يعوزنا الكثير من المهارات هنا في مدينتي وبلدي، كما يعوزنا التخطيط لاستثمار الفرص لتطوير العقول اليافعة، ودفعها للتفكير بشكل يجعل منها قادرة على بناء الحياة ورفدها بالمقومات الصحيحة، لمواكبة ما يجري في العالم من تسارع في التطورات على أكثر من صعيد، فهل يمكن أن نحدد ما يعوزنا بالضبط؟

أولا من المهم أن نعترف بأن المهارات لدينا فقيرة، وشبابنا – نسبة واضحة منهم- يعانون من نقص المهارات، وما يعوزنا أيضا هشاشة القيم، فهناك هجوم قيم (مادية) تسعى لاحتلال مكان قيمنا الأصيلة، وهذا النقص أخطر من المهارات، بل أخطر من كل النواقص الأخرى، لماذا؟ لأن القيم هي التي تتحكم بطبيعة تفكيرنا وتوجّه سلوكنا.

ما هي فرص معالجة النواقص المحرجة الواردة في أعلاه؟، هل لدينا خطط لرفع المهارات، هل واجهنا الهجوم الخطير للقيم المادية علينا؟، بالطبع مسؤولية هذه المعالجات تقع على الحكومة أولا، وعلى المنظمات المختصة، لكننا طالما نسعى لبناء دولة مدنية ومجتمع مدني، فهذا يوسّع من حدود المسؤولية ليجعل الجميع معنيٌ بها حتى المواطن العادي عليه مسؤولية صناعة المجتمع المدني.

في مثل هذه الأيام نعيش في العراق وكربلاء المقدسة تجمعات هائلة من الزوار الكرام، تتدفق لتجتمع في هذه المدينة، من ضمن ما نقترحه على المسؤولين (حكومة ومنظمات مدنية ودينية)، استثمار التجمعات البشرية من هؤلاء الزوّار (ونسبة شريحة الشباب فيها عالية)، لتطوير المهارات الفكرية والسلوكية، كيف؟، الجواب تُقام في هذه المناسبة آلاف السرادقات تُشيَّد على امتداد الشوارع في كربلاء والمدن العراقية الأخرى، تسمى بالمواكب، هل بالإمكان جعل بعض هذه المواكب مخصصة لتطوير الوعي الشبابي؟ بالطبع نعم ممكن جدا، كيف؟، بالإمكان تقديم عروض مسرحية تعرض القيم الأصيلة من خلال مضامين معاصرة تتبنى قيم الإيثار والتعاون والتسامح والحرية والإخلاص والإنصاف وغيرها من القيم!.

بالإمكان تقديم ندوات فكرية تزيد وعي الشباب وتوسع من حدود أذهانهم وتفكيرهم، من خلال التعرض لأفكار جديدة على أن يسهم في مناقشتها الحاضرون من جمهور شبابي أو من الفئات العمرية الأخرى، وماذا أيضا؟ بالإمكان تنظيم المهرجانات الشعرية والأدبية التي تمّي القيم الوطنية والإنسانية للحاضرين من الزائرين الكرام، كذلك بالإمكان فتح المجال أما الشباب في المجالات التطوعية التي تقدم مختلف الخدمات للزائرين.

وأنا أتجول في مدينتي، رأيت مشاهد مما قدمتهُ من مقترحات، ولكن لم يكن منظّما بما يكفي ولا مخطَّطا له بما يستحق من اهتمام، دخلت أحد المواكب التي قدمت عرضا مسرحيا حضره جمهور جيد معظمه من الشباب المتعطّش للوعي والعلم والمعرفة والمهارات أيضا، كان مضمون العرض المسرحي يركّز على قيمة الإيثار عبر ملحمة الطف، وشخصية المسرحية الرئيسة سيدنا (العباس بن علي) عليهما السلام، وهو يضحّي بأغلى ما يملك (روحه) كي يجلب الماء للنساء والأطفال العطاشى من أهل وذرية الإمام الحسين عليه السلام.

كانت تفاصيل العرض مهمة، ولغة المسرحية مشذبة ومثيرة للمتابعة والانتباه، والخط الدرامي المسرحي في حالة تصاعدية تهيمن على الجمهور الشبابي، ومثل هذه العروض المسرحية التي تهدف إلى تعميق القيم الأصيلة في نفوس وقلوب وعقول الشباب، في غاية الأهمية، وقد استقبلها الجمهور الشبابي بتفاعل كبير، لا أقصد هنا التفاعل العاطفي السريع، بل التفهّم الواعي لما قدّمه مضمون المسرحية من تركيز على قيمة الإيثار والتضحية من أجل الآخرين.

وما أن خرجتُ من سرادق العرض المسرحي، حتى شاهدتُ بكثير من الغبطة والأمل عددا من الشباب، يقومون بجمع النفايات، علب الماء الصغيرة، وقسم منهم يكنسون مخلفات أخرى، ويضعونها في أكياس، ثم يجمعونها في حاويات مخصصة لجمع المخلّفات المختلفة، حتى بدا الشارع نظيفا، والرصيف يلمعُ تحت وهج الشمس، كان عمل الشباب التطوعي فيه الكثير من الحرص والحماس، أدخل السرور في قلبي وقلوب كثير من المارة وهم يتابعون بشغف ما يفعله هؤلاء الشباب.

هل هناك مهارة ما فيما قدمه هؤلاء الشباب؟، قد يقول أحدهم لا وجود لتعليم الشباب أو رفدهم بالمهارة في مثل هذه الأعمال التي لا تتعدى تقديم الجهد العضلي، ولكن أليس التعوّد على العمل التطوعي، والخدمة بلا مقابل نوعا من المهارة التي يجب أن نعتاد عليها جميعا، ثم إذا أصبح الشباب على استعداد للعمل الطوعي، ألا يمكنه اكتساب مهارات أخرى في حال تم وضع برنامج تدريبي واضح للشباب من جهات مختصة حكومة أو مدنية؟، نعم الطريق أمامنا طويل ولكن يجب أن نبدأ ونطوّ كل الأساليب والمضامين والأفكار والفرص التي تجعل من شبابنا محبين للعمل الطوعي وباحثين عن المهارات المختلفة.

بالنتيجة نحتاج إلى ترسيخ القيم الأصيلة كالإيثار في مواجهة القيم المادية الدخيلة، ونحتاج إلى تطوير مهارات الشباب على أن نبدأ أولا بزرع حب العمل الطوعي في نفوسهم، وفي حال تم الاستفادة من التواجد البشري الهائل للزوار في عاشوراء، وتم وضع الخطط والبرامج المسبقة لهذا النوع من الاستثمار، فإننا سوف نشقّ الطريق الصعب نحو أهدافنا الحاسمة، مواجهة القيم المادية، تطوير المهارات، حب العمل الطوعي، لنصل إلى مجتمع مؤمن ملتزم ومحصَّن من أمراض القيم الغربية الفتاكة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0