لا تقتصر الشعائر الحسينية في ألبانيا على الشيعة فقط فملازمة الحزن تطغى على هذه الأرض حيث يشاركهم فيها السنة البكتاشيين بمراسيم الحداد ببكاء صامت ويعبرون عن مواساتهم للإمام الحسين(ع) بالصيام الذي يعتبرونه من أهم وسائل التعبير عن الحزن العميق.

وهذه الدولة البلقانية التي هي عبارة عن شريط جبلي ضيق يقع على ساحل البحر الأدرياتيكي حفل تاريخها القديم والحديث بالأحداث والصراعات والحروب وهي الدولة المسلمة الوحيدة في قارة أوربا وقد دخل إليها الإسلام على يد الأتراك الذين احتلوها عام (1478) وهي مجاورة لكل من يوغسلافيا (سابقاً) واليونان.

ورغم أن ألبانيا دولة صغيرة إلا أن شعبها شعب باسل وشجاع ويمتلك إرادة وصلابة وقد سجل صفحات مشرقة في الكفاح والنضال من أجل حريته واستقلاله ويتكلم الشعب الألباني اللغة الآرية التي تقسم فيه إلى لهجتين الشمالية والجنوبية وتكثر في اللغة الألبانية المفردات التركية لا سيما في الشمال، أما سكانها فالعنصر الرئيسي في ألبانيا هو الأرنؤوطي إضافة إلى وجود الترك والأفلاق والبلغار واليونان والعرب.

أما بالنسبة للشعائر الحسينية فيها فمن المحتمل جداً أنها انتقلت إليها من الأناضول بعد احتلالها من قبل تركيا خصوصاً إن تلك الشعائر تتشابه في كثير من الألفاظ والعادات منها التكية التي تقام في الأناضول وألبانيا والصوم وعدم شرب الماء الذي يمارسه البكتاشيون في كلتا الدولتين في الأيام العشرة الأولى من محرم إلا قليلا وغيرها من القواسم المشتركة كما أن للهجرة دور فاعل في انتقال تلك الشعائر ويدلنا أحد آثارها على تلك الهجرة ففي إحدى قمم جبالها جبل (طومور) يوجد مقام ينسب للعباس بن علي بن أبي طالب(ع) ويقدسه سكان المنطقة ويجلونه غاية الإجلال ومن المحتمل جدا إنه لأحد السادة من سلالة العباس(ع) المهاجرين.

أما بالنسبة للشعائر الحسينية في ألبانيا فللأيام العشرة الأولى من شهر محرم أهمية خاصة لدى الألبانيين ففيها لا يشربون الماء إلا قليلاً تأسياً لما حل بأهل البيت (ع) في كربلاء كما يتجنب الألبانيون في هذه الأيام اللباس الفاخر ويتخلون عن مظاهر الزينة ويتجهون إلى التكيات وهم يرددون في طريقهم يا إمام يا إمام، ثم يتجمعون في التكيات لاستذكار فاجعة كربلاء الأليمة بأسى عميق بالغ وهم حريصون على حضور هذه المآتم والإستماع إلى التعزية وقد جرت عادتهم على تقسيم الأيام العشرة الأولى من محرم على ذكرى خاصة لكل ليلة.

ففي الليلة الأولى يقوم الخطيب بسرد قصص من القرآن الكريم حول الأنبياء وما عانوه في سبيل دعوتهم إلى الله كآدم ونوح وإبراهيم وسليمان يوسف وموسى وعيسى(عليهم السلام)، أما الليلة الثانية فتخصص لسيرة حياة النبي محمد (ص) والحديث عن أخلاقه العظيمة وجهاده وحروبه مع المشركين في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي الليلة الثالثة فهي للحديث عن بطل الإسلام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) وسيرة حياته المليئة بالتضحية والجهاد في سبيل الإسلام حتى سقط شهيدا في سبيل الحق والعدل، أما الليلة الرابعة فيتطرق الخطيب إلى سيرة الإمام السبط الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) والحديث عن حياته ويختمها بمقتله بالسم نتيجة مؤامرة دنيئة، أما الليلة الخامسة فهي تخصص للإمام الحسين(ع) والحديث عن حياته الشريفة، وفي الليلة السادسة يجري الحديث عن هجرته (ع) من المدينة إلى مكة، وتخصص الليلة السابعة لسفير الحسين الشهيد مسلم بن عقيل(ع) وسرد واقعة مقتله في الكوفة حينما ذهب إليها مبعوثاً من قبل الحسين(ع)، أما في الليلة الثامنة فهي مخصصة لمسير الحسين من مكة إلى الكوفة، وفي الليلة التي تليها وهي التاسعة فتخصص لوصول الإمام الحسين إلى كربلاء، ثم تختتم هذه الليالي بالليلة العاشرة وفيها تسرد واقعة كربلاء الأليمة.

ويعتمد الخطيب في سرد رواياته وأحاديثه حول واقعة كربلاء على المصادر التاريخية التي ذكرت الواقعة، ومع انتهاء هذه المآتم في الليال العشر جرت العادة أن يقدم في التكية طبق من الحلوى يسمى (عاشوراء) وهذا التقليد متبع عند الألبانيين كل عام ويكون إحضار هذا الطبق باحتفال ديني حيث تنشد المراثي الحسينية، وبعدها يتلى دعاء بصوت حزين في جو من الخشوع ثم يبدأ الحاضرون بتناول الحلوى.

أما بالنسبة للمراثي الحسينية فقد أخذت بالتطور والإتساع والتجديد حتى بات الأدب الشيعي وبالخصوص الرثاء الحسيني يشكّل جزءً مهماً من الأدب الألباني بما فيه من مراثٍ ومدائح لآل البيت(ع) ومن ذلك ملحمة (كربلاء) الشعرية للشاعر (نعيم بك فراشري) (1846 ــ 1900) في مقتل الحسين (ع) والتي تعتبر من روائع الأدب الألباني ونعيم بك فراشري هذا هو شقيق المؤلف الألباني الكبير (شمس الدين سامي بك) (1850 ــ 1904) الذي اشتهر بمؤلفاته العلمية وقد عكف نعيم على كتابة ملحمته كربلاء البالغة عشرة آلاف بيت مابين عامي (1892 ــ 1895) وصدرت سنة (1898) وتعد من أفضل ما أفرز الأدب البكتاشي وقد قسم نعيم ملحمته إلى خمسة وعشرين فصلا.

وقد سبق نعيم في كتابة الملحمة عن كربلاء شاعر هو (داليب فراشري) الذي وضع ملحمته (الحديقة) كما ترجم (شاهين فراشري) (مختارات نامه) وكانت أغلب قصائد المراثي التي تقرأ في التكيات تؤخذ من هاتين الملحمتين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2