من عام الى آخر يشهد شهر رمضان الكريم من ناحية الثقافة الترفيهية أهمية كبرى بالنسبة لشركات الانتاج الفني والقنوات الفضائية التي تتسابق في كسب اكبر فئة من المشاهدين بهدف الربح المادي، وينسى منتجو هذه الاعمال الاهمية الدينية والايمانية لهذا الشهر المبارك الذي يتميز عن باقي الشهور من الناحية الدينية كونه شهر الصيام والقيام للمسلمين، ومن مزايا هذا الشهر المهمة انه يساعد على تجمع اكبر عدد من الناس في مكان واحد، كما انه يشيع اجواء الألفة والحميمية بين افراد الأسرة الواحدة، لهذا صار ديدن المنتجين والمخرجين تقديم الاعمال الدرامية عبر الشاشة الصغيرة مستثمرين مزايا هذا الشهر لتحقيق مآربهم المادية الخاصة!.

فقد أصبحت الدراما التليفزيونية التي تنطوي على تشويق واثارة صناعة ضخمة لمضاعفة الموارد المالية، مع تجاهل انتاج الاعمال الثقافية الفكرية والدينية، إذ تقدم وسائل الاعلام ولا سيما القنوات الفضائية زخما من المسلسلات والبرامج عبر الشاشة الصغيرة؛ يصفها اغلب الناقدين بأنها فارغة من المضمون؛ وكأنها جاءت لتملأ الفراغ الاجتماعي، وبالتزامن مع اضطرابات سياسية وامنية واجتماعية تعاني منها بعض الدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية.

ويبدو ان الاحداث السياسية والتطورات الامنية لها تأثيرها في انتقاء بعض المضامين الفنية التي حاولت ان تعكس الواقع السياسي والاجتماعي عبر الفن، وقد شهد اليوم عالم المسلسلات الرمضانية دخول وافد جديد بقوة هذا العام يتمثل بالاعمال التي تنتقد تنظيم داعش الارهابي بطريقة ساخرة كما نلاحظ ذلك عبر مسلسل تلفزيوني من بطولة الفنان السعودي ناصر القصبي، وقد حصد هذا المسلسل على نسب مشاهدة عالية جدا لارتباطه بداعش وحاول هذا العمل الدرامي أن يظهر تنظيم داعش الارهابي على حقيقته من خلال فضح ممارساته وفكره الاجرامي بذريعة تنفيذ الشريعة الاسلامية الذي هو ابعد شيء عن كل ما يمت بصلة للإسلام الحقيقي الانساني.

فيما أثار مسلسل "حارة اليهود"، ولا يزال يثير جدلا كبيرا في مصر بين مؤيد ومعارض، كما أنه أحدث ضجة في إسرائيل حيث تحولت ردود الفعل من الإعجاب إلى الغضب، هذا المسلسل الدرامي تبثه عدة محطات فضائية مصرية، يروي شكل الحياة في هذه الحارة الواقعة وسط القاهرة والتي تتبع لحي الجمالية التاريخي، ويصور أنشطة سكانها بمن فيهم اليهود عقب ثورة تموز/يوليو 1952، ويتطرق أيضا إلى الأوضاع السياسية في مصر ومدى تأثيرها في حياة المصريين.

في حين يواجه الممثل المصري عادل إمام انتقادات على دوره في مسلسل "أستاذ ورئيس قسم" لكون دوره كأستاذ يساري معارض للنظام "غير مقنع" للجمهور الذي انطبعت في ذهنه مواقفه الرافضة لثورة 25 يناير، وتحول عادل إمام في السنوات الماضية إلى المسلسلات بعد ربع قرن من الابتعاد عنها، وذلك على خلفية تراجع الإنتاج السينمائي في مصر منذ ثورة 25 يناير وما تلاها من اضطرابات. وكان أول مسلسلاته الجديدة "فرقة ناجي عطا الله"، تلاها ثلاث مسلسلات بينها المسلسل الأخير الذي ينتقد فيه مختلف التيارات السياسية.

