ملفات - عاشوراء

النبأ ناقشت قيم عاشوراء وبناء اليقين الحضاري

في ملتقى النبأ الأسبوعي

ناقشت مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام في كربلاء المقدسة بملتقاها الشهري (قيم عاشوراء وبناء اليقين الحضاري) بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الأكاديمية والحقوقية والإعلامية.

افتتح الحوار الدكتور ضرغام الموسوي، استاذ الفقه في جامعة كربلاء، حيث قال: "إن هناك الكثير من التجاذبات الكلامية والآراء المختلفة حيال النهضة الحسينية الخالدة، التي رافقها الكثير من التعتيم الإعلامي ابان الدولة الاموية، فعندما تريد أن تضع الثورة الحسينية في المنظور الشرعي على اعتبار أن من اسس لها هو الامام المعصوم، وبالتالي فان كل حركة واي تصرف يقوم بها الامام المعصوم هو خاضعة لدليل شرعي".

واضاف: "لذا فان واقعة كربلاء لم تكن واقعة للقتل البدني أو الاستئصال، وانما هي معركة قيم ومثل عليا، وهذا ليس بالشيء الجديد فمنذ ارسطو وافلاطون وإلى اليوم ودائرة الخلاف الصريح على القيم قائمة، وهنا قد يسال سائل هل القيم تتغير من مجتمع لآخر وهل هي نسبية ام ثابتة، وهذا بطبيعة الحال يحتاج لبحث تاريخي طويل جدا، حيث نلاحظ بعض المجتمعات لديها قيم تختلف عن مجتمع آخر، فعلى هذا الاساس كان لابد أن نتعرض لمفهوم القيم وهل هي مساوية للأخلاق ام انها اهم".

واكمل قوله: "هذا السؤال يطرح دائما فالبعض يجعل من الاخلاق من فروع القيم، أي انه يجعل من القيم المنظومة الاوسع لما يمليه علينا العقل النظري، لكن عندما نأتي للقيم نجدها عنوان متأصل في الذات الانسانية منذ بداية الخليقة، هذه القيم هل هي ثابتة من مجتمع لآخر ام متحولة، الفلاسفة وعلماء الاخلاق يقولون انها واحدة، فالحق حق ومرغوب فيه وهو فعل حسن في كل العصور والازمنة وفي كل الحضارات، والظلم قبيح عند كل الحضارات".

وبين: "وهذا المبدأ تميز في الحضارة الرومانية واليونانية ثم انسحب للحضارة العربية والاسلامية، حتى أن جل المؤلفات في علم الكلام وعلم الفلسفة طرحت موضوعة الحسن والقبح، بمعنى أن بعض الاشياء فيها قبح ذاتي وبعض الاشياء فيها حسنً ذاتي، تدفع بالإنسان ترك هذا أي القبيح وفعل هذا وهو الحسن، لذلك عندما اتي لدولة بني امية اجدها عملت على اشاعة الايمان ولم تعلمهم حدود الكفر".

واستدرك القول: "المعادلة الصحيحة عندما اعلم الانسان الايمان يجب أن اعلمه حدود الكفر، لكن الدولة الاموية عملت العكس أي انها علمتهم الايمان ولم تعلمهم حدود الكفر، والسبب حتى يكون لديها اعتراض على مسالة مواجهة الامام المعصوم، كذلك لو رجعنا لمسالة الهيكلة العامة للقيم نجد أن القيم الاسلامية لا تبتعد عن القيم العقلية التي اسست في العلوم الغربية، الآن لو اردنا تطبيق أي مبدأ قرآني على الواقع نجد أن اصله متطابق مع الفطرة ومنسجم معها".

واوضح: "بالتالي الاسلام ينظر للعادات والتقاليد الموجودة في الجزيرة العربية قبل الاسلام من منظار امضائي كالشجاعة والكرم وامور اخرى، اما بالنسبة للربا او الحرية او العبودية عمل على التأسيس والتأصيل لها، لذلك عندما نعود لواقعة كربلاء تشخص في الابصار حالة الصراع القيمي، وهذا ليس ببعيد عن تفاصيل مسيرة الامام الحسين عليه السلام من المدينة إلى كربلاء وما رافقها من خطب، بل اكثر من ذلك في يوم العاشر من المحرم خاطب المعسكر المقابل وقال لهم بالحرف الواحد (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا احراراً في دنياكم)".

