تقديم:

سبق ونشرت مقالة فلسفية اولى بعنوان (نقد فلسفة اللغة والمعنى) كمفهوم عام رافق انبثاق نظرية المعنى وفلسفة العقل كتيار فلسفي طاغ منتصف القرن العشرين، وأعقبته بمقال ثان يشتغل على نفس الثيمة في نقد فلسفة اللغة بعنوان (فلسفة اللغة وتغييب الواقع)، وهذه المقالة الثالثة في نفس الموضوع الذي وجدت أنه يحتاج الى مؤلفات عديدة يكتبها غيري وليست ثلاث أو اربع مقالات متناثرة لي.

اذا اردنا توجيه نقد فلسفي معمّق لما جاءت به فلسفة اللغة والتحول اللغوي من انحراف فلسفي غير طبيعي ولا أقول عنه تنظير فلسفي متجدد بمقدار ماهو محور ارتكاز دوران حول قضية لغوية تجريدية لا نفع قصدي معرفي متوقع منها، تبّنته بداية بشكله غير المتبلور بتطرفه الحالي تقريبا وفتحت أمامه الطريق واسعا الفلسفة البنيوية لتعقبها في التعكز المجاني عليه فلسفة جاك دريدا في التفكيكية بتطرف أكثر حدّة لتنبري بعدها على نفس التعميق الممنهج التاويلية والتحليلية والعدمية والمنطقية الحديثة في استئثار محور نظرية المعنى في اللغة عوض الاهتمام الفلسفي بمناحي انسانوية أخرى وجدوها تجاوزها الزمن بحسب اجتهادهم الفلسفي في محاكاتهم التماهي مع ما بعد الحداثة، فليس من حقائق مرجعية هناك بقيت مثل العقل والانسان والوجود والحياة ولا الطبيعة ولا الميتافيزيقا ولا الايديولوجيات كسرديات شمولية أستهلكت نفسها بالتطبيق الفارغ من المعنى المطلوب تحقيقه.

لقد وصلت المعرفة الانسانية حسب فلاسفة اللغة ونظرية المعنى اليوم مرحلة لم يعد هناك حقائق أو قضايا تستحق الاهتمام الفلسفي بها والاولى الأهم تدارك الخلاص من التضليل الفلسفي الذي أوقعتنا به نظرية المعرفة والعقل والوجود والانسان والعلم وغير ذلك قرونا طويلة لنجد انفسنا أمام حقيقة أن الفلسفة لم تقل شيئا جديرا يستحق البناء عليه أورثه لنا تاريخ الفلسفة قبل وجوب مراجعتنا تصحيح كل الاخطاء الموروثة التي أوقعتنا اللغة بها في تضليل يقوم على أزدواجية الاضمار اللغوي الباطني في مخاتلة اللغة تضييعها المعنى في الظاهرالسطحي الالتباسي من التعبير على حد تعبير فلاسفة انصار نظرية المعنى والتحول اللغوي في الفلسفة.

لا يخفى على قاريء متابع بالحد الادنى ثقافيا ولا أقول فلسفيا ألا استوقفته فلسفة اللغة والمعنى ونظريات التحول اللغوي وما راكمته من تجريد فلسفي لغوي تحليلي صرف زاد في ترّهل التجريد الفلسفي التاريخي المتوارث الممتد عبر قرون طويلة في منهج أعتمدته فلسفة اللغة في الابقاء على أهمية التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني السيسيولوجي لا يقاطعه ولا يحتدم معه في تخارج ألتأثر والتأثير. فالفلسفة بكل مباحثها من ضمنها نظرية المعنى لم توجد لمهمة تغيير الحياة بل وجدت لفهم الحياة بمنطق الفكر اللغوي المجرد حسب أصحاب نظرية المعنى اللغوي المعاصرين.

