تنبّهت الشعوب المتقدمة الى أهمية تثقيف الطفل، واعتمدت على هذه الزاوية، وفهمت بأنها الطريق السليم، وربما الأوحد لبناء مجتمع مثقف، يتصدره المثقف العضوي الذي أسهب غرامش في تحديد مهامه وصفاته وقدرته على إحداث قفزات مهمة في حياة المجتمع، لذلك لا مناص من التوجّه الجاد لتعميد ثقافة الأطفال بالأفكار المحدثة التي لا تصطدم بثقافة الجذور، ولكنها في الوقت نفسه لا تكون أسيرة لها، فما يصلح في زمانك قد لا يصلح في زمن أطفالك كما نقرأ ذلك في مضمون حديث أورده الإمام علي قبل ما يقرب من 1400 سنة مضت.

لذا قد يكون التغيير الأهم في المجتمع الاسلامي عموما والعربي ومنه المجتمع العراقي، يكمن في رعاية الاطفال والاهتمام الفعلي الجاد في تثقيفهم، ولابد من وضع أسس ثقافة الأطفال التي لا تبتعد عن ثقافة الأمة ولا تتخوف من الثقافات الاخرى، بل من المهم أن ندمج الثقافات الانسانية وصولا الى أسس الثقافة السليمة للأجيال الجديدة واللاحقة على حد سواء.

بطبيعة الحال ثمة أهمية لا يمكن إهمالها للثقافة العامة أو ما يمكن أن نطلق عليها ثقافة الكبار، ولكن عندما نبدأ بثقافة الأطفال، تقويما وتطويرا وترسيخا، فهذا يصب حتما في ثقافة المجتمع عموما، ولكن لابد من مراعاة المستجدات الثقافية الفكرية القادرة على مواكبة ما يحدث من جديد في العالم، فإذا كانت الحاجة للتنمية الثقافية العامة ضرورة ضاغطة وملحة، فإن تنمية ثقافة الطفل سوف تكون أكثر ضغطاً وإلحاحاً، ففي عمليات إنتاجها وإعادة إنتاجها تظهر سطوة الاتصالات الجبارة المهيمنة، وامتدادها إلى المعلوماتية التي ضاعفت تأثيرها سلباً، فليس هذا التأثير كله مستحباً ونافعاً، وما لم يرشّد استخدامهما معاً، فإن علائم الخطر كامنة وقابلة للظهور صاعقة ومدمرة للتكوين الإنساني النبيل بحسب ما يراه الدكتور عبد الله أبو هيف، فثمة وفرة في مخاطبة الطفل عبر وسائط ثقافية كانت غائبة أو مهملة قبل ذلك، كما هو الحال في انتشار مجلات الطفل وصحفه، وتخصيصه بقنوات اتصال يومية عبر القنوات الأرضية والفضائية، بل إنه ثمة قنوات اتصالية خاصة به، وفي غالبية قنوات البث الإذاعي المسموع، وفي نشر ثقافته الكترونياً عبر تقانة المعلومات المتطورة، كالإنترنت والكتاب الإلكتروني والثقافة الرقمية على وجه العموم، على أن نهوض ثقافة الأطفال يتبدى جلياً في ارتفاع الوعي بقضية ثقافة الأطفال بفنونها ووسائطها، نظرياً وتطبيقياً.

بيد أن هذا الإقرار بالنهوض الواضح لثقافة الطفل، يدعو إلى أهمية تطويره ومواجهة العقبات التي تحول دون انتشاره من أجل الحد من تفاقم مشكلاته القومية والتربوية والفنية والاتصالية، فتسعى هذه الأبحاث والمقالات، وما وسعتها المحاولة إلى ترشيد تجربة ثقافة الطفل العربي على مشارف الألفية الثالثة وتأصيلها في الثقافة العربية الحديثة، في آفاقها المختلفة.

وفي ظل هذا السيل الهائل من المعلومات، وهذا الانفتاح غير المحدود على الثقافات العالمية للأطفال أو الكبار على حد سواء، سوف يسهم هذا السيل المعلوماتي الجارف بصورة واضحة في البناء الثقافي للطفل ومن ثم للمجتمع كله، لذا ينبغي أن توضع الخطط الثقافية الكفيلة بتطوير ثقافة الطفل بما ينسجم مع المبادئ التي نؤمن بها ونستمدها من جذورنا الثقافية القابلة للتفاعل والتعاطي مع الثقافات الانسانية الاخرى.

لماذا تتلكأ الثقافة

من الأسئلة التي يطرحها المعنيون دائما بالثقافة وفروعها أو ما يتعلق بها من أفكار، أن ثقافتنا لم تقم بما عليها من دور ثقافي ومجتمعي في الوقت نفسه، بل أنها عاجزة عن التأثير في المشهد السياسي الذي يتحكم بالمجالات الحياتية الأخرى، ويقول بعضهم، لو كانت ثقافتنا مكتملة من حيث البناء، لرأينا دورا آخر لها في تنظيم حركة المجتمع ومؤسسات الدولة على حد سواء.