واكمل: "نستدل من خلال ذلك بان الحرية هي قيمة عليا لا تخضع لديانة معينة ولا تخضع لمجتمع بعينه، بالتالي الامام الحسين عليه السلام لم يخاطب هؤلاء الناس بالقومية العربية، لذلك نحن نستشف من خلال هذا النص أن للقيم نسق، أي انني اذا تجاوزت نسق من الانساق القيمية في المجتمع سوف اسبب كارثة، وهذا ما نعانيه اليوم حيث تخلى الانسان عن مجموعة القيم التي يؤمن بها، واقرب مثال على ذلك هو عدم التسامح وعدم التساهل".

واشار الى ان: "من الامور المهمة التي لابد من التركيز عليها هي (اعادة تنظيم وتعزيز القيم)، وهذا ما حاولت الاشارة اليه بعض الدارسات التي تؤكد على حقيقة (خلط القيم)، ايضا بعض الدول المحتلة والمستعمرة تحاول (ارساء قيم جديدة)، وهذا عنوان شاخص للأبصار من خلال المسلسلات المدبلجة التي دائما ما تحرص على تصدير قيم جديدة، من الامور الاخرى خلق شخصيات مصطنعة هدفها طرح قيم جديدة، والغاية هي طرد القيم الاصيلة التي تعتقد بها وايجاد قيم بديلة مغايرة، الان في الشارع العراقي خط كبير يسعى إلى اثارة الشبهات حول الثوابت من مثل..(ضرب التقليد / الالحاد / لا توجد حياة اخره)".

وفي السياق ذاته اضاف: "لذلك عندما تختل هذه المنظومة القيمية في المجتمع، عندها يسهل على تلك الدولة أن تفرض ماذا تريد، ايضا من الامور الاخرى التي تعصف بالمنظومة القيمية هي (تدمير المنتج الوطني)، وهذا مما يمهد الطريق امام البديل الاجنبي والعزوف عن الحالة الوطنية التي هي جزء من بناء كيان الانسان، الذي اصبح في مهب الريح بفعل تلك التيارات الثقافية والسلوكية المنحرفة والمعادية للخط الوطني والديني، لذا فالحل يكمن في المنظومة القيمية التي ارساها النبي الاكرم محمد واله الطيبين الطاهرين عليهم افضل التحية والسلام".

وفي شأن متصل اكمل: "بالتالي المسؤولية هنا تقع على المثقف وعلى النخب الاكاديمية لإيجاد منهج عمل مدروس لإعادة تلك الثقة المفقودة بالنخب السياسية وبعض الشخصيات التي تدعي التدين، وهذا ليس بالأمر الهين والسهل بل يحتاج اولا لبرامج ترفيهية تركز على القيم الوطنية، ايضا إعداد معارض للرسم الحركي تتناول قيمة من القيم، المحور الآخر هو إعداد معسكرات كشفية للطلبة لزرع بعض القيم المستمدة من تراث اهل البيت عليهم السلام، لتعزيز القيم التي ارسائها معسكر الامام الحسين عليه السلام".

وختم قوله: "ايضا هناك طريق آخر لتعزيز القيم من خلال انشاء العرض الفني والمسرحي، خاصة وأن الكثير من الثقافات الغربية تصدر للمجتمعات الاخرى من خلال الافلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية، نحن نحتاج وبشكل ملح للعودة ثانية الى قيم وتراث اهل بيت النبوة عليهم السلام وإلى قيم وتراث عاشوراء من اجل صقل وبرمجة الوعي المجتمعي مع يتوافق مع نص وروح الرسالة المحمدية الخالدة".

وللخوض أكثر في تفاصيل هذا الموضوع نطرح هذا السؤال التالي:

ما هي القيم التي انطلقت منها النهضة الحسينية؟

القيمة الاهم الاصلاح

علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يعتقد "إن القيمة الاهم والاكثر تركيزا ووضوحا في نهضة الامام الحسين عليه السلام هي قضية الاصلاح، التي طالما اشار اليها منذ خروجه من الحجاز، وهذا ما لا يختلف عليه اثنان حتى من المخالفين للمسيرة الحسينية والاهداف العظيمة والاساسية التي سعت اليه الثورة الحسينية الخالدة، ولكن المشكلة الابرز هو ذلك البون الشاسع بين ما يطرح كصيغة كلامية وبينما يحدث على الارض".