نستطيع القول دونما الانزلاق الى مواقع السرعة في اصدار الآراء الى حقيقة أن الفكر المعرفي من أي منبع وأي شكل أتى لا يلتزم الانسان ومصيره وجودا انسانيا أفضل، مستقبله نحو حتمية الاهمال والزوال، وأذا ما أنبرى أحدهم القول أن الفلسفة كتجريد والالتزام كصيرورة واقعية تاريخية مسيران متوازيان لا يلتقيان ولا يتكاملان، فجوابنا أن أبرز فلاسفة الالتزام كان سارتر وعديدين آخرين أقتفوا أثره من بعده، حاولوا جعل الوجودية فلسفة ملتزمة ولو اقتصر الامر عندهم على الادب فلسفيا. علما أن الوجودية فلسفة أمعنت في تمجيد الذات وأعلائها شأن الفردانية بالحرية المسؤولة والوجود القلق بما يكون سببا كافيا يلغي ويسقط عن الفلسفة الوجودية نزعة الالتزام بقضايا الانسان أيجابيا فالالتزام بالوجودية هو منتهى السلبية في المفهوم الاستعاري الذي نفهمه ايديولوجيا، لكنها أي الوجودية التزمت الانسان كمصير فاجع بالحياة ولم تفهم الالتزام بمستقبل افضل له لا يلوح بالافق.

هذا التفريق الوجيه الصحيح لا يلغي مبدأ الالتزام بالانسان كوجود ومصير بغض النظر عن الفهم المحدود الذي يرى الالتزام هو في تنمية الجوانب الانسانية المتفائلة مستقبليا فقط.

وأذكر بهذا الصدد أن شيخ فلاسفة القرن العشرين الانكليزي براتراند راسل صاحب التحليلية المنطقية الحديثة رغم معارضته منذ معاصرته الاكاديمية لفينجشتين في رسالته الفلسفية المنطقية وفلسفة اللغة والمعنى التي باتت صلب الاستغراق غير المسؤؤل في تاكيد أجترار النحو اللغوي الصرف الذي سيقود الفلاسفة الى أن يصبحوا علماء أختصاص باللغة وليس فلاسفة معرفة تبحث عن معنى وجود الانسان: قال راسل تعريفي للفلسفة أنها نظام منطقي يحاول فهم الحياة بمغايرة جديدة غير مألوفة وليس من مهمّاته تغييرها.. في تكريسه نزعة فلسفية مثالية تسعى تجذير منهج الضياع والتيه في مراكمة تجريد اللغة فلسفيا وترهلها الزائد غموضا في أنهمام الدوران حول محورية النص قراءة تجريدية بما هو تخليق لغوي يحمل فائض معنى غائب على الدوام. ومن الواضح في عبارة راسل الرد المبّطن على عبارة ماركس الشهيرة الفلاسفة أكتفوا بتفسير العالم بدلا من السعي لتغييره.

وفي مشادّة كلامية حدثت بين راسل وفينجشتين في أحدى المؤتمرات الفلسفية، خاطب هذا الاخير قائلا: أنك يا راسل لم تفهمني فهما صحيحا يوما ما على الدوام، فأجابه راسل ببرود الانكليزي وحضور حجته البديهية أجلس مكانك فأنت لا تستطيع التعبيرفلسفيا عما تريد توصيله من معنى.علما أن راسل كان كتب مقدمة رسالة دكتوراه فينجشتين(رسالة منطقية فلسفية) وأجازها اكاديميا هو وجورج موربالاشراف عليها ومناقشتها.. ويعترف راسل أنه لا يعيبه تبديل آرائه الفلسفية على مدار الساعة.

