تساءل ريتشارد رورتي (1931 – 2007) قائلا " كيف يمكننا معرفة أن أي شيء عقلي يمثل شيئا لاعقليا؟ وهل الوعي تعبير عن أحداث الحياة الداخلية منفصلة عن أحداث العالم الخارجي؟"، في الشق الاول من السؤال لا يمكن أن تكون معرفتنا العقلية بشيء هي نفي عقلي له بنفس زمانية الادراك له الا اذا كان ادراك العقل زائفا يمّثل مرآة صورة الشيء وليست حقيقة موجودية ذلك الشيء. وهنا في حال عدم التوافق المنطقي بالاجابة على تساؤلات رورتي نعود للمسلمات التالية:

- العقل لا يدرك شيئا حقيقيا بتأكيد معرفة متناقضة عنه في عدم تعبير المدرك صوريا عن حقيقته الوجودية كصفات خارجية وليس كماهية، بمعنى ما هو مدرك عقليا حقيقة لا ينفيه العقل ادراكيا حقيقيا. فالحقائق تلد حقائقها بنفس وقت الزيف يتناسل زيفا صادراعنه أيضا. والا كنا حسب هذا الافتراض الغامض لرورتي أن الادراك العقلي يخلق ادراكاته الزائفة في وهم انتاجيته المعرفة الادراكية الصحيحة.

يجوز لنا التشكيك بالعقل وسيلة ادراك مزدوجة على نفسها غير موثوقة قبل التشكيك بأن الشيء المدرك عقليا يكون زائفا لاعقليا وهو موجود مستقل عن العقل بخصائص لا نستطيع الجزم المسبق أنها غير عقلية ادراكيا. ربما التشكيك بادراك العقل يكون اكثر مقبولية ترجيحية من التشكيك بان الموجود الذي أدركه العقل ليس حقيقيا عقليا. وسبب الارجحية بعدم موثوقية العقل هو أن الموجود باستقلالية موجوديته عن العقل يكون أكثر صدقية من ادراك العقل له.

- العقل فعالية ادراكية واحدة فما يدركه العقل صورة ذهنية لموجود شيئي مادي متعيّن حسيا لا يمكنه أن يدرك نقيضه غير المشابه له حقيقة في نفس الوقت. وكما ذكرنا تفريق الزيف عن الحقيقي يكون في العقل وليس في موضوع الادراك له الذي عجز العقل ادراكه في حقيقته وليس في تناقض موضوعه المتارجح بين المصداقية والزيف بينما الصحيح أن التارجح بين الحقيقي والزائف هو خاصية الادراك العقلي وليس خاصية الموجودات باستقلالية في عالم وجودها الواقعي. زيف الواقع عن حقيقته لا يكون مصدرها استقلالية تلك الموجودات الواقعية في عالم الاشياء ، بل الذي يبين فرق حقيقتها من زيفها هو منهج التناول الادراكي الفكري لها.

- اللاعقلي أدراكا لا يكون الحكم عليه بعقل يدرك لا عقليته، حيث يكون الموضوع غير مدرك حقيقة وعدم الحضور يتبعه بالضرورة السببية عدم وجود عقل بلا موضوع يدركه. لاعقلية ادراك الشيء الحقيقي يكون التشكيك في تناقضه هو من نصيب العقل حصرا وليس من نصيب الشيء. فالشيء وجود انطولوجي أو موضوع خيالي متعين بخواص، وانحراف ادراك العقل لهذا الشيء بأعتباره زيفا أو حقيقة لا تمس حقيقة موجودية الشيء المستقلة بل البحث عنها يكون في انحراف تفكير أدراك العقل لتلك الموجودية المتعينة كشيء مادي أو كموضوع.

ادراك الصورة والاصل

كان ديفيد هيوم متابعا جادا في مداخلته حول موضوع الخلاف بين حقيقية الادراك العقلي عن زيفه، بنفس تقليد نظرية افلاطون في وهم الواقعي في تمثيله عالم المثل عنه. حينما طرح قبل ريتشارد روروتي موضوع هل الادراك العقلي للشيء يدرك صورته الذهنية الحقيقية كموجود انطولوجي في الواقع؟ أم يدرك صورته الذهنية (فوتوغرافيا) التي لا تمثل حقيقة الشيء في وجوده بالعالم الخارجي؟ وكان رأي هيوم بخلاف رأي كل من جون لوك وجورج بيركلي اللذين ذهبا أن ادراك صورة الشيء هو ادراك لحقيقته الوجودية الصفاتية الحية التي يمتلكها وليست حقيقته الماهوية، مخالفين مقولة هيوم أن الادراك هو مجرد أحساسات صورية لا تمثل موجودية الشيء.