واضاف عبيد: "وهذا ما نعانيه اليوم وعلى مدى التاريخ المنظور والقديم والمتوسط، حيث نعاني من مشكلة الفارق الكبير بين الكلام الجميل والقيم التي نؤمن بها، وبين أن نقف مكتوفي الايدي امام القيمة، بل في بعض الاحيان نقف بالضد من هذه القيمة لأنها تقف امام مصالحنا واهدافنا الدنيوية، لذا فالمسؤولية مشتركة ويتحملها الجميع من رجال الدين والمفكرين والمثقفين وحتى الانسان العادي، فالكل مسؤول عن تطبيق ما خرج من اجله الامام الحسين عليه السلام".

قيم عاشوراء تحمل رسائل متعددة

ويؤكد عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، "على أن الامام الحسين عليه السلام ركز على بناء الدولة وعلى معطيات المجتمع، فالثورة الحسينية الخالدة استقطبت جميع فئات المجتمع ابتداءً من الطفل الرضيع إلى الرجل والمرأة والشاب والكهل، الامر الاخر في اشد حالات النزال كان الامام الحسين (ع) يركز على محورين الخير والشر، بالتالي قيم عاشوراء كانت تحمل رسائل متعددة من صلابة الموقف وعدم النزول عن الرغبات والمصالح الذاتية".

وبين الصالحي "لذلك رسالة عاشوراء تشتمل على بناء اداري وحقوقي وانساني رصين وصحيح، فعندما تتوفر كل تلك المستلزمات عندها تتحقق لديك عوامل وركائز بناء الدولة الحديثة".

العالم اليوم ومع تطور شبكات التواصل الاجتماعي يسير بشكل حثيث نحو تحفيز الجانب الاستهلاكي لدى الانسان وجعله بدون محتوى

الاستلاب الحضاري ومعركة نفي القيم

وركز الشيخ مرتضى معاش، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، "على موضوعة معركة نفي القيم، فمنذ بدء عصر الحداثة كانت هناك دعوات لنفي القيم، عبر التأسيس للمذهب التجريبي، أي ليس هناك قيم بل كل شيء يأتي من خلال التجربة، وهذا نوع من انواع الاستلاب الحضاري والاستلاب الانساني، وهي دعوه صريحة لتجريد الانسان من قيمه الذاتية وخلق انسان مادي".

واكمل معاش القول: "وهذا ما تبناه المعسكر الشرقي كالماركسية والشيوعية وفي المعسكر الغربي المتمثل بالليبرالية، بالتالي فان الشيوعية والليبرالية هما وجهان لعملة واحدة، في اتجاهاتها الشمولية لسلب ونفي القيم الثابتة، واقرب مثال على ذلك هي دولة الصين الشعبية التي تعتبر اكبر قوة اقتصادية في العالم –نظام رأسمالي يديره الحزب الواحد-، لكن الانسان الصيني بلا أي قيمية مادية وهذا ما نجده شاخصا في قضية شعب (الأويغور) المسلم الذي يتعرض لعمية مسخ لهويته واستصال لوجوده، سعيا لخلق انسان مادي فقط لا يحمل أي قيم إنسانية غير قيم الحزب الحاكم،".

ويستدرك معاش "كذلك في الغرب فالإنسان ايضا يتعرض لعملية استلاب كاملة فيصبح الانسان فرديا ومنعزلا، بالتالي هي نوع من انواع العبودية المدنية التي تنمي الملذات الجسدية على حساب الجانب المعنوي تحت شعار حريتي جسدي، هذا الاستلاب يؤدي الى تنمية التبعية والانهزامية والإحباط واليأس الانساني، حتى يشعر الانسان بالعدم وعبثية الحياة، وبالتالي هذه المشاعر هي التي جعلت العالم يعيش حالة من الشك والريبة والتردد وعدم اليقين في كل شيء، خصوصا وان العالم اليوم ومع تطور شبكات التواصل الاجتماعي يسير بشكل حثيث نحو تحفيز الجانب الاستهلاكي المطلق لدى الانسان وجعله بدون محتوى وجوهر".

واوضح ايضا "قضية الامام الحسين عليه السلام وعاشوراء كانت ثورة ضد التضخم المادي، وهدفت الى بناء الانسان من الداخل من خلال بناء المعنويات، وهذا ما دعا اليه الامام الحسين عليه السلام حيث انتفض بالضد من العبودية ومن الانغماس المادي، فالتقدم الحقيقي ليس في ناطحات السحاب والمجمعات الترفيهية الكبرى التي تركز على البناء المادي الفوقي، بل التقدم في جوهره يبدأ من بناء القيم المعنوية والاخلاقية لدى الانسان على اعتبارها هي العنوان الاسمى والاجل في وجود الانسان العاقل الحر".

