كل عام؛ في شهر محرم الحرام- تحديدا- يجدد المسلمون عامة وأتباع المذهب الشيعي خاصة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع) حفيد رسول الله. إذ استشهد الحسين(ع) وكوكبة من أهل بيته وأصحابه إثر واقعة كربلاء في سنة (61) للعام الهجري التي دارت بين جيش السلطة الأموية آنذاك، يمثلها جيش الكوفة الأموي بقيادة (عمر بن سعد) وأتباع الأمام الحسين، وهم كوكبة من أهل بيته؛ وثلة من أنصاره ومحبيه. تلك المعركة إنما وقعت، لأن الإمام الحسين(ع) رفض في حينها أن يبايع الخلفية الأموي الجديد (يزيد بن معاوية) لأن أقواله وأفعاله لا تنم عن تدينه أصلا، فضلا عن صلاحيته للخلافة، (فمثلي لا يبايع مثله) كما جاء في حديث الإمام الحسين(ع).

نحن والمجتمعات التي سبقتنا والتي ستأتي من بعدنا، نستذكر هذه الواقعة بكل تفاصيلها وحيثياتها وشخوصها، ونحييها كأنها وقعت للتو، فالنتائج التي تحصلنا عليها أن واقعة كربلاء ليست واقعة تاريخية، حصلت في زمان ما، ومكان ما، ومع شخوص محددة وحسب، إنما هي واقعة متجددة وعناصرها ثابتة لا تتعلق بالزمان، ولا بالمكان، ولا بالشخوص على أهمية تلك الشخوص وعظمتها.

أنها واقعة على مستوى عال من الأهمية تفسر لنا الصراع القديم الجديد بين بني البشر، بين من يحمل مبادئ السماء وقيمها ويجسدها في شخصه، ويدعو محبيه إليها، وبين من يريد أن يطمس تلك المبادئ ويزيلها من الوجود بأقواله وأفعاله. فصحيح أن النهضة الحسينية آنذاك كان طرفها الأول هو الحسين(ع) وأولاده وأنصاره، وهؤلاء لا يقاس بهم أبدا، وكان طرفها الثاني يزيد الأموي وجيشه الكوفي وهم من أرذل الناس وأكثرهم شرا إلا أن ذلك لا يمنع أبدا أن ينبري في هذا الزمان، وفي كل زمان، وفي هذا المكان، وفي كل مكان مؤمنون يريدون تصحيح المسيرة وإصلاحها في مقابل الفساد والإفساد الذي يتبناه ويروج له وينشره آخرون فاسدون مستبدون طاغون مخربون على نهج بني أمية، وإن كانت تتبرأ منهم في الظاهر.

فالمضمون واحد عند دعاة الحق والحقيقة وهو دفع الناس إلى تبني قيم السماء وعقائد الدين التي جاء بها النبي (ص) وهي تأخذ الناس إلى الطريق المستقيم نحو جنة الخلد الموعودة. والمضمون واحد عند دعاة الكفر والشرك والظلم وهو إبعاد الناس عن الله، ونشر قيم الرذيلة والفساد، وهي تأخذهم إلى الانحراف وإلى نار جهنم...

والسؤال هنا كيف يمكن أن نفهم نهضة الحسين (ع) التغيرية؟ هل نبدأ نغير من أفكار وسلوك الطغاة والمنحرفين والفاسدين أولا؟ أم نبدأ نغير أفكارنا وسلوكنا وأدواتنا حتى نستطيع أن نحدث تغييرا حقيقيا في المضمون الحسيني؟ بمعنى آخر من أين نبدأ من عند أنفسنا نحن من ندعي النصرة لله والرسول وأهل بيته؟ أم نبدأ من تغير غيرنا ممن نعتقد أنه يحمل أفكار بني أمية ويمارس سلوكهم، وإن كان لا ينتمي لأبني أمية حقيقة؟

لاشك أن من نتائج هذه النهضة الحسينية هي أنها تحثنا إلى أمرين أساسين: الأول هو إصلاح الذات باتجاه تبني الأصول الدينية والقيم الأخلاقية التي. والثاني مقارعة الظالمين والتصدي لهم كلما أمكن ذلك.

في هذا المقال؛ نتحدث عن أهم المعطيات التي تحثنا على إصلاح الذات والارتقاء بها، حيث إن أي تغيير إيجابي على المستوى الفردي والجماعي لا يحصل من دون أن يحصل تغيير من الداخل (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) حيث إن الله تعالى يغير ما بالناس إذا غيروا، فإذا كانوا على طاعة واستقامة ثم غيروا إلى المعاصي، غيرَّ الله حالهم من الطمأنينة والسعادة واليسر والرخاء إلى غير ذلك. وهكذا العكس؛ إذا كانوا في معاصٍ وشرور وانحراف، ثم توجهوا إلى الحق، وتابوا إلى الله ورجعوا إليه واستقاموا على دينه، فإن الله يغير ما بهم سبحانه من الخوف والفقر والاختلاف والتشاحن، إلى أمن وعافية واستقامة، إلى رخاء وإلى محبة وإلى تعاون وإلى تقارب؛ فضلًا منه سبحانه، ومن هذا قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ).