فلسفة اللغة ونظرية المعنى رغم الجوانب التي أستثمرها بعض الفلاسفة بمنهج متوازن حينما لم يصادروا خاصية اللغة الفكرية أنها نتاج عقلي متطور انثروبولوجيا - سيسيولوجيا رافق تاريخ الانسان بالاحتدام مع واقع الانسان بالطبيعة والتقاطع معه من أجل تغييره، منذ تلك الاحقاب السحيقة لم يكن الانسان مهادنا الطبيعة منقادا محايدا لها ومتكيّفا كالحيوان معها بالفكرالسلوكي القطيعي، ميزة الفكر الحيّة هي الخاصّية أنثروبولوجيا أن الفكر لايوازي الحياة ولا يبني نظاما له من الخيال اللغوي الوهمي الاعزل في التماهي مع موازاة ما تجيء به الطبيعة من كوارث تلحق الاذى بالانسان لم تكن الطبيعة لها دورا سببيا بها، لذا أراد الانسان التغيير بالفكر الذكي محاولته أسترضاء مسبب هذه الكوارث والظواهر الطبيعية التي لا يجد تعليلا شافيا لها وما ينتابه من خوف منها فأوجد قيمة العبادة بالفكر الاعزل بأسترضاء الالهة فقط بما يخدم سلامة بقائه علي قيد الحياة على الاقل.

وفيما أعقب ذلك من ازمان وجدنا الايمان بالاله يصادر الفكر الذكي الواقعي عند الانسان ليس في مهادنة الواقع ولكن في محاولة درء الكوارث بالغيبيات الميتافيزيقية بما يبعد أذى الطبيعة عنه وأدامة بقائه. بمعنى التعبير عن الارادة الانسانية الفاعلة في تغيير نمط الحياة بالفكر الاعزل الذي لا يعرف التجربة ولا التطبيق عصرذاك. منذ تلك الازمان السحيقة كان الفكر ملازما نقده الوجود الانساني في نشدان الافضل وليس مهادنة الطبيعة في التكيّف السلبي معها، الذي هو ميزة تكّيف الحيوان مع الطبيعة في الانقياد القطيعي السلبي لها. تكيّف الانسان الايجابي مع الطبيعة كان في التمرد عليها ومحاولته اخضاع معطياتها وظواهرها بما يخدم تقدمه بالحياة. حينما كانت فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في القرون الوسطى الاوربية، كان ذلك أحد اسباب الانحطاط الحضاري في دول اوربا قاطبة، فالكنيسة التي قادت الدين بسطوتها اللاهوتية الوضعية، أنما قادت الفلسفة وجعلتها تابعة وراء ما يقوله الدين في الكنيسة وليس وراء ما تقوله تعاليم المسيح في الانجيل الذي تعددت نسخه الكاربونية المكتوبة، كما هو الحال اليوم في قيادة فلسفة اللغة الفكر التنويري عبر أدخاله نفق العدمية في تراكمية البحث عن المفقود في اللامعنى أو بالاحرى في المعنى المصادر لغويا

ما يهمنا لو نحن حاولنا سحب بعض من هذا الاسقاط الانثربولوجي على واقع الفلسفة المأزوم بملاحقة تجريد معنى اللغة عندنا اليوم لكنا نرفض مصادرة الوسيلة التغييرية للفكرفي تاكيد مساره المنحرف المتوازي مع الواقع الانساني كما ترغبه فلسفة المعنى والتحليل اللغوي التراكمي وليس ما ترغب تحققه الحياة في طبيعتها المتطورة نحو الافضل على الدوام.

نخلص الى القول لا يوجد فكر أبتدعه الانسان في مساره التاريخي حتى الفكر الديني المقدس منه على لسان الانبياء لم يكن محتدما اصطراعيا مع واقع الحياة في وجوب التغيير نحو الافضل. الفكر المهادن الذي يوازي الواقع ولا يحتدم معه ولا يقاطعه لا يحمل معنى الفكر الحقيقي ولا قيمة تاريخية له. ولو لم تكن الاديان في جوهرها الميتافيزيقي الغيبي غير التطبيقي سوى على صعيد تنظيم السلوك والاخلاق والقيم الرفيعة التي تهتم بسعادة الانسان الارضية والاخروية لكانت الاديان اندثرت من حياة الانسان منذ ازمان أذا ما اسقطت من أهتماماتها الانسان قيمة عليا بالحياة. ولم تلعب دور الريادة في تقاطعها مع الانحراف الدنيوي.