المثقف العراقي والقضية الحسينية

ووصف الحاج جواد العطار عضو برلماني سابق "خروج الامام الحسين عليه السلام من مكة يوم الثامن من ذي الحجة كان البيان الاول للثورة (اني لم اخرج اشرا او بطرا وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي امر بالمعروف وانهى عن المنكر)، فالأمام الحسين عليه السلام حدد الهدف من الثورة والاليات والمنهج، الهدف هو الاصلاح، اما الآلية فهي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنهج هو منهج الرسول(ص) ومنهج الامام علي عليه السلام".

واضاف العطار "بالتأكيد مسيرة الامام الحسين عليه السلام إلى يوم مقتله كلها تعبر عن قيم.. (الفضيلة / المحبة / التسامح / الحوار / الشجاعة / الوفاء)، كل لقطة من لقطات كربلاء كانت تعبر عن قيمة انسانية، لذلك مدرسة عاشوراء اصبحت عبره كما انها عبرة، المشكلة التي نعاني منها اليوم أن المواساة لا يقابلها بالكم والكيف الاقتداء، فالعبرة غزيرة ولكن العبرة قليلة، مسيرة الامام الحسين (ع) بالتأكيد هي عبرة وعبرة".

واوضح العطاء "فلا استشكل على العبرة، لكن استشكل اننا لم نتأسى ولم نتعاطى مع العبرة، بالتالي المشكلة لا تقع على اولئك الناس الذين يمارسون الشعائر الدينية، المشكلة في النخب المقصرة بالتعاطي بشكل حضاري مع ثورة الامام الحسين وقيم الثورة الحسينية، فالمثقف العراقي من السهل عليه انتقاد الشعائر الحسينية بالطريقة التقليدية من دون ان يقدم الحلول الحضارية التي تخدم القضية الحسينية".

الإصلاح من خلال تغيير الحكومات المستبدة

الدكتور قحطان حسين الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يجد "إن قيم عاشوراء تشترك بها كل الحضارات وكل الشعوب وكل الامم، لان القيم هي التي استقرت عليها قناعات الشعوب واعترفت بمصلحتها للامة، لذلك فان قيم عاشوراء المتمثلة في الخروج على الظالم وطلب الحرية وعدم الخنوع والاستسلام للحكومات المستبدة، نجدها موجودة لدى كل الحضارات التي دائما ما تخلد الثائرين وتخلد المضحين، الذين يقفون بوجه الظلم والاستبداد لينالوا من خلالها حريتهم وحرية شعوبهم".

اضاف الحسيني "تركت لنا ثورة الامام الحسن عليه السلام الكثير من القيم والكثير من العبر، منها أن الامام الحسين عليه السلام اقتنع قناعة تامة بان الإصلاح والتغيير لا يتم الا من خلال تغيير الحكومات المستبدة، وألا هو كان يستطيع أن يبقى مرشدا وموجها وبما يمتلكه من مكانة ومركز اجتماعي كبير، لكنه كان على اليقين بان تغيير الحكومات الظالمة هي حالة ملحة، ايضا من القيم الكبيرة التي جسدتها ثورة الامام الحسين عليه السلام هي الايثار، الامام الحسين عليه السلام لم يطلب منفعة شخصية".

يكمل الحسيني "بل كان يبغي من ثورته انقاذ الامة مما لحق بها من ظلم واستبداد وجور كبير، ايضا من القيم الكبيرة التي شخصتها ثورة الامام الحسين عليه السلام هو الايمان الحقيقي بوجوب الوقوف بوجه الفساد والمفسدين ومهما كانت التضحيات، لذلك كان الامام الحسين عليه السلام كان يعي النهاية الحتمية لهذا النزال، لكنه رغم ذلك لم يتراجع ولم يستسلم من اجل الثبات على الموقف، اما ما يخص استبدال القيم بقيم اخر من قبل بعض الاشخاص فهذا الامر غير مستساغ، خاصة وأن القيمة ليست من صنع انسان معين بل هي صناعة امم وحضارات ومدارس فلسفية صحيحة".

