من المهم التأكيد على سيرة النبي محمد وسيرة أهل بيته (صلى الله عليه وآله) لأنها تعبر عن صورة الإسلام الأصيل، إي الإسلام الذي ينبع من الفطرة ويلبي قيم الإنسان في هذه الحياة ويهتم بكرامة الإنسان، لذلك إذا كان هناك إنسان مسلوبة كرامته ويقمع بالعنف والخوف في دولة تسمي نفسها اسلامية فاعلم انه يعيش وسط إسلامٍ مزيف، لأن الإسلام الأصيل هو من يحترم إرادة الإنسان وكرامته وحقوقه وحرياته.

وسماحة المرجع الشيرازي دام ظله الوارف دائما وفي كل عام يؤكد إنه لابد أن نفصل بين اسلامين، إسلام مزيف والذي تدعي به بعض الحكومات منذ زمن قديم وتسلب به الحريات وتضع الناس في السجون وتسرق وتفسد وتمارس الطغيان وتقتل باسم الإسلام، وبين الإسلام الذي دعا له النبي (ص) وآل بيت رسول الله الأصيلة، الذي يقوم على مبدأ أساسي هو الحرية واحترام حقوق الإنسان واحترام حاجات الإنسان المهمة والبسيطة.

اليوم بعض الحكومات تقوم بسحق حرية الإنسان وتمارس طرق واساليب معاوية وتتكلم بلغة السيف والبندقية حيث اي شخص يكون معارضا يقمع او يسجن ولا وجود لمعايير الحرية وحقوق الانسان، لهذا شعوبها تعيش على الخوف والفقر والبؤس، ولكن في زمن محمد (ص) وعلي (ع) كان الناس أحرارا في إبداء الرأي والآية التي نزلت في القران الكريم : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) وتأمره بالمشورة وهو معصوم عن الخطأ، وهذا هو مقياس الإسلام الاصيل الموجود في سيرة المعصومين عليهم السلام وهم حجج الله علينا لأنهم يرشدوننا للطريق الصحيح للإسلام.

وآل بيت رسول الله انتهجوا طريق المعارضة لتخليص الإنسان من الاستعباد وخير مثال هو معارضة السيدة فاطمة (عليها السلام) ليس من أجل سلطة وإنما دفاعا عن مبادئ النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وهذه المبادئ تقوم على حرية الإنسان ومكافحة الطغاة الذين يريدون استعباد البشر، والآية القرآنية التي أكدت هذا والذي يطرحها المرجع دام ظله دائما التي تقول (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، اي تحرير الإنسان من الاستعباد والطاغوت والدكتاتورية وهذا هو هدف الرسالة الإسلامية والمحور الأساسي بين الحق والباطل، وقد خلد التاريخ الامام الحسين (عليه السلام) لمبادئه في مكافحة المنظومة الفاسدة ولأنه جسد قيم الإنسانية العظيمة، فمدرسة أهل البيت مدرسة الصلاح والفلاح.

الانسان حر ومكلف

الإنسان بهذه الدنيا هو مسئول ومكلف فله ثواب وعقاب أعماله، وهو حر ومسؤول لذلك يتحمل نتيجة أعماله، لذلك يحاسب يوم القيامة على ضوء افعاله لأنه حر فكيف لهذا الحاكم المستبد ان يسلب حرية الإرادة من الانسان المكلف؟

إن أصحاب المطامع والشهوات الذين يركضون وراء شهواتهم وغرائزهم ويسحقون كل شيء مثل معاوية الذي يأكل ولا يشبع فيقول (تعبت ولا شبعت)، حين تأتي اللحظة الأخيرة من مماتهم يقولون لأنفسهم: (... يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)، فاللحظة التي يفارق بها الإنسان الدنيا هي ذاتها حتى لو كان الاسكندر المقدوني أو هارون أو معاوية وغيرهم الكثير الكثير.

وهؤلاء يصلون الى مرحلة الانتهاء وكما يقال (يذهبون الى مزبلة التاريخ)، بينما أصحاب القيم العظيمة مثل الإمام الحسين (عليه السلام) فهو خالد لأنه يجسد القيم النبيلة.

معسكر الحر أم معسكر يزيد

إن الزيارات العظيمة باقية لأنها مرتبطة بالمبادئ والنضال ضد الاستبداد والناس يتفاعلون لأنها تجسد جميع القيم النبيلة التي يحتاجها الإنسان.

ويقين الإنسان واضح فأما يكون فاسدا او شريفا، صادقا او كاذبا، حرا او مستبدا، هو من يختار كما اختار (الحر) الحرية واختار معسكر الامام الحسين (عليه السلام)، واليوم كل واحد منا مبتلى وممتحن أما ان يكون في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) الذي قال (كونوا أحرارا في دنياكم)، او معسكر يزيد، وهي معركة يومية من اجل التغيير والإصلاح الذاتي والاجتماعي والسياسي. فهل أغير نفسي واحاسبه لأكون في معسكر الامام الحسين (عليه السلام) ام ارضخ للفساد والافساد والعنف والتضليل حيث البؤس في المعسكر الاموي؟.