من المسائل التي نتجاهلها اليوم أن الفلسفة الاوربية التي نستنسخها في التراجم وكتب العروض الهامشية العربية لا تصنع الحياة في أنقيادها وراء الايديولوجيا السياسية ولا الاقتصادية ولا العلمية الصرفة أو أية معرفة أخرى، بل هي تترك ما لقيصر لقيصر. وتعمل على استمرارية تاريخ الفلسفة يسير في متوالية نقد المعنى في اللغة المجردة بلا حدود ولا معنى متحقق من هذه العملية، وهذا يثير حفيظة بعض حفظة صرعات الفلسفة الغربية عندنا من العرب بموقفهم الملكي أكثر من الملك بأن الفلسفة ليست ايديولوجيا تغيير بل هي حرث في بحيرة عن كنز المعنى المفقود في موجود معنى اللغة الضائع.

نظام اللغة في موازاة نظام الاشياء

اللغة فضاء من التعبير المتعالي على نظام الاشياء في وجودها المادي أو حتى الخيالي كمواضيع، وتفتقد اللغة تجريدها المنفرد في موضعتها داخل تركيبة ادراك الاشياء كمتعينات موجودية في حياة الانسان. بهذا المعنى تكون اللغة اكتسبت هويتها الواقعية الجمعية في فقدانها هويتها الانفرادية التجريدية بالوعي الفكري الانفرادي. أكتساب اللغة مجتمعيتها وسيسيولوجيتها الطبيعية هو في نفاذها الى أعماق الاشياء بدلا من التسطيح الوجودي التعبيري الذي تعيشه اللغة منعزلة عن محيطها الحيوي التعبيري الذي هو عالم الموجودات في الطبيعة وفي الحياة التي نعيشها وتعيشنا.

اللغة لا تكتسب هويتها الجمعية في أعتبارها موضوعا تحليليا تراكميا محوريته نظام المعنى الخصائصي كلغة مرتكزها نحو اللغة وقواعدها التركيبية والمجازية والتوليدية والاشتقاقية في البحث عن معنى دلالي في تشكيل هويتها التجريدية ذاتيا بل تكتسب اللغة هويتها المجتمعية كنظام سلوكي في التعبير عن العالم الخارجي بنظام تعبّر عنه اللغة كشكل ويكتشفه الفكر كمضمون في موجودات عالم الاشياء وليس باللغة كتعبير دلالي مجاله نحو وقواعد استعمالات اللغة بما هي لغة ادب ونص في متراكم المعنى المضاف لها قرائيا تداوليا في مسلسل لا نهائي في أختلاق تحليلية لا حصر لها من التأويل المضاف المتراكم غير المنفرز خطأه من صوابه كونه لا يستند الى مرجعية لا في العقل ولا في قبلية النص بعد عملية تخليقه التحليلي مرات تليها مرات.

محاولة تفسير ظواهر الحياة في متراكم تجريد اللغة لا يجعل من الواقع الانساني يتحرك قيد سنمترا واحد، التوازي اللغوي مع الحياة الذي تعمل فلسفة اللغة عليه كثيمة مستحدثة بكل طاقتها اللغوية المجردة مضيعة وقت في قضية فلسفية لا مستقبل ينتظرها ولا واقع ميداني يؤيدها.

من الامور التي يصعب تمريرها بسهولة أن فلسفة اللغة ونظرية المعنى أضافت بعدا تجريديا ثالثا على تجريد اللغة في توازيها مع الواقع وعدم الاحتدام به من أجل تغييره أعمق بكثير مما دأبت تاريخية الفلسفة التغذية به والتناسل البقائي بممارسته على أمتداد قرون طويلة جدا من هراء التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني وفي تهميش حيويته بالتخارج النقدي مع الفكر.

ما يحسب للايديولوجيا السياسية بغض النظر عن مجالات الصح والخطأ في التطبيق هو أنها نقلت الفكر من تجريد اللاواقع الى ميدان تطبيق الواقع... رب أعتراض مقبول يذهب الى أن الفلسفة ليست نظرية في الايديولوجيا وأنما هي فهم تجريدي منهجي نظامي نسقي كلي متقدم لفهم العالم بطرق واساليب غير معهودة سابقا في سياقاتها التعبيرية التي نعيشها برتابة اشباع غرائز البقاء البيولوجية فقط.