واختتم الحسيني: "فعندما يقوم البعض بمحاولة استبدال قيمة انسانية نبيلة بأخرى لدواعي مصلحة شخصية، فهذا العمل فاشل ولا يمكن أن ينجح باي طريقة كانت، لماذا لان القيم ما استقرت عليه قناعات الامم والشعوب والحضارات والنظريات الفكرية على صحتها وجدوها في المجتمع".

قيمة القيم أن لا تبقى على الرفوف

الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يحدد "القيمة على انها مفردة القيم، علما ان للقيم معاني متعددة ومتنوعة وهي عبارة عن (الشيء الثمين والغالي)، وأن من معاني القيم هي..(القيام / الثبات / الاستمرارية / الاعتدال / الاستقامة)، بالنتيجة القيم تصبح معيار لسلوك الافراد والمجتمعات، وايضا هي معيار لنجاح المجتمع لوصوله إلى قيمه، فانت عندما تريد أن تحكم على مجتمع تحدد ذلك من خلال سلوك وخيارات ذلك المجتمع والمستوي الذي وصل اليه".

ولفت العرداوي: "بالتالي نحن لابد أن نضع معيار محدد لقيم الثورة الحسينية، وذلك من اجل أن نحدد خياراتنا هل نحن حسينيون فعلا ام الامام الحسين عليه السلام في وادي ونحن في وادي اخر، والغريب أن قيم عاشوراء هي قيم بسيطة وهي ليست الغاز حتى نعجز في الوصول اليها، وعلى رأس تلك القيم هي العدل وهي معيار لأي حكومة، بالتالي الحكومة الظالمة ومهما كانت انتمائها هي محاربة ولا يمكن القبول بها، ايضا العدالة الاجتماعية والعدالة في توزيع الدخل والثروة هي قيمة مهمة من قيم عاشوراء، كذلك ينظر للكفاءة على انها عنوان وقيمة اساسية من قيم عاشوراء".

يكمل العرداوي "ناهيك عن بقية القيم الاخرى كالثورة، فانت عندما تجد ظرف سيء وغير عادل فلا يمكن السكوت عليه، بالتالي الثورة بحد ذاتها هي قيمة، ختاما لا يمكن الاحاطة بجميع الجوانب القيمية التي تحتوي عليها الثورة الحسينية الخالدة، ولكن تبقى قيمة القيم أن لا تبقى على الرفوف، بل لابد ان تتحول تلك القيم إلى سلوك وإلى منهاج عمل، الشيء الاخر عندما لا توجد البيئة المناسبة كي تعمل تلك القيم لا يمكن أن تحمي الانسان من أن ينجرف نحو القيم السلبية".

وانهى العرداوي حديثه: "بالتالي نحن لدينا فجوة كبيرة بين قيم الثورة الحسينية وهي قيم كبيرة جدا، ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه وبعد مضي (1400) عام اين تقف قيم الثورة الحسينية واين تقف المجتمعات الاسلامية؟".

هل نستطيع أن نضع القيم في ميزان؟

هل نستطيع أن نضع القيم في ميزان أو تسلسل ام كل القيم هي في بوتقة واحدة؟

بهذا التساؤل بدأ الاستاذ المساعد الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم، مداخلته حيث قال "إن قيم عاشوراء هي ليست جديدة على الامام الحسين عليه السلام، انما هي امتداد طبيعي لقيم الرسالة المحمدية ولقيم اهل البيت عليهم افضل الصلاة وتم التسليم وكل الائمة المعصومين هم عبارة عن مشروع واحد، هذا المشروع هو بناء الانسان، لذلك كانت ادوار الائمة المعصومين عليهم السلام مختلفة ظاهريا، ولكن في الباطن والسلوك والوجدان هي واحدة، فلو نظرنا مثلا لقيمة واحدة من قيم عاشوراء وهي العدالة".

اضاف الحسيني "سنجد أن الرسول الاكرم محمد (ص) وامير المؤمنين عليهم السلام ضربوا اروع الامثلة حينما تصدوا للحكم، والامام الحسين عليهم لسلام حينما كان في المعارضة ايضا ضرب اروع الامثلة في هذا السياق، جاء الامام الحسين عليه السلام ليكرس هذه القيمة في ثورة عاشوراء، وذلك على اعتبار أن تلك الثورة ستأخذ ابعاد انسانية وعالمية على مدى الدهور والعصور وهي لا تختص بالحضارة الاسلامية، كذلك في عاشوراء كانت هناك مساواة تامة واحترام لقيمة الانسان".