وهذه نعمة الهية كبيرة حين نعطى فرصة لنغير أنفسنا ونكون في بيئة حاضنة تشجعنا على التغيير والإصلاح وحين يكون الإنسان في هذا الجو المشحون بالإيمان والمبادئ تتوفر له كل الشروط اللازمة من اجل تغيير نفسه.

فكيف يستثمر الفرصة، هذا مايقرره الإنسان حين يخرج من هذه المناسبة وهو محمل بكنوز كبيرة، لذلك حين يوجد الإنسان في هذه المناسبة (زيارة الأربعين) يجب ان يتأمل ويتفكر لماذا يقوم بهذه الشعائر ويكون هدفه هو التغيير فإذا كان جيدا يكون أكثر جودة وفعلا الإنسان الذي يستثمر الفرصة هو الإنسان الرابح ابدا.

أهمية زيارة الاربعين

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارة جده الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين: (وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة). لذلك على الشباب الاستفادة من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في مختلف بقاع الارض عن طريق إقامة الشعائر الحسينية وإحياء المنبر الحسيني والمناسبات الدينية لأنها تسهم في بناء شخصية أولادنا وهويتهم الصالحة.

والذين ابتعدوا عن هذه الأجواء هم عرضة للانحراف او تشوش هوياتهم او ينسلخ منها، لان منظومة القيم التي تحملها هذه المناسبة كبيرة وتأثيرها الايجابي عميق في النفس البشرية.

فالعالم اليوم أصبح صاخبا جدا في أفكاره والمعلومات والقضايا المنحرفة ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي توسعت وهناك زخ للمعلومات وهذا يجعل الانسان مشتتا ومحتارا خصوصا مع التضليل الكبير الذي تمارسه هذه الوسائل. لذلك يحتاج الإنسان الى معيار في داخله ومنهجه حتى لا يقع في مزالق هذا البحر المتلاطم من المعلومات.

شروط الزواج كما أوصانا خاتم الأنبياء

إن النبي محمد (ص) يقول (أفضل نساء أمتي اقلهن مهرا)، والزواج من الحاجات الأساسية عند الإنسان فإن كل انسان حتى لو كان مؤمنا ويحافظ على نفسه يصاب بحالة من الاكتئاب إذا لم يتزوج، وإذا كان غير مؤمن فينحرف لأنها حاجة أساسية مثل الطعام والماء.

واليوم العالم عالم الحداثة عالم صاخب مستغرق في المشاكل وسببه إن العالم نال التقدم لكنه لم تتطور قيمه وأخلاقياته فسقط في المحظور والانفلات الأخلاقي والاباحي.

اليوم أصبح البعض لا يسيرون بسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) فمثلا الشاب حين يذهب لخطبة البنت فتقول له كم لديك من المال هل لديك (بيت، سيارة، وظيفة) وهذا يخالف قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

وهذه مشكلة كبرى لان مجتمعنا لم يستوعب قول الرسول (صلى الله عليه وآله) ودخل في دوامة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). اليوم الطلاق والعزوبية والعزوف عن الزواج والعنوسة كلها من مؤشرات الابتعاد عن سيرة رسول الله التي تقوم على الزواج السهل والبسيط بالنظر الى دين وأخلاقه.

فالمتطلبات المالية الكبيرة تجعل الزواج قائما على المنفعة المادية وهذا عرف خاطئ لأنه يعاكس سيرة رسول الله وقوله جل وعلا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) والقيم الإنسانية الفطرية قائمة على اليسر والتيسير.

والاكتئاب هو نتيجة للكثير من الأفكار الخاطئة في الحياة ومن ضمنها كثرة التوقعات فنحن نتوقع الكثير، وبعض الناس لا يحترمون المقابل على ضوء شخصيته وإنما على حساب سيارته وملابسه ومقدار ماله.

فمشاكل الزواج تضخمت وتزايدت سلبياته بسبب غياب المعنى وغياب الهدف وطغيان الإنسان واسرافه وتبذيره وهذا يؤثر على الواقع ويزيد من تعاسة الانسان وبؤسه واغترابه.

فالطريق الى السعادة يحتاج الى تثقيف سواء كان في مدارسنا او مجتمعاتنا بقراءة سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام) والتعمق وفهم أحاديثهم وحينئذ سيخرج بشيء آخر عن ما يعيشه المجتمع من تخلف وازمات وصراعات والتصادم والعنف، ففيها قيمة التسامح واحترام الآخرين من كظم الغيض والصبر على الآخرين في حياتنا الزوجية والأسرية، فالآباء لا يفهمون أبنائهم والأبناء لا يحترمون آبائهم والتفكك الاسري يتضخم لعدم وجود قيم التسامح ومعرفة معنى الدين الحقيقي حيث مداراة الناس نصف الايمان، فكم هو عظيم هذا الدين اذا كان نصف الايمان به في مداراة الناس، فكم نحتاج الى عمل ثقافي وعلمي كبير لنستوعب معاني المدارة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض، وقال: مداراة الناس نصف الايمان والرفق بهم نصف العيش.

* مقتطفات من حوار اجري سابقا مع قناة المرجعية الفضائية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

21