قد يتساءل الآباء عن المرحلة العمرية المناسبة لصقل شخصية الإنسان وزرع القيم الجيدة في ذاكرته، حتى يستقيم سلوكه على وفق تلك القيم التي تم غرسها فيه، ولعل هذا الأمر يقع في إطار التربية السليمة، ويحتاج الآباء الى فهم دقيق لكثير من الأمور النفسية التي تتعلق بعالم الأطفال، ومن بين أهم الأساليب التي التربوية الناجحة أسلوب الأمل الدائم من خلال فهم مواهب الطفل ورغباته وتطويرها عن طريق توفير المتطلبات اللازمة لذلك.

إن شعور الأطفال بالاهتمام يعد من الركائز الأولى لدخول شخصيته في عالم الإبداع والتميز والنجاح، حيث توجد هناك دراسات كثيرة رافقتها التجارب العملية، وأثبتت أن التشجيع والإطراء يضاعف قدرات الطفل ويُسهم في تطوير مواهبه، ويجعله مستعدا لمواكبة التطور السريع الذي يشهده عالم التكنولوجيا والعلوم الحديثة وسواها، فعقلية الأطفال اليوم تختلف عن أطفال الماضي نظرا للتطورات الهائلة لاسيما في مجال تقنيات المعلومة والألعاب وما شابه.

ومن أفدح الأخطاء التي يمكن أن تحدث في تربية الأطفال، عندما يقف الأب ضد مؤهلات الطفل ويضع في وجهه العراقيل، فيدمر بذلك قدراته ومواهبه ربما من دون أن يقصد ذلك، وإنما نتيجة للجهل في أساليب التربية السليمة، وقد أكد علماء النفس والاجتماع، أن الردع غير المدروس والمبالغ به للطفل يعني تحجيما لقدراته، ومواهبه ومهاراته، على العكس تماما من منهج التشجيع، وإشاعة ثقافة الأمل بين الأجيال الجديدة، حيث يكون المجتمع هو المستفيد الأول من هذا الأسلوب التربوي الذي يهدف الى دفع الطفل كي يظهر مواهبه وطاقاته دونما تردد، بعيدا عن التحجيم والردع بمناسبة ومن دونها بحيث يغدو هذا الأسلوب ملازما لسلوك الأب ظنا منه بأنه حريص على ابنه لكنه في الحقيقة يقتل في داخله روح الإبداع والمبادرة.

علما أن الأساس التربوي هو الخطوة الأهم في هذا المجال، فالحاضنة الأولى للطفل مسؤولة على نحو مباشر عن تشكيل شخصيته، وجعلها منتجة متفاعلة او العكس، ونعني بها العائلة، اذ يتابع الطفل طريقة التعامل العائلي معه وهو يفهم المشاعر والحركات والكلمات التي يشعرها ويراها ويسمعها من الأب والأم والآخرين، وفي ضوء ذلك يمكن أن يكون الطفل مضطربا قلقا، او مطمئنا منسجما، وقد يكون خاملا أو على العكس من ذلك حيث يتدفق حيوية وموهبة.

متى تتشكل شخصية الإنسان؟

في أي مرحلة عمرية توضع الركائز الأساسية لشخصية الإنسان، او ما يمكن أن نسميها، بالخطوط العريضة لسلوك الطفل، لقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية أن مرحلة الطفولة المبكرة في حياة الطفل تشكل الملامح الأساسية لشخصيته وترسم الخطوط العريضة لما سيكون عليه مستقبله ففي هذه المرحلة يحاول اكتشاف كل ما حوله ويتعرف على البيئة المحيطة به ويفحص كل شيء تقع عليه عيناه عن طريق قاموس مدركاته، وبهذا يمكن أن تكون شخصية متميزة بالحرمة والذكاء او العكس من ذلك، فقد تكون شخصية حيادية وخاملة.

ويرتبط ذلك بطبيعة البيئة التي تنمو فيها مدركات وقدرات الطفل، وفقا لأسلوب التربية فقد يتعرض الطفل الى بعض الاضطرابات النفسية التي يتعرض التي غالبا ما يكون مصدرها الأساسي الظروف والبيئة المحيطة، فالطفل الذي لا يجد البيئة التي تشبع له احتياجاته ويشعر بأنه غير مرغوب فيه، يصبح سيئ التوافق مضطربا نفسياً، أما الطفل الذي يجد الحب والحنان من والديه فيشعر بالسعادة والطمأنينة والرضا، لأن الطفل بطبيعته يستطيع أن يلمس هذا الحب فى بسمة سعيدة أو في نظرة حب تشعره بدفء الحياة وجمالها، وإذا كان الأمل حاضرا مع المزايا التربوية الأخرى لأن الطفل سوف يكون منتجا مبدعا ومتميزا في وقت واحد.

