ما الفرق بين من يبحث عن الموت في ثورة خاسرة ليهب الآخرين قيم هذه الثورة، وبين من يُساق الى الموت غدراً في ثورة منتصرة وهو يتحدث ايضاً عن قيم هذه الثورة؟!

ثورتان عالميتان شهدهما العصر الحديث؛ الاولى: في فرنسا عام 1789، والثاني: في روسيا عام 1917، كانت السمة البارزة لهما؛ الجماهيرية، وأنها استجابت لآلام الفلاحين والمضطهدين من سطوة الملك الطبقة الارستقراطية، على أمل ان يكون البديل نظام حكم يحقق العدالة والحرية والسلام، وهي الافكار التي انطوت عليها الثورتان وبشرت بها في العالم، وبرزت منهما شخصيات قيادية بارزة كان لها الدور الكبير والمؤثر في مجريات الثورة والمرحلة اللاحقة لها، عندما تحولت الثورة الى دولة ونظام حكم.

وكما يُقال: "العبرة بالنتائج"، فان الجماهير التي كانت –وماتزال دائماً- وقود هذه الثورات فوجئت بنتائج غير متوقعة وصادمة، ليس فقط لم توفر لها البديل المأمول، وإنما ادخلتها في نفق مظلم جديد ملؤه الدماء والاعدامات المطاردات ومصادرة الحريات، والأكثر صدمة للجماهير أن المشاهد الدموية المريعة في روسيا وفرنسا كانت تحسب لخدمة الطبقة العاملة والمضطهدين والطبقة المسحوقة، في وقت كان ابناء هذه الطبقة نفسها هم من يدفعون ثمن الصراع على السلطة والهيمنة بين من يسمون انفسهم "المناضلين".

ماذا كان ينقص الثوار في فرنسا وروسيا؟

الى ما قبل انطلاق أي ثورة في العالم، فان الناس ربما لا يكفرون يوماً بأن وضعهم المزري والمأساوي سيتغير، فهم بين صباح ومساء، والايام والشهور والسنين تمر عليهم مثل نهر جارٍ دون توقف، وهم عديمي الارادة لا يقوون على فعل شيء رغم الظلم والتعسف من قبل القوي سياسياً او اقتصادياً، وعندما يلاحظوا ظهور اشخاص بينهم يتحدثون عن التغيير والثورة على الواقع الفاسد، فان الصورة الذهنية التي ترتسم لديهم فوراً، أنهم قطعاً؛ ليسوا مثل أولئك الطغاة والظلمة، إنما هم يمثلون ضمير الجماهير، ويحملون القيم الانسانية والاخلاقية المغيبة.

ان مستوى تفكير الناس في ظل انظمة الجور والطغيان، تحقيق المساواة في فرص العمل والتوزيع العادل للثروة، والحرية في جميع شؤون الحياة، والكرامة الانسانية، هذه المطالب وغيرها، لا تتحقق إلا بتوفر منظومة القيم الاخلاقية التي يفترض ان تسود بدلاً من قيم السلطة الغاشمة، حيث الاستئثار، والاستعباد، وهذا ما لم يتوفر في الثورة الفرنسية ولا في الثورة الروسية، بل إن الايديولوجيا الماركسية ذهبت الى حد إتهام الاخلاق على أنها "خدعة برجوازية"، تمنع الجماهير من الانقضاض على الاقطاع الظالم! وتدعو – الى حدٍ ما- الى تخدير الناس وترغيبهم بقيم مثل التعاون والتكافل والتواضع والاحترام المتبادل.