وصار شهر رمضان من كل عام موسما مميزا لعرض المسلسلات الجديدة نظرا لارتباطه بتجمع الأسرة حول مائدة الافطار وبعدها، فقد أصبحت الدراما التليفزيونية صناعة ضخمة لا تقل عن السينما، فمن عام إلى آخر تشهد الدراما التليفزيونية العربية تطورا كبيرا في الإنتاج والتصوير والنصوص واستقطاب النجوم وقنوات العرض وخاصة في شهر رمضان، لكن يبقى التساؤل الاهم ما هو دور هذا الاعمال الدرامية في تعزيز الطقوس الايمانية وفضائل شهر الله الكريم ورمز العبادة والايمان للمسلمين والخير الدائم للعالم الإسلامي؟.

داعش في الدراما السعودية

في سياق متصل تلقى نجم تلفزيوني سعودي تهديدا بالقتل لاستخدامه سلاحا جديدا ضد تنظيم الدولة الإسلامية الضحك، ونال ناصر القصبي الذي يقدم المسلسل التلفزيوني "سيلفي" على قناة إم.بي.سي المملوكة لجهات سعودية الإشادة من أصوات ذات ثقل في الشرق الأوسط لجرأته في السخرية من الجماعة المسلحة المتشددة.

وفي أحد المشاهد يبدأ أشخاص يؤدون أدوار مقاتلين ارهابيين في "سوق لبيع الفتيات" في انتقاء بعضهن من صف طويل لنساء خطفن في ميادين المعركة، ويعلو صوت يبدو ساذجا يؤدي القصبي دوره قائلا "يا جماعة.. هذولا أطفال.. حرام عليكم.. خافوا الله"، ويرد منظم المزاد "أي حرام.. استغفر ربك يا رجل"، ويختار أحد المقاتلين فتاة لتكون له "زوجة" لكن سرعان ما يتضح أن صاحبة الرداء الأسود ليست سوى صبي في ملابس نساء، وحين أشار أحدهم للخطأ الواضح قال المقاتل الأول "لا مشكلة.. طالما كافر ومتشبه بالنساء ويخدع المجاهدين.. ينفع يكون سبية". بحسب فرانس برس.

ويقول القصبي إن الرسالة في برنامجه - رغم تقديمها في قالب ساخر - فإنها في منتهى الجدية، ويقول إن التهديدات التي تلقاها من أنصار الدولة الإسلامية منذ بداية العرض لا تخيفه، وقال في مقابلة مع قناة العربية الفضائية "في الأول والأخير الحامي هو الله.. مهمة الفنان هي كشف الحقيقة حتى ولو كانت على حسابه. و"اضاف "هذا ثمن يجب أن ندفعه ولو كنا غير جادين لبقينا في بيوتنا".

وفي رد سريع من أحد مؤيدي الدولة الإسلامية كتب مستخدم على تويتر يسمي نفسه جليبيب الجزراوي "أقسم بالله لتندم يا زنديق"، وأضاف في تغريدة تم تدوالها أكثر من ثلاثة آلاف مرة "لن يرتاح بال للمجاهدين في الجزيرة حتى يفصلوا رأسك عن جسدك والأيام بيننا"، لكن آخرين من المشاهير في الشرق الأوسط عبروا عن دعمهم له، الى ذلك اكد الممثل السعودي الشهير ناصر القصبي الذي سخر من تنظيم داعش والاسلاميين في المملكة، انه لن يكف عن "التعبير عن رايه" رغم تهديدات بالقتل تلقاها عبر الانترنت.