بل هناك من يربط حالة الارتقاء او الانحدار في الدولة والمجتمع بحالة الارتقاء او الانحدار الثقافي، وهو أمر قابل للنقاش، على الرغم من أن هنالك كثيرون من ذوي الشأن لا يجد ترابطا بين الواقع الراهن والثقافة، ولكن ثمة أكثرية من المعنيين يؤكدون مثل هذا الترابط، خاصة أن الأنساق الثقافية السائدة هي التي تمنح المجتمع صورته الحقيقية ومستواه الفكري والثقافية الذي لابد أن ينعكس على الحراك الاجتماعي بصورة لا تقبل الشك.

هذا الأمر يدفع باتجاه تعضيد ثقافة الأطفال والاعتناء بها، ومنحها ما يكفي، خصوصا الجهد الحكومي، والمدني أيضا، ولا يمكن القبول او الركون الى حالة الإهمال التي تتعرض لها هذه الثقافة، علما أن الجهد التعليمي المدرسي في رياض الأطفال وفي المرحلة الابتدائية لا يمكن أن يكون بديلا عن تثبيت أركان ثقافة الطفل الراكزة والمؤثرة في الثقافة المستقبلية على وجه الخصوص.

فهل يمكن القول أن ثقافة الأطفال يمكن أن تتحكم بمستقبل الأمة والدولة على حد سواء؟، يجيب المعنيون عن هذا التساؤل من وجهات نظر متباينة، فمنها تحسم الأمر وتربطه بالاهتمام في ثقافة الأطفال، ومنها ما لا يتفق مع هذا الرأي، ولكن ما يمكن إثباته في هذا الإطار، أن الاعتناء بثقافة الطفل تمثل اهتماما بالغا بثقافة المجتمع على وجه العموم، ومن هنا تأتي أهمية الدعوات لتعضيد هذا النوع من الثقافة بالجهد الحكومي والمدني في وقت واحد.

كيف نهتم بثقافة الطفل؟

عرفنا لماذا ينبغي علينا الاعتناء بثقافة الأطفال، ولكن تبقى السبل القادرة على تحقيق مثل هذا الهدف، على أن لا يكون ذلك فعلا شكليا، أو كماليا، بل لابد أن نندفع بأقصى قدراتنا الحكومية والمدنية لإكمال ذلك على وجه الدقة، فدعم ثقافة الأطفال وإعطائها الأولوية لم يعد موقع نقاش فيما بين المعنيين، وهذا يعني أننا نتفق على أهميتها، وعلى دورها في تكون ثقافة مستقبلة مؤهلة للحفاظ على مكانة الدولة والمجتمع بين الدول والمجتمعات.

بل حتى المجتمعات التي تقف اليوم في صدارة الركب المتقدم، لن تهمل ثقافة أطفالها، وقد لا يعرف كثيرون أن اهتمامها بذلك يفوق في كثير من الدول اهتمامها بالقوات القتالية التي تذود عن الوطن، فهناك دول متقدمة لا تهتم ولا تعبأ بالجيوش، ولكنها تتصدى لمهمة تطوير ثقافة الأطفال بأقصى ما تمتلك من قدرات وإمكانيات.

من هنا علينا كدول متأخرة عن الركب المتقدم، ومجتمعات لا تزال ثقافتها متذبذبة، وحياتها تتأرجح بين بين، علينا أن نمنح هذه الثقافة ما تستحقه من اهتمام واعتناء وتعضيد ودعم فعلي دائم وذلك من خلال الخطوات التالية:

- الدمج بين الجهدين الحكومي والمدني في تدعيم ثقافة الأطفال.

- الاستفادة من الخبرات العالمية في هذا المضمار.

- بث الأفكار البناءة في مخطوطات وصوتيات وصور يتم تقديمها لجيل الأطفال.

- عدم الاستهانة بثقافة الأطفال ومنح ثقافة الكبار أولوية على حسابها.

- وضع خطة ثقافية بعيدة المدى تتعلق بالأطفال حصرا.

- مواكبة ما يستجد في العالم بمجال ثقافة الطفل.

- تطبيق الجيد من الأفكار والخطوات ومحاولة الاستفادة القصوى منها.

- تعميم تعليمات متخصصة ومعنية في هذا الشأن على المدارس بمراحلها كافة.

- الاهتمام بمضامين الأفكار التي يتم تقديمها للطفل.

- حث الأثرياء وتشجيع الجهد المدني لتقديم ما يلزم في هذا المضمار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0