بقلم: أماني سعد ياسين

أذكر جيداً طريق ماشية زوار الأربعين وهم يحثّون الخطى لزيارة مولاي أبي عبد الله الحسين عليه السلام. أذكر جيداً طريق المشّاية هذا وقد حفظته عن ظهر قلب بعد عدة زيارات إلى أرض طهرت في العراق الحبيب بوجود مقامات أئمة أهل بيت محمد ص!

في الأربعين تموج أرض العراق وتهتز ذرّات التراب هناك مشتاقةً متعلّقةً تحت أقدام الزائرين القاصدين بلهفةٍ إلى زيارة سبط رسول ربّ العالمين وحبيبه الحسين (ع) الذي ضحّى بنفسه وبكل ما يملك على هذه الأرض للدفاع عن رسالة جدّه رسول الله في وجه محاولات التحريف الأموي السفياني البغيض لدين الإسلام الحنيف علّها تصل مع أقدام الزائرين إلى حيث المعشوق الأبدي، الحسين!

وما زالت الآن وبعد مضيّ مئاتٍ من السنوات على واقعة كربلاء تمتلئ أرض العراق بالزائرين المشتاقين القاصدين زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام من كل أنحاء العالم ومن أقصى أنحاء البلاد البعيدة كما القريبة لتجديد البيعة لقائدٍ ملهمٍ ما زال نداؤه يهزّ عروش الطغاة الفراعنة المتكبّرين المتعجرفين الظلمة من أمثال يزيد إلى يومنا هذا يفضحهم ويهزّ عروشهم بعبارته المأثورة المتنقّلة على كلّ لسان حتى يومنا هذا وإلى يوم الدين ”هيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله”.

في زيارة الأربعين وكما في كلّ عام تمتلئ أرض العراق بالزائرين العاشقين يحملون عشقهم بين أكفّهم ويحملون شوق أهليهم وأنفسهم معهم في زيارة أرض اغتذت من دماء معشوقهم إمام الثائرين الحسين (ع) ومن دماء أهل بيت محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين حتّى ارتوت واهتزّت وربت فأثمرت وأتت أُكلها وأينعت فيها ثمار عشق آل بيت محمد (ص) في قلب كلّ مؤمنٍ آثر على نفسه زوار أبي عبد الله الحسين في مبيتٍ أو لقمة طعامٍ أو شربة ماء فأضحى الحسين (ع) الذي قضى مذبوحاً عطشاناً يسقي جموع زائريه ومحبّيه والقاصدين إليه الطريق من أقصى البسيطة يرويهم ويسقيهم ليُنبت في قلوبهم عشقاً متجدّداً وعطشاً إليه لا يرتوي إلا بزيارة الأربعين في العام الذي يليه والذي يلي العام الذي يليه تماماً كالمدمن الذي أدمن دواءً لا يستطيع تركه وإلا يموت بتركه الدواء! أهو حبٌّ؟! أهو عشقٌ؟!

بأيّ عبارةٍ يمكن وصف هذا العشق اللامتناهي الذي يتراءى لنا في بحر متلاطمٍ من الزوار العاشقين يتدافعون في حبٍّ ومودة لم يسبق لها مثيل لزيارة مولى العاشقين لله وحفيد حبيب ربّ العالمين؟!

وكيف يمكن وصف نبضات قلب الزائرين المتسارعة لهفةً مع تسارع خطاهم في أثناء مسيرهم الممتدّ والمتسّع مع امتداد السنوات وقصدهم فقط الطريق إلى حيث مقام المعشوق وهو العاشق أيضاً الذي عشق الله عشقاً وارفاً لا متناهياً حتى قُبض إليه مخضّباً متحنّياً بدمائه الطاهرة ؟!

تالله لهي معجزةٌ ربّانية حيّة بيننا تدفّق جموع الزائرين المشتاقين المهنئين لهفةً إلى زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام في كلّ عام وتضاعف أعداد الزائرين في كلّ عامٍ مقارنةً بالعام الذي يسبقه بالرغم من الظروف الاقتصادية القاهرة التي يعيش فيها الكثير من الزائرين في دولهم المسلمة الفقيرة نسبياً.

في طريق مشاية أبي عبد الله الحسين تتوزع المواكب على طول الطريق لخدمة الزائرين المشاة، مواكب من أهل العراق الطيبين وبعضهم من فقراء الناس مادياً وذوي الداخل المحدود وبعضهم أطفال صغار أو حتى كبار في السن يفترشون الطريق يعرضون ضيافتهم الكريمة لزوار أبي عبد الله الحسين (ع) وكذلك مواكب من عاشقي الإمام الحسين وشيعته من البلدان المجاورة بل من شتّى أنحاء المعمورة ومن شيعة ومحبّي الإمام في الدول الاوروبية والغربية جميعهم يتنافسون في حبّ الإمام الحسين و في خدمة زوار أبي عبد الله الحسين في أثناء مسيرهم من النجف الأشرف إلى كربلاء بل من أقصى العراق إلى كربلاء. أهو سلطان؟! أهو ملك؟!

هذا الداعي الذي ما زال يدعو أولياءه ومحبيه وعاشقيه إلى اليوم، يدعوهم ويتحبّب إليهم ”إليّ إليّ يا أحبّائي” وما زال نداؤه يتردّد فيهم إلى اليوم ”هل من ناصرٍ ينصرني؟” فتأتي الحشود الغفيرة إليه قاصدةً ماشيةً زائرةً من مختلف الألوان والأديان والأعراق والثقافات تحثُّ الخطى سائرةً إليه في مسيرة عشقٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً أبداً لا لملكٍ ولا لسلطانٍ متوّجٍ ولا لوزير!

هو الحسين (ع) عاشق الذات الإلهية حتى الإستحالة والذوبان في الله الذي ذاب في عشق معشوقه الأجمل والأكمل والأوحد حتى أذاب معه قلوب محبيه وعاشقيه في مسيرة عشقٍ ممتدّة على مرّ التاريخ مستمرّة إلى ما شاء الله وحتّى قيام يوم الدين!

اضف تعليق