يكمل الحسيني "فالأمام الحسين عليه السلام لم يفرط في المشورة فتارة يشاور اصحابه واهل بيته، وتارة اخرى يشاور اخته زينب الكبرى عليها السلام، هذا يدلل أن قيمة المرأة عند اهل البيت عليهم السلام لا تقل عن قيمة الرجل، لذلك القيم التي انطلق منها الامام الحسين عليه السلام هي تأكيد واضح وجلي لقيمة الانسان، لان الانسان هو القيمة الوحيدة وهذا ما اشار اليه القرآن الكريم في ذات مره منها..(وكرمنا بني ادم وحملناه في البر والبحر)، بالتالي جميع القيم هي قيم فرعية مستقاة من قيمة اساسية وهي الانسان".

وختم حديثه ايضا "فالإيثار على سبيل المثال الموجود في كربلاء هو نفس الايثار الموجود في معركة احد، نفس المثال نجده عند الامام العباس عليه السلام، بالتالي لابد أن نستفسر عن حقيقة هل نستطيع أن نضع القيم في ميزان أو تسلسل ام كل القيم هي في بوتقة واحدة؟.

عاشوراء بحر زاخر

ووصف الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، "عاشوراء بانها بحر زاخر نستلهم منه ما نريد، خاصة وأن الامم والحضارات السالفة دائما ما تبني تلك الحضارة على قيمة من القيم فمثلا الانكليز كان لهم ولاء عالي للتاج الملكي وللفروسية، الرومان من جانبهم عمدوا إلى تبني القيم الديمقراطية ومشاورة الشعب، الفرس تبنوا قيمة العدالة، العرب كذلك كانوا يعتقدون بقيمة الكرم والشجاعة، بالتالي نجد كل امة تبني حضارتها على قيمة معينة".

واستدرك جويد القول "فما جاء به الامام الحسين عليه السلام كقيمة عليا هي الحرية والمساواة والعدالة، وهذه حقيقة متجذرة منذ بداية البعثة النبوية الشريفة حينما ساوى الرسول الكريم(ص) بين الناس، وفي عهد الامام علي عليه السلام الذي كان يساوي بينه وبين قنبر فيشتري لقنبر الثوب الاجمل والابهى، والامر لا يختلف عند الامام الحسين عليه السلام عندما اراد اخراج الانسان من العبودية ومن الرق إلى نور الحرية، فالإنسان وللأسف الشديد ينصاع احيانا للعبودية من حيث لا يدري فحب الشهوات عبودية حب السلطة عبودية حب المال عبودية".

واكمل جويد "لذلك فان اهداف الثورة الحسينية كانت من اجل اخراج الناس من التسلط ومن العبودية ومن الذل والمهانة، ولولا تلك الحقيقة لما تجذرت تلك الثورة واصبحت نبراس وضاء في وجه الباطل".

الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

واعتقد الاستاذ المساعد الدكتور حيدر حسين أحمد آل طعمة، التدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة كربلاء، والباحث الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية: "إن المجتمع العراقي بحاجة ماسة لاستذكار واستلهام القيم العليا التي جاءت بها الثورة الحسينية، خاصة ونحن اليوم بحاجة ماسة لثلاثة قيم اساسية لغرزها في مجتمعاتنا، شريطة أن نركز على الممارسة اكثر من التفكير بها، فالأمر الاول هو (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا الامر غائب عن الواقع العراقي، الامر الثاني هو (مواجهة الفساد بكافة الوسائل المتاحة) علما أن موجهة الفساد لها تضحية ولها ثمن، القيمة الثالثة هي (قيمة التسامح) وهذه ايضا مفقودة في مجتمعاتنا، لذلك نحن نحتاج لاستنهاض تلك القيم والتأكيد عليها على مستوى الممارسة اكثر منها على مستوى القراءة".

رسالة اخلاقية لكل الامم

مسك الختام كان مع خالد الثرواني مدير تحرير وكالة النبأ للاخبار، الذي قال: "إن مضامين الثورة الحسينية هي كتاب مفتوح ورسالة خالدة في ضمير الانسانية، خاصة وأن قيم عاشوراء ذات انماط انسانية واخلاقية وسلوك تعجز الدنيا عن مسيرتها إلى الان، لذلك هي رسالة اخلاقية لكل الامم ولكل الحضارات ولكل الشعوب من اجل انصاف الانسان كقيمة عليا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1