لهذا يسعى التربويون المعنيون بالأطفال حصرا، الى فهم نفسية الطفل واحتياجاته المعنوية والمادية، واكتشف هؤلاء أن الأمل مهم جدا لبناء شخصية الطفل، لذا فإن إشاعة ثقافة الأمل بين الأطفال وتشجيعهم وعدم كبح تطلعاتهم وأحلامهم، سوف تساعد على بناء شخصية متوازنة، وهي تشكل رصيدا مهما للبناء المجتمعي السليم، لهذا مطلوب من المحيط العائلي أولا أن يوفر الأمان والشعور بالسعادة والاستقرار للطفل، ثم مساعدته على إطلاق قدراته، والعمل الدائم على زرع آفاق الأمل في تكوينه النفسي على نحو دائم.

لذلك من المحاذير المهمة التي يجب على الآباء والأمهات الالتزام بها هو تجنّب أسلوب الردع والعقاب والتوبيخ، كون هذا الأسلوب يقتل روح المبادرة في داخل الطفل، فينبغي من العائلة والمحيط المدرسي ومحيط العمل، تجنب أسلوب الكبح والردع، لأنه يسهم بخلق شخصية منكفئة مستسلمة مقيّدة لا يمكنها إطلاق قدراتها ولا مواهبها ولا إمكانياتها التي غالبا ما تبقى حبيسة في أعماق الطفل وتكبر معه في المراحل العمرية اللاحقة، لأنه لم يلق التشجيع ولا الأمل من العائلة او المدرسة او محيط العمل، فيكون غير ميّال للمشاركة والمبادرة والإنتاج، وغالبا ما نجد مثل هؤلاء الأطفال يميلون الى العزلة وقد يصابون بمرض التوحد ويفقدون الأمل بصورة تامة في حياة أفضل وأكثر استقرارا ونجاحا.

ثقافة ردع الطفل

هناك آباء يكبحون تطلعات أطفالهم وطموحاتهم، ويُشاع بين الأطفال بالخطأ أن الطفل الهادئ وغير المتحرك، هو الأفضل من غيره، وهذا الأمر غير صحيح بطبيعة الحال، وقد ثبت بالتجربة أن الطفل الأكثر حركة يكون أكثر ذكاء من الطفل الذي يميل الى السكون، خاصة اذا تشكلت شخصيته في ضوء ثقافة الكبح، وهي ثقافة يمكن ملاحظتها في مجتمعنا العراقي، حيث يتم ردع الطفل بأسلوب عفوي ولكنه يعيق الطفل عن إطلاق مواهبه، ويستمر هذا النمط من السلوك حتى مراحل متقدمة من العمر بسبب افتقاد الإنسان لمشاعر الحب والتشجيع، وهي قيم تنتمي الى ثقافة الأمل التي تساعد الإنسان في طفولته أو شبابه او كهولته على التوازن وزرع الثقة في شخصيته.

ومن أهم الشروط التي يجب على العائلة توفيرها لطفلها، جعله دائم الشعور بالاطمئنان والأمان والهدوء النفسي داخل أسرته فهي التى تحميه من أي مخاوف أو متاعب قد يشعر بها، علما أن النموذج الأقرب للطفل هما الأبوين (الأم والأب) فيقتدي بهما ويسير على خطواتهما ويأخذ عنهما قيم الحب والخير والحنان والصدق والالتزام والرأفة، فالطفل يقارن بين ما يقال وبين السلوك الحقيقي، فإذا وجد تناقضاً بين ما يقال له وما يتم عمله بالفعل يصاب بالتمزق والاضطراب النفسي ويفقد القدرة على التوازن والتمييز، وفى النهاية لابد من أن يدرك الوالدان هذه الحقيقة ويفهمان بأن طفلهما يأخذ منهما الجيد والرديء، لذلك ينبغي الحرص على تقديم الأفضل دائما على مستوى التفكير والكلام والسلوك أيضا.

وفي الختام من المهم جدا أن نُشعِر أطفالنا بالأمل، وأن نستخدم معهم على نحو دائم منهج التشجيع، وإشعارهم بأنهم موهوبون متميزون، إننا من اجل بناء مجتمع ناجح علينا أن نتمسك وننشر منهج التشجيع بين أطفالنا وشبابنا، وأن يكون الاهتمام بمواهبهم جزء من سلوكنا اليومي معهم، وأن يكون منهج إظهار الاهتمام بمواهبهم في مقدمة الأسلوب التربوي الذي نعتمده في تربية أطفالنا، وفي حالة ارتكاب الطفل لخطأ، فهذا يحتاج الى التصحيح الهادئ، وذلك باستخدام الألفاظ الهادئة والمتوازنة التي لا تحجّم أو تكبح مواهب الطفل، ويتم ذلك في الترسيخ الدائم لمنهج الأمل الدائم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0