لا يجد المرء بٌدا أن يكتب عن واقعة كربلاء ونتائجها وآثارها العظيمة، ليس على من كان ضحية أو جلادا أو شاهدا فيها وحسب، إنما لكل من وصله خبر هذه الواقعة، وتأمل فيها، وفي آثارها المذهلة على البشرية، فيما بعد الواقعة، وفي حاضرنا، وفي مستقبل الأجيال القادمة. وكأن القدر شاء أن يكون الحسين وأنصاره عنوانا بارزا لرايات الإصلاح والتغيير التي تنهض في مجتمعات تمحورت حول الفساد والخراب والدمار...

لا شك أن رب هذا الكون قدر وشاء أن تكون هذه الملحمة التاريخية خزانا متدفقا يغرف منه المصلحون والصالحون ما شاءوا لإدامة الصلاح والفلاح في مجتمعاتهم، وتقويم الاعوجاج في الاعتقادات والسلوكيات، إلا أن هذه الملحمة أيضا كانت قد استكملت عناصر قوتها وجاذبيتها، واستمرارها وأبديتها من طبيعة العلاقات التي كانت تجمع قادتها وقاعدتها، زعماؤها وأنصارها، شيوخها وشبابها، رجالها ونساء، سادتها وعبيدها، ومن طبيعة أهدافها وآلياتها، فكانت صورة واضحة عن كل الأصول والقيم والمبادئ المجردة والأخلاقيات والعلاقات الإنسانية التي يحتاجها من يأت بعدهم من المصلحين والمغيرين، والداعين للخير والإحسان، والعدالة.

مجموعة ملحمة كربلاء كأنها واحدة، رغم تعدد شخوصها، وتغير ألوانها، واختلاف أطيافها، فهذا الانسجام المنقطع النظر في حراك هذه المجموعة الثائرة على اعتقادات قومها الخاطئة، وعادات مجتمعها الفاسدة، على قلة عددها، وفقدان ناصرها، تحكي قصة قوم لم يشهد تاريخ البشرية قوما مثلهم، ولن يأت من بعدهم قوما يشبهونهم.

لهذا... ما كان لأحد يريد أن يصلح في قومه ومجتمعه، وكان قد سمع أو قرأ عن حادثة كربلاء التاريخية التي قادها الحسين بن علي أبن أبي طالب ضد السلطة الحاكمة ممثلة آنذاك بحاكمها يزيد بن معاوية والمجتمعات السائرة على نهج الفساد والدمار إلا رجع إلى نصوص هذه الواقعة، وقرأ أحداثها مليئا، عسى وان يستمد منها عزما وقوة، وحكمة وتعقلا، وصبرا وثباتا، وتضحية واستشهادا... فهذه المأثرة تصلح لكل زمان ومكان، ولكل الثائرين على الفساد والطاغوت باختلاف أفكارهم واعتقاداتهم، وأصولهم وألوانهم، وأقوامهم وبلدانهم.

قد يكون الحسين بن علي، سبط النبي (ص) قائد هذه الثورة الإصلاحية، هو الشخص الأكثر جاذبية وتأثيرا بالآخرين، كونه سبط النبي، وأبن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت النبي(ص)، فالأمة تسأل -كما كل الأمم- كيف يمكن لأمة مسلمة مؤمنة بالله عز وجل أن تقف حربا لأبن نبيها، وتحوشه وأصحابه وأهل بيته، وتحاصره في صحراء كربلاء؟

كيف يمكن لأمة تقول في صلواتها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تتجرأ على قتل أولاد نبيها وأبناءهم، لا لشيء يطلبون إلا لأنهم أرادوا أعلاء كلمة الحق، والاستمرار في دعوة جدهم النبي؟ كيف لأمة تحز رؤوس أبناءها الصالحين، وتقدمها قربانا لسلطان فاسد ومفسد، لقاء أجر من المال ووعد في سلطان؟ كيف لأمة تأسر أبناء نبيها، وتجرهم من بلد إلى بلد، وتذيقهم عذاب الهون، جزاء لهداية نبيهم من الظلام إلى النور، ومن الظلال إلى الحق...؟

نعم؛ لا شك أن قتل الحسين بن علي(ع) لوحده جريمة لا يغفرها الله، ولا يرتضها المؤمنون والصالحون، فكيف بأبنائه وأسرته، لكن مع ذلك، كان في واقعة كربلاء أمران لافتان لكل من أقترب من واقعة كربلاء وشخوصها، وهما:

1. الأمر الأول: إن كل من حضر واقعة كربلاء مع الحسين (ع) سواء قٌتل فيها أم لم يٌقتل، وسواء كانوا من الرجال أم من النساء، وسواء كانوا من الشيوخ أم من الشباب، وسواء كانوا من خاصة الإمام الحسين (ع) أم من أنصاره من الأمصار الأخرى، كلهم كانوا على مقربة، ومسافة متساوية من قائدهم الحسين بن علي، وكلهم ينصت لقوله، وكلهم يمتثل لأمره، وكلهم قائم مستعد للتضحية.

هذا الاستعداد الروحي والثقة العالية بصواب الموقف، والولاء المطلق لقائد لا يملك من السلطان إلا سلطان الدعوة للحق والعمل به (ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه) قد جعل من قوم الحسين (ع) كلهم كتلة بشرية واحدة، تقوم بقيامه، وتأتمر بأمره، كأنهم الحسين لا هم. فقلتهم صارت كثرة، وضعفهم صار قوة، وخشيتهم صارت شجاعة. ولم يعد الواحد منهم يبالي بحياته، بل صارت حياتهم هي القتل والاستشهاد بين يدي هذه القائد الفذ. كيف لا وهو يقول (إنّي لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظّالمين إلا برما)

2. الأمر الثاني: إن هدف هذه المجموعة المؤمنة كان يقوم على أسس وثوابت واضحة لا لبس فيها، ولا شك فيها، فالثورة قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض إملاءات الحاكم المستبد، وأحياء كلمة الله، كما أرادها الله ورسوله (إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مُفسداً، ولا ظالماً، وإنما خَرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جدّي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)

وهذه المبادئ والقيم ليست للبيع والمزايدة العلنية والتفاخر بين الناس بتبنيها، إنما هي سلوك تجسد في شخصية الإمام الحسين وعياله وأصحابه، فأعظم شيء يمكن أن يحصل عليه الإنسان هو أن يكون قدوة لغيره في حمل القيم والمبادئ، وتجسيدها في الواقع، فأكثر البشر يتحدثون عن القيم، ويدعون الناس لتطبيقها، وهم لا يطبقونها، لأنه ليس من السهل أن تطبق قيمة من القيم في واقع كله ظلم وفساد... قال الإمام الحسين (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا مُحّصوا بالبلاء قل الديانون).

لهذا... أصعب شيء يمكن أن يورق الإنسان أنه يظل يعيش بلا هدف نبيل، ولا يحمل بذور الخير في نفسه، ليزرعها في نفوس الآخرين، والأصعب منه أن يلتف المرء حول قائد لا يحمل القيم النبيلة، أو يحملها فلا يطبقها إلا قلقة لسان. فهلا جعلنا الحسين وأصحابه قدوة لنا، ودليلا لمسيرة حياتنا.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6