يكفي أن نلقي خاطفة على رموز ثورية مرموقة مثل دانتون وديمولان في الثورة الفرنسية، وفي الروسية؛ ليون تروتسكي، فهؤلاء قادوا الجماهير للثورة على الواقع الفاسد متمثلاً بالنظام الملكي والاقطاعي، بيد أنهم قضوا نحبهم بشكل مريع في مسيرة الثورة نفسها، وعلى يد أصدقائهم الثوار، ففي الثورة الفرنسية وقع روبسبير، وكان حينها وزيراً للعدل على إعدام رفيقيه منذ الطفولة –دانتون وديمولان- وهما في العقد الثلاثيني من العمر، وقدم رأسهما الى المقصلة، بتهمة العداء للثورة! وهو الشعار الذي تم استنساخه فيما بعد ليصل الى جميع البلاد الثورة في العالم، بيد أن حقيقة التهمة الاختلاف على طريقة الحكم ليس إلا، فقد كان الثوار يخشون على مكاسبهم السياسية من وجود بقايا الملك والاقطاع والقساوسة، فكانت المقصلة تعمل ليل نهار لتصفيتهم، وهذا ما عارضه دانتون وديمولان، ودعوا الى منهج الرأفة وعدم الايغال في الدماء، فاذا كان دانتون ورفاقه قد انتصروا في ثورتهم عام 1789، فانه وصل الى المقصلة عام 1794، أي اربع سنوات فقط.

نحن المشكلة حصلت في روسيا عندما انتصر البلاشفة على القيصر عام 1917 بدعوى الانتصار للمضطهدين ممن اسموهم بالطبقة العاملة، والتي رفعوا شعاراً غريباً آنذاك، بانهم هم من يجب ان يحكم! بيد ان هذا الحكم هو الذي أودى بحياة قائد كبير مثل ليون تروتسكي، الكاتب والمفكر، الذي كان في تلك الفترة يوازي لينين في قيادة الجماهير للثورة على القيصر، وحسب المصادر فان تروتسكي سبق لينين في التنبؤ بانتصار الاشتراكية في روسيا، بيد أنه كان الى جانب ذلك منظراً لـ "الارهاب الأحمر" عندما وضع قواعد وأسس الجيش الأحمر الذي رأه بمنزلة "الأداة لقمع طبقة محكوم عليها بالموت"، كما يقول، ليكون من اكثر المخلصين لمبادئ الصراع الطبقي، وإن كلف قتل الملايين.

ولكن؛ شخصية بهذه المنزلة نراه يقتل بأبشع صورة، ليس في روسيا، وإنما في بلاد تبعد آلاف الكيلومترات عن مسقط رأسه؛ في المكسيك التي هرب اليها من مخالب ستالين، الطامح الى السلطة، والذي كان يخشاه على مستقبله السياسي، فقد تم قتله بالفأس غدراً في داره بالمكسيك رغم اجراءات الحماية له من محاولات اغتيال عديدة فاشلة، ودفن هناك، حتى إن زوجته لم تتمكن من دفنه في مسقط رأسه.

أيُّ فسادٍ ننتصر عليه؟!

هذا هو السؤال المحوري الذي حاول معظم دعاة الثورات في العالم؛ قديماً وحديثاً، الالتفاف عليه، وتوجيه الانظار الى البعيد، حيث قصور الحكام، وسجونهم، ومراكز قوتهم العسكرية والاقتصادية، على أنها منبع الفساد والعلّة الاساس في بؤسهم ومعاناتهم، ولذا فان أي شخص يتكلم بغير هذا، كان يتهم بانه معادٍ للثورة ولطموحات الجماهير، حتى وإن نصح بعدم السرقة والتطاول على حقوق الآخرين، وإصدار الاحكام والاتهامات جزافاً.