الادراك العقلي وحدة كلية نوعية واحدة لا يتشاكل تناقضيا محتواها الحقيقي مع صورتها كوسيلة ادراك عقلي لا تأخذ صورة الشيء تجريديا عن محتواها كما تقوم به الكاميرا المتطورة الابعاد أو الموبايل. لكن يبقى التساؤل قائما أن ادراك الشيء حقيقة هي نفس آلية ادراكه في صورته الفوتغرافية التي لا تختلف عن حقيقة المدرك كموجود(حي).. فكيف يتم التفريق بين الاصل والصورة كما أختلف عليها ديفيد هيوم مع جون لوك وبيركلي؟ حيث ذهب هيوم ادراك الشيء هو صورة فوتغرافية تجريدية خالية من كل ما هو حقيقي حي ملازم لها، بينما ذهب بيركلي ولوك أن ادراك صورة الشيء هو أدراكه بوحدته الكلية الشاملة التي تحمل صورة الاصل الحي وصورته الخارجية الفوتوغرافية كون العقل لا يدرك شيئا الا في صورته التجريدية الموحدة.أي العقل لا يدرك صورة الشيء ثم بعدها بمرحلة زمنية يليها يدرك صورة ذلك الشيء الحقيقية كموجود حي شكلا ومحتوى.

ويكون حل هذا الاشكال من وجهة نظرنا عن هذا الاختلاف التساؤلي يكمن في تفسير العقل وحده مجردا عن واقع الشيء المدرك من جهة، ومجردا من آلية كيفية الادراك العقلي من جهة اخرى. وجاهة وصواب الاختلاف والتضاد بين هيوم وبيركلي تقوم على حقيقة تجمعهما أن العقل يدرك الاشياء صوريا تجريديا بغض النظر عن حقيقة الشيء من زيفه.

أي هل الشيء الذي ادركه العقل هو أصل أم صورة؟ أي هل هو صورة ومضمون معا أم صورة فوتغرافية مجردة عن مضمونها؟ أنما يحدد الاجابة عن هذا الالتباس ادراك العقل وحده ولا يحدده وجود الشيء باستقلالية في وجوده بالعالم الخارجي قبل وبعد ادراك العقل له؟ فالموجود الشيئي لا يكون حقيقيا وزائفا بنفس الوقت في وجوده المستقل عن ادراك العقل الذي بضوء معرفة وتحليل ذلك الادراك نعرف زيفه عن حقيقته.أي نعرف حقيقة الشيء من زيفها بدلالة ادراك العقل في المجانسة التعبيرية له مع الزيف أو مع حقيقة الشيء.

أما بالنسبة للشق الثاني من التساؤل هل الوعي تعبيرا عن أحداث داخلية منفصلة عن العالم الخارجي فيمكننا التعقيب بالتالي:

- تجزئة الوعي بالشيء يتوقف على مقدرتنا تجزيء الادراكات الحسيّة له عن الاشياء، فالوعي وحدة كلية من تمثّلات الواقع الخارجي ووحدة كلية في تمّثلات الداخل الاحساسي الذي يكون موضوعه متخيّلا لا وجودا انطولوجيا له في عالم الاشياء الخارجية. فتجزئة الوعي هو تبعية ادراكية لمواضيع الادراك التي يسهل تجزئة أدراكها نوعيا بأختلاف الاشياء والمواضيع المدركة.

- الوعي هو نتاج ادراك عقلي منّظم يتم داخل منظومة الادراك العقلية التي لا تفصح عن نفسها الا بعد انتهاء العقل من أصدار مقولاته كرد فعل عن الشيء الذي يدركه ويبقى تعبير الفكر واللغة عنه بما يمكننا ادراك وعي الموضوع الذي كان ادركه العقلي فرديا وأصدره العقل ثانية تعبيرا فكريا لغويا جمعيا بمعنى موضعة مقولات العقل عن الشيء تكون من قراءة ذلك الشيء جمعيا بعد تعبير العقل عنه بالفكر واللغة انفراديا كموضوع استبطاني عالجه العقل تفسيرا. وعي الشيء هو ادراك منفرد يتحول الى وعي جمعي يدركه المجموع كلا بطريقة واسلوب تفكيره حين يكتسب الموضوع أو الشيء المدرك صيغته النهائية بتعبير الفكر واللغة عنه.