على صعيد ذي صلة دعا الشيخ سلمان العودة، الداعية السعودية المعروف، القائمون على برنامج "سيلفي" الذي تبثه قناة MBC إلى التوبة إلى الله، ومراجعة النفس، مؤكدا أن دعوته إلى التوبة عامة وتشمل كل إنسان، من الملك سلمان "العاهل السعودي" إلى الصعلوك سلمان، مشيرا إلى نفسه خلال لقاء تلفزيوني على قناة الخليجية نشرته على يوتيوب.

وأكد العودة في لقائه مع مذيع البرنامج عبدالله المديفر أنه لم يشاهد برنامج "سيلفي" ولكنه تابع ردود الفعل حوله على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفها بأنه ردود قوية جدا، وأنها "عفوية في الغالب". بحسب السي ان ان.

وردا على سؤال عن وجود حملات ممنهجة تشنها بعض الجهات في شهر رمضان من كل عام، قال العودة "أدعوهم إلى التوبة.. أدعو الإخوة المسؤولين عن هذه الدراما إلى التوبة إلى الله سبحانه وبحمده." وعندما قاطعه المذيع بالسؤال "التوبة من ماذا" أو الداعية سلمان العودة "التوبة إلى الله .. ليسوا هم فقط.. كل أحد يدعى إلى التوبة من الملك سلمان إلى الصعلوك سلمان إلى القصبي إلى السدحان إلى كل من كان .. كائنا من كان." مشيرا إلى الآية القرآنية "وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون." ومؤكدا أن "التوبة ليست مقصورة على أهل الفسوق والخطأ .. مراجعة النفس.. يا سلمان ويا ناصر ماذا بقي من عمرك يا أخي".

وقال العودة بأن الإنسان يراجع مسيرته ويقول "لم يبق من عمري شيء أضيعه في مماحكات وجدل وأخذ ورد وكلام أو مواقف ربما تكون غير معتدلة وقد يكون فيها تمزيق لوحدة المجتمع .. فأعتقد أن مسألة المراجعة والتصحيح مبدأ مطلوب لي ولهم ولكل أحد من الناس"، وردا على سؤال المذيع فيما إذا كان كلام العودة فيه إدانة مبطنة أوضح أنه "من حقهم أن ينتقدوا، وكلن دون استفزاز أو تجاوز أو تصفية حسابات مع أحد ومن حق الآخرين أن ينكروا ويستنكروا ولكن أيضا دون مبالغة أو تورط في التكفير".

وفيما يخص القضية التي رفعها الداعية ضد قناة MBC أوضح سلمان العودة أنه عندما ينسب له رأي يترتب عليه أشياء كثيرة، وأن ما نقل عنه من رأي يخالف ما يقوله ويعتقده ويكتبه، متسائلا "هب أن شخصا ما صدق وذهب إلى سوريا بناء على رأيي". في إشارة إلى فتوى الذهاب للجهاد في سوريا الذي نسب إليه.

مسلسل حارة اليهود يثير جدلا

من جهة أخرى يثير مسلسل "حارة اليهود" الذي تبثه عدة محطات فضائية مصرية منذ بداية شهر رمضان جدلا كبيرا في البلاد، فيما تحول إعجاب إسرائيل به بعد الحلقة الأولى إلى غضب صارخ بعد عرض سبع حلقات منه. وتصور أحداث "حارة اليهود" لشكل الحياة في هذه المنطقة الواقعة وسط القاهرة عقب ثورة تموز/ يوليو 1952 وكذا أنشطة اليهود في تلك الفترة. بحسب فرانس برس.

وقال مؤلفه، مدحت العدل، في مداخلة هاتفية لبرنامج "رمضان بلدنا" على قناة "أون تي في"، إن القصة تستند على "وقائع تاريخية حقيقية مثبتة".

ورصدت صحيفة "اليوم السابع" الإلكترونية آراء نشرت في مواقع داعمة لجماعة الإخوان المسلمين، مفادها أنه "لم يكن هناك علاقات حب بين المسلمين واليهود في مصر". وأضافت هذه المواقع أن المسلسل "أظهر الأسرة اليهودية بأنها مستضعفة، وهو ما ينافي الحقائق" مشيرة إلى أن "العديد من أعمال التخريب والتجسس منذ بداية المشروع الصهيونى العالمي في مصر كانت بيد اليهود".