وربما يكون المنظرون لثورات كهذه يعلمون تماماً أن القضية ليست بهذه السهولة، كونها تتعلق بما يكنه كل انسان في نوازع وغرائز بحاجة الى وقت ومنهجية خاصة للتعامل معها وتقويمها، بينما هم يتطلعون للجلوس على كرسي الحاكم الظالم! وهذا ما دعى العلماء والمفكرون في العصر الحديث لأن يلتفتوا الى هذه النقطة تحديداً والإجابة عن السؤال الآنف الذكر، بأن الكفاح ضد الظلم والطغيان يجب ان يبدأ من نفس الانسان وليس من خارجه، حتى يكون تغيير الواقع الفاسد، تغييراً حقيقياً يأتي بثماره الحسنة في الحياة، فيسود العدل والإحسان وجميع الفضائل والقيم الانسانية، وكان أول من كشف هذه الحقيقة الكبرى؛ القرآن الكريم عندما بيّن في غير آية كريمة أن الانسان ظلوم وجهول و ميّال الى الخداع والتنصّل، وقد وجدت هذه الخصال لتكون مادة للاختبار الدائم للارتقاء والتكامل.

وهذا تحديداً ما سلط الضوء عليه، الامام الحسين، عليه السلام، في نهضته الإصلاحية الكبرى، فقد أعلنها صراحة للجميع بأنه لا يذهب الى تولي الحكم، وإنما للقاء الموت، وهذا لم يكن رد فعل لما فعله أهل الكوفة بمسلم وهاني بن عروة، ما بلغه منهم من خذلان وتغيّر كامل في الموقف، وإنما من الساعات الاولى من انطلاقته من مكة باتجاه العراق عندما قال: "خطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني لأسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف"، وجاء ايضاً عنه، عليه السلام: "وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء"، بمعنى انه عازم نحو محل اختبار تاريخي وعظيم لمن يتمكن من الموت في صراعه مع الظلم والطغيان والانحراف في ذاته.

التشكيلة العجيبة في اصحاب الامام الحسين، عليه السلام، جسّدت أروع وأرقى مصاديق الصراع الداخلي في النفس الانسانية، فقد ضمت قافلة الامام منذ انطلاقها من مكة اعداداً كبيرة تفوق الثلاثة وسبعين المتبقين الى النهاية، بيد إن الهزيمة النفسية في هذا الصراع دفع باصحابها للعدول عن مسيرة النهضة الحسينية، والاسباب كثيرة، ربما تكون في ذلك الزمان باشكال معينة، واليوم تكون باشكال اخرى.

وإلا ما الذي جمع زهير بن القين، المعروف بميوله العثمانية، بمعسكر الامام في الايام الاخيرة؟ وما الذي دفع بالحر بن يزيد الرياحي لأن يغير موقفه في اللحظات الاخيرة والتخلّي عن الجيش الأموي ويلتحق بالنهضة الحسينية؟

عندما نقرأ في بعض النظريات الثورية المدّعية الدفاع عن الجماهير المسحوقة والمضطهدة، نجد أنها تتحدث عن "حتمية تاريخية" تضمن لهؤلاء التغيير الحتمي لصالحهم من الاقطاع والرأسمالية والاستغلال، والى عالم الاشتراكية السعيدة، ولا حاجة للناس لتجشم عناء التفكير والتدبّر في حاضرهم ومصيرهم، وكيف يجب ان يعيشوا في الحياة، فضلاً عن التفكير فيما بعد هذه الحياة، بيد أن الحر فنّد هذه النظرية سلفاً منذ قرون عديدة، فيما بقي الآخرون نيام على أثير الوعود ينتظرون التغيير من الآخرين، فلم يأت منهم سوى الخذلان ومزيد من الحرمان والظلم والتعسف.

النهضة الحسينية التي يطلق عليها البعض "ثورة" لم تأكل ابنائها كما فعلت الثورات في العالم، ومن شدة المساوئ المتمخضة من هذه الثورات أن بات يُقال: "الثورات يصنعها الحكماء، وينفذها الابطال ويحكمها الجبناء"، بل العكس تماماً، فانها طَعِمت الاجيال والأمم الدروس البليغة في كيفية التغيير الحقيقي للواقع الفاسد، وهذا أحد اسرار بقاء النهضة الحسينية جذوة متقدة في النفوس تتحسسها الاجيال على مر الزمن لانها تلامس النفس والروح وتدعو الى التغيير لما فيه صلاح الانسان نفسه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4