في جزء من الاجابة لماذا تخاف الفلسفة من تذويت خصائصها التجريدية في منظورات الايديولوجيا، ولا يصح العكس؟، مخافة الايديولوجيا انغماسها بالتجريد الفلسفي أن يجعل منها نظاما لا واقعيا؟ لقد حشرت الفلسفة نفسها في المنطق وفي الرياضيات وفي مختلف العلوم الطبيعية وفي التاريخ وفي الانسنة الانثروبولوجية ولم تزحزح الفلسفة تلك المجالات عن نظامها الخاص كمفاهيم تعمل بمعزل عن الفلسفة لانها ليست ارادة تغيير بل هي ارادة فهم وتفسير فقط ، وبقيت الفلسفة تركض لاهثة وراء مجالات التطبيق في العلوم والحياة والتاريخ ولكن بلا جدوى توازي متحققات العلوم والايديولوجيا في التقدم الى أمام بالحياة بما هي حاضر في صيغة المستقبل.

لماذا يتم التغاضي عن الواقع الخارجي كنظام قائم بذاته في فلسفة اللغة ونظرية المعنى حين تكون اللغة تجريدا نقديا لماهيتها كلغة لها قوانينها الخاصة في النحو والقواعد والتركيب والتوليد والمجاز والاشتقاق وغيرها من قواعد وضوابط نظام اللغة التي تحدّها من حيث هي نظام في ملاحقة معنى الدلالة التجريدية المعبّرة عن الاشياء (لغة) فقط وليس من حيث هي تعبير عن المعنى المكتشف أو الواجب معرفته في نظام وعالم الاشياء بما يطورها ويغيرها كمفاهيم تقوم عليها حياة الانسان.

تجاهل فلسفة اللغة والمعنى لأهم ميزة في طبيعة اللغة هو أنها وسيلة تغيير الواقع بالتخارج معه تطوريا هي الاخرى، اللغة في تطويرها الواقع تكتسب هي ايضا فاعلية التغيير والتطوير من الواقع وعالم الموجودات.

معنى الاشياء في فلسفة اللغة وفائض المعنى هو نظام مواز منفصل تماما عن معنى نظام اللغة كخاصية تجريد فهمها وليس لفهم العالم بها ومن خلالها، نظام تمتلكه اللغة كمقومات بنيوية غير مستمدة من تأثيرات المجتمع ولا من تأثير هذا الاخير على نظامها الخاص بها. هذا ما تروّج له وتبتغيه تحليلية فلسفة اللغة والمعنى بما هي نظام لغوي مستقل لا علاقة له بالانسان ولا بنظام الموجودات في العالم الخارجي.

فلسفة اللغة والمعنى نسق تجريدي يوازي نظام الحياة ولا يقاطعه. نظرية المعنى في فلسفة التحول اللغوي تعتبر اللغة نظاما يمتلك خاصية التجريد والانفراد الذي لا يلزم ولا يترّتب على فهمه وتعديله والاضافة له معرفة حقيقية لوقائع الحياة التي تحكمنا ونتحّكم بها جدليا، فاللغة لم تعد في نظرية المعنى ظاهرة مجتمعية تواصلية وتداولية سلوكية سوى على مستوى التسطيح المفهومي بالقياس المقارن لخصائصها الفلسفية الجديدة المستحدثة كنظام تجريدي قائم بذاته ولذاته فقط.