ومن هنا لا يستطيع أي داعي للحق أن يقف أمام الظلمة والمستبدين والفاسدين ما لم يمتلك مقومات التغيير الحقيقي هو ومن معه، أي أن يكون متصفا بصفات عدم الظلم وعدم الاستبداد وعدم الفساد. فليس من المنطق أن تكون أفكارنا وصفاتنا وأفعالنا مثل أفكار وصفات وأفعال الظلمة، ثم ندعو الظلمة إلى تغيير أفكارهم وأفعالهم نحو الأحسن في الوقت الذي لا نتمتع نحن بتلك الأفكار النيرة، ولا الأفعال الحسنة، والأولى أن نبدأ بأنفسنا لا بالآخرين.

فمن يقتل أو يساعد على القتل من غير أن يكون مخولا شرعا وقانونا بذلك، لا يستطيع أن يدعو غيره من القتلة والمجرمين إلى الكف عن هذه الأفعال، لأنه منهم، وعليه أن يبدأ من نفسه أولا. ومن يسرق من قوت الناس سرا وعلنا لا يستطيع أن يدعو الآخرين إلى الكف عن سرقة قوت الناس لأنه منهم وأن لم ينتم إليهم، ومن يدعو من يمارس العنف بحق الآخرين إلى الكف عن العنف واعتماد إستراتيجية اللاعنف عليه أن يكون هو ذاته من أتباع هذه الإستراتيجية ومن الذين يؤمنون بها ويتبنونها.

ومن يكذب على الناس ليلا ونهارا، وفي القنوات الفضائية، ويبث الأفكار والدعايات المضللة لا يمكن أن يدعو الآخرين إلى اعتماد سياسة الصدق، وإن دعا إلى ذلك، فكلامه عند الناس هباء منثورا لن يصغي إليه الناس ولن يأخذوا به، لأنهم يعلمون أن ذلك كلها كذب وافتراء... ولا يتعدى أن يكون كلامه نفاق ودجل مفضوح. ومن يعد الناس بامتيازات كثيرة وتعيينات في الدولة، وتوزيع قطع أراضي لهم إذا ما فاز في الانتخابات، وهو يعلم يقينا أنه ليس بيده ذلك كله هو غشاش ومفتر... ومن يدعي أن فلانا ظهر في المكان الفلاني وهو مبعث من الإمام المهدي، ويدعو الناس إلى إتباعه من دون دليل عقلي ظاهر، ويحرض الناس البسطاء على مهاجمة رجال الدين والعلماء والمكاتب الدينية، ويدعو إلى القتل والعنف والفوضى والانتقام من الآخرين لا يصلح أن يدعو الناس إلى التعقل والتدبر...

وبناء عليه؛ فمن يدعو إلى إحياء ذكرى الحسين بالشعائر والمراسم المتعارف عليها في الوقت الحاضر، وهو بعيد عن الصلاة والصيام ومعونة الناس لا يصلح أن يكون حسينيا. ومن يتناول المخدرات والمشروبات والمؤثرات العقلية كما يفعل اليوم بعض الشباب المنحرف لا يصلح أن يكون حسينيا، وإن أدى تلك الشعائر والمراسم على أتم وجه، لأن الحكمة ليست في تلك الشعيرة إنما فيما تهدف له تلك الشعيرة، وهي إحياء الدين وإحياء الدين يتحقق من خلال أصوله المعروفة عند عامة الناس من توحيد وإيمان بالنبوة والمعاد والإمامة، ومن خلال الالتزام بالفروع من صلاة وصيام وزكاة ومعونة الناس والتعامل معهم بخلق عال وغيرها.

ومن يغير على الآمنين من الناس لأنه ينتمي إلى الجماعة المسلحة الفلانية، ولأنه يمتلك العدد والعدة من اجل تخويفهم لا يصلح أن يكون حسينيا. ومن يفرض إتاوات على التجار، ويأخذ المشروعات مقابل حصص مالية ثابتة بحجة توفير الحماية لهم لا يصلح أن يكون حسينيا. ومن يجلس على كرسي إدارة الدولة ويسرق وينهب ويختلس، ولا يقدم خدمة للناس وهمه بطنه وعياله لا يصلح أن يكون حسينيا. ومن يأخذ أموال الدولة التي تمنح للحمايات الشخصية كما يفعل بعض أعضاء مجلس النواب لا يصلح أن يكون حسينيا، وإن أسس بتلك الأموال موكبا حسينيا. ومن يشتري كرسي في الحكم بأموال طائلة بقصد (خدمة الناس) قطعا ليس حسينا، وإن كان مسؤولا في الوقف الشيعي أو السني...

وعلى هذا، فالنهضة الحسينية إنما تتحقق أولا من خلال إحداث تغيير جذري وكلي في نفوسنا حتى نكون بمستوى يمكننا من الوقف والصمود ومواجهة الأعداء وإلا فنحن وهم واحد وإن اختلفت شعاراتنا.

ويمثل شهر محرم الحرام وهو أول شهر من أشهر السنة الهجرية، وما فيه من واقعة كربلاء وتداعياتها فرصة كبيرة لدعاة الحق الذي تبناه الحسين وأنصاره، فرصة أن نغير ما في أنفسنا على وجه الحقيقية والمضمون وألا نكتفي بالمراسم والشعارات الشكلية على أهميتها لأنها بداية نحو التغيير الحسيني المنشود وإلا سنظل في دائرة الباطل والفساد ما دمنا كذلك.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق