة).
(18) (منتخب كنز العمال صفحه 112 الجزء الخامس للشيخ علاء الدين علي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي من علماء أهل السنة. قال أخرج الطبراني في الكبير عن المطلب بن عبد الله بن حنطب).
(19) العلامة السيد محسن الأمين العاملي في الصفحة (30) من مصنفه: (إقناع اللائم على إقامة المآتم) ما نصه: (ذكر الشيخ أبو الحسن على بن محمد الماوردي الشافعي في كتابه (أعلام النبوة) صفحه 83 طبع مصر.
(20) (مستند أحمد بن حنبل صفحة (85) من الجزء الأول بسنده (ونقل هذا الحديث بنفس العبارة أو مع إضافة عليها كتاب (الصواعق المحرقة) لابن حجر، وكتاب (منتخب كنز العمال) والسبط ابن الجوزي الحنفي في (تذكرة الخواص) والبغوي في معجمه).
(21) ص (65) من كتاب (إقناع اللائم) للعلامة الأمين.
(22) ابن حجر في صواعقه في الفصل الثالث من – الباب (11).
(23) ص (42) من كتاب (المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية) لمؤلفه العلامة الأمين العاملي.
(24) (راجع تاريخ الطبري ج4 / 368، الكامل في التاريخ ج3 / 307، البداية والنهاية ج8/238) و (الكامل في التاريخ ج3 / 317 / 318، تاريخ مدينة دمشق للحافظ ابي القاسم الشافعي ج 65/ 406 ـ 407، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر للإمام المعروف بابن منظور ج28/24،(و (الامامة والسياسة ج 1 / 202 ـ 203، ونقل صاحب تذكرة الخواص عن ابن عقيل ان يزيد قال في قصيدة له / 260 ـ 261
عـليَّة هـاتي واعلني وترنمي......بـذلك انـي لا احـب الـتناجيا
حديث ابي سفيان قدماً سمى بها......الـى احـد حـتى أقام البواكيا
ألا هاتِ فاسقيني على ذاك قهوة......تـخيرها الـعنسي كرماً شاميا
اذا مـانظرنا فـي امور قديمة......وجـدنا حـلالا شربها متواليا
و(تاريخ الطبري ج 4 / 224 ـ 225، الكامل في التاريخ ج3 / 249 ـ 250، في سير أعلام النبلاء انَّ يزيد سكر يوماً فقام يرقص فسقط على رأسه فانشق ج 4/ 38.) و (الامامة والسياسة ج 1 / 186، ونقل ابن أعثم في كتاب الفتوح عن الحسين ج 5/ 18 ج 4/ 241.) و (تاريخ الخلفاء للسيوطي / 209، قال ابن كثير في البداية والنهاية: « وكان فيه اقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الاوقات واماتتها في غالب الاوقات » ج 8/ 252، وفي شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي الدمشقي انَّه « استفتي الكيا الهراس فيه، فذكر فصلا واسعاً من مخازيه حتى نفدت الورقة ثم قال: لو مُددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل » ج 1/ 278، والكيا الهراس هو علي بن محمد الطبري الملقّب بعماد الدين فقيه شافعي مفسِّر مات سنة 504 هـ، (و(الكامل لابن الأثير 569:2 (ومصادر كثيرة اخرى).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1