هناك حقيقة يحاول البعض القفز من فوقها تلك هي من الصعب الموائمة بين من يعتبر نظام عالم الاشياء هو تجريد لغوي مقفل معناه بالذهن الصامت على نظام اللغة الداخلي وليس بالجدل المادي مع تخارجه الموضوعي. وهو ما تتبناه فلسفة اللغة ونظرية المعنى في التفكيكية والتاويلية على وجه الاستشهاد بهما. وبين من يعتبر اللغة نظام أجتماعي سلوكي مرتبط أشد الارتباط في تسيير أمور الحياة التي يحياها الانسان ولا تعيشها اللغة منعزلة عنها وحدها، وهو ما تدور حوله جميع الفلسفات المادية المعاصرة التي أنحسر بريقها بعد تعثّر النظريات السياسية التطبيقية الاعتياش عليها كايديلوجيا مجتمعية تهتم بمستقبل الانسان أنتهىت من تاريخ الفلسفة.

حين يعتبرعالم اللغة الفيلسوف جومسكي اللغة توليد فطري انفرادي لا مجتمعي ولا سلوكي لملكة عقلية ذكية يمتاز بها الانسان عن الآلة وعن الحيوان ، نجده يدين المنهج السلوكي النفسي في مجتمعية اللغة الذي يعتبر اللغة تكيّف أجتماعي سلوكي متطورمتعايش في تداخل اللغة كظاهرة أجتماعية يتناسب تطورها الذاتي طرديا مع تطور دورها كسلوك مجتمعي وظائفي تواصلي تاثيري جدلي في حياة الانسان.

وهذا الفهم لا يقدم ولا يؤخر أذا ما كانت اللغة تولد كغريزة فطرية ملازمة للطفل تبتدعها وترعاها بالتنمية المستدامة قابلية الفرد التوليدية الذكية للغة، أو أذا كانت اللغة ظاهرة مجتمعية تتطور جماعيا سلوكيا ولا تلغي ابتكارات الفرد التخليقية التوليدية في أغنائها.فاللغة أبداع توليدي فردي لا يتكامل بالنمو المطرد الا في وسط مجتمعي يحتويها. ويعبر كواين أن اللغة هي فن أجتماعي، وكان فينجشتين عبّر عن معنى أعمق حين وصف تخييل اللغة هو تخييل لتصور ما يجب أن تكون عليه الحياة. ولم يقل ما يجب ان تكون عليه اللغة.

هل أهمية اللغة تجريد يوازي الواقع ولا يقاطعه بالتغيير؟

البحث في المجردات الفكرية في نظرية المعنى لا يمنحنا وحده منفردا المعنى الحقيقي لقضايا الحياة التي هي مصدر افكارنا ولغتنا الحية التي نعيشها. فاللغة كائن أجتماعي حي تستقي حيويتها الوجودية التطورية حضاريا من واقع عالم الاشياء الديناميكي المتطور انثروبولوجيا مجتمعيا. وتجاهل هذه الوسيلة الوظيفية اللغوية المعرفية يراد لنا منها التسليم بما أطلق عليه الفلاسفة (الذرية المنطقية) في التحليل اللغوي عند فينجشتين والتي أصبحت مقولة أرتكازية أعتمدتها الفلسفات البنيوية ، التفكيكية ، التاويلية ، مفادها يجب على المنطق اللغوي تحقيق نوع من التوازي مابين الانطولوجيا وما بين اللغة ، هذا التوازي الافتعالي الذي تكرسه وتبحث تجذيره فلسفة المعنى في اللغة والذرية المنطقية هي تمثل واقعة وجوب انفصال المعنى اللغوي التجريدي عن نظام معنى الاشياء في وجودها الواقعي المستقل كنظام يحكم حياتنا وينظمّها ولا مجال التكامل ولا التكافل بينهما في تحميل اللغة معنى لا علاقة له بتوسيل اللغة اداة وصول وظائفي يقود الى معنى نظام الاشياء بالحياة. التوازي الذي تنادي به فلسفة اللغة في نظرية المعنى بين نظام اللغة الهوياتي الخاص بها كرموز تعبيرية وعلامات صوتية أيحائية، وبين نظام الاشياء الذي تحكمه أستقلالية الموجودات، يجعل من مبحث اللغة في نظرية المعنى يحرث في مياه بحر بعيدا عن الواقع كجزر أنقاذ له يتجاهلها. ربما كنا نحن الشرقيين نفهم الامور دائما بجدية اكثر من اللازم.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7