من جهته، أكد العضو بالمكتب السياسي لـ "حزب البديل الحضاري"، حسام عقل "مبالغة المسلسل في ربط الشخصية المصرية البسيطة بالعنف، في مقابل مبالغته في تقديم اليهودي في صورة الشخص الملائكي الطيب، وهو ما يلحق الإهانة بالشخصية المصرية لصالح الشخصية الإسرائيلية".

انتقادات حادة لعادل إمام

من جانب آخر وجهت الصحف المصرية ومواقع التواصل الاجتماعي كثيرا من الانتقادات للممثل المصري عادل إمام على دوره كأستاذ يساري مناهض للحكومة في مسلسل "أستاذ ورئيس قسم" الذي يعرض في شهر رمضان، وذلك على خلفية مواقفه السياسية المعروفة والتي تتناقض مع الدور الذي يلعبه في المسلسل.

وتوزعت هذه الانتقادات بين مقالات ظهرت في الصحافة المحلية اعتبرت أنه يصعب على الممثل إقناع الجمهور بشخصية مضادة تماما لما هو معروف عن شخصيته، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت صحيفة الوفد على موقعها الإلكتروني "يحتاج الأمر إلى قدر من الجهد في التقمص، خاصة أنه مع انتشار الميديا صارت حياة الفنان الشخصية في متناول الجميع"، وقال الناقد طارق الشناوي "عادل إمام غير قادر على إقناع الجمهور بدور الأستاذ اليساري الذي ساهم في قيادة ثورة 25 يناير لأنهم يعرفون موقفه الحقيقي المعارض لهذه الثورة ويعرفون تأييده لنظام الرئيس (السابق) حسني مبارك".

وكان عادل إمام اتخذ مواقف حادة معارضة لثورة 25 يناير ومؤيدة لنظام مبارك، وهاجم في مقابلات تلفزيونية المحتجين المطالبين بتنحي الرئيس السابق في بدايات الاحتجاجات التي اندلعت في أوائل العام 2011 وأسفرت عن سقوط النظام.

وقال عضو مجلس إدارة مهرجان الإسكندرية لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط أسامة عبد الفتاح "ليس من حق إمام أن يقوم بمثل هذا الدور خصوصا وأنه أحد المدافعين عن نظام مبارك وتوريث الحكم لابنه جمال"، ويؤدي عادل إمام في مسلسل "أستاذ ورئيس قسم" دور الأستاذ اليساري فوزي جمعة. وتتضمن الحلقات العشر المعروضة حتى الآن مواجهات للأستاذ اليساري مع الأجهزة الأمنية، وصولا إلى مواجهات مع رئيس الوزراء. والمسلسل من إخراج وائل حسان وتأليف يوسف معاطي وتبدأ أحداثه أواخر عام 2010.

وتضاف هذه الانتقادات على تلك التي تلقاها عادل إمام في السنوات السابقة، والتي تركزت فنيا على تفرده بدور البطولة واعتماده على حضوره الشخصي ونجوميته على حساب الإتقان في الحبكة والسيناريو والإخراج.

أما سياسيا، فبعدما كان الإسلاميون هم العدو اللدود لعادل إمام، ولاسيما بسبب أفلام مثل "طيور الظلام" انتقد فيها التيار الإسلامي، انضم اليسار إلى قائمة خصومه، وذلك بعد أن بات اليسار في مرمى سخرية أفلامه منذ مطلع العقد الماضي، ولا سيما فيلم "السفارة في العمارة"، وفي هذا السياق، اعتبر الروائي عزت القمحاوي أن بعض المشاهد في المسلسل حولت شخصية الأستاذ الجامعي اليساري إلى "شخصية كاريكاتورية".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1