- الوعي الادراكي يكون فرديا، ويصبح بعد توصيله مقولات العقل عن مدركاته للاشياء يصبح جزء من منظومة تعبيرية تشمل الوعي ، الفكر، اللغة. التي هي ادراكات لمواضيع أما أستمدها الذهن من عالم الذاكرة والخيال استبطانيا داخليا كمواضيع،أو استمدها كمواضيع هي موجودات في عالم الاشياء الخارجي. ويستقبل الوعي الاحساسات المنقولة له عبر الحواس كما يوصل المقولات الارتدادية الصادرة عن العقل وتوصيلها الى وعي خارجي عن شيء تعبر عنه اللغة. الوعي أما أن يكون ناتجا عن ادراك موضوع من عالم الاشياء الخارجية أو يكون وعيا مستمدا من تعالقه مع الذهن والدماغ أستبطانيا داخليا عن شيئ غير موجود ماديا في عالم الاشياء جرى تفسيره عقليا بعد أدراكه خياليا.

توضيح عام

الوعي كحلقة ضمن منظومة العقل الادراكية لا يمكننا تجزئته الى وعي حقيقي والى وعي زائف، وكذا نفس الحال مع تجزئة العقل. تجزئة العقل أو تجزئة الوعي لا يفرضها العقل على نفسه ذاتيا بغياب موضوع ادراكه في حقيقته وفي زيفه. الموضوع في استقلاليته هو من يحدد امكانية تجزئة الوعي به، وتجزئة ادراك العقل له.

بضوء فهم وتفسير مقولة رورتي تساؤله كيف لنا أن نمّيز بين شيء عقلي يمثل لاشيئا عقليا؟ نقول كل شيء لا يدركه العقل ادراكا حقيقيا- كصفات لا كماهية – هو أدراك زائف عن موضوع غير موجود متوفر أدراكيا. الشيء المادي لا يدركه العقل بغيابه ويعتبره مدركا عقليا لشيء لم يدركه العقل. بمعنى الشيء لا يمتلك قدرة نفي نفسه بنفسه. حتى ادراك مواضيع الاحلام في اللاشعور تعتبر عقلية حتى وأن كانت تفتقد خاصية أدراكها بمكان وزمان متلازمين انطولوجيا. الادراك العقلي هو اشتراط ذاتي – موضوعي لمؤثرات حتمية تجعل من الادراك العقلي حقيقة عينية. والتشكيك بالعقل ليس واردا عندما يكون موضوع ادراكه غير متوفر وجوديا لا في عالم الواقع ولا في عالم الخيال. العقل هو موضوع يدرك ذاته داخليا قبل أن يدرك موضوعاته خارجيا.

فرضية أن يعقل العقل شيئا هو لا يمثل شيئا حقيقيا حسب تعبير رورتي، هو تعبير عن تصور رؤيوي غير واضح يضع المسؤولية على مهمة الحواس وليس عل مهمة العقل. ومقولة افلاطون ادراك عالم الاشياء هو غيره في عالم المثل لم تعد اليوم مقولة يمكن أعتماد صحتها فلسفيا. وتبقى أهميتها في مطاولتها التاريخية الفلسفية التي وصلتنا وندرسها كمرحلة قديمة من التفكير الفلسفي. ومن المؤكد تفقد كل خصائصها الفلسفية عندما نضعها على معيار ما وصله تاريخ الفلسفة المعاصرة اليوم. ونحن أذا تعاملنا مع مقولة افلاطون حول عالم المثل بمعاييرنا الفلسفية وما وصلته اليوم من تاريخها نجد ما هو مدرك واقعي لا يحتاج الى برهان حقيقته في وجود غير مدرك ميتافيزيقي في عالم لا يخضع لسطوة مدركات الحواس والعقل. وتشكيك رورتي في قدرة العقل الادراكية يجب أن تكون مستمدة من واقع ادراكه الحسي للاشياء وليس العقلي لها، فالعقل ينخدع بالحواس ليس على وفق نمطية الوهم السرابي الزائف غير الحقيقي.

وبالعودة الى أستحضار مقولة جون لوك باستناده في استعارته تعبير ديكارت أن جوهر العقل ماهيته التفكير، وجوهر التفكير هو جوهر الوجود بالتبعية، عليه أعتبر لوك ما يكون موضوعا لفهم العقل هو فكرة تستمد حقيقتها من مصدر ادراك العقل لها كواقعة ممكنة الوجود...ديكارت لا يحصر تفكير العقل الذي يختص بقدرات الشك، الفهم ، التاكيد، النفي، يريد، يرفض، يتخيل، ويشعرالتي يعتبرها هي من خصائص الضمير.

أي يحيلها ديكارت الى عالم النفس المجردة عن العقل حيث يعتبر ديكارت العقل والنفس جوهران لا فيزيائيين منفصلين عن بعضهما وخالدين بعد فناء الجسم. وليس العقل منفردا هو الوصي على النفس، علما أن العقل لا يتخلى عن النفس ويحتويها ولا يبقى للنفس قيمة ادراكية ولا معنى في تنوع موضوعاتها الصادرة عنها بلا وصاية وتحكيم العقل عليها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0