هل هناك من يجهل دور الثقافة في تغيير المجتمع تطوير بناء الدولة والاداء الحكومي والمجتمعي عموما، لا نظن أن هناك من يجهل هذا الدور للثقافة والوعي لاسيما الطبقة النخبوية اذا جاز وصفها بالطبقة، ونعني هنا النخب كافة، السياسية الاقتصادية الاجتماعية والقانونية والدينية وسوى ذلك من المجالات العملية الاخرى، ولا يُخفى أن الثقافة كلمة قديمة وعريقة في العربية، فهي تعني صقل النفس والمنطق، وفي المعجم "وثقف نفسه" أي صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقفه تثقيفا اي سواه، وثقف الرمح، تعني سواه وقومه.

وتم اشتقاق كلمة ثقافة من هذا المعنى اللغوي، حيث أن المثقف يقوم نفسه بتعلم أمور جديدة كما هو حال القلم عندما يتم بريه. ولطالما استعملت الثقافة في عصرنا الحديث هذا للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات، فالثقافة لا تعد مجموعة من الأفكار فحسب، ولكنها نظرية في السلوكِ مما يساعد على رسم طريق الحياة إجمالا، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب ما من الشعوب.

وعندما نوجه سؤالا الناس حول أهمية الثقافية في حياتهم، ونطرح السؤال بالصيغة التالية، هل تعتقد أن الثقافة أهم من السياسة أم العكس صحيح؟، أو هل الثقافة تتفوق على الاقتصاد والتخطيط لبناء الدولة أما العكس هو الصحيح، فالنتيجة من حيث الأهمية سوف تكون لصالح السياسة والاقتصاد، وربما تكون الثقافة في أسفل قائمة الأهمية، وقد نحصل على النتائج نفسها اذا ما قمنا بتوجيه السؤال الى النخب السياسية والاقتصادية وغيرها.

لماذا ينظر هؤلاء الى الثقافة على أنها (بلا دور)، أو ان دورها ثانوي مساعد، أو انها بلا تأثير يُذكر في مجال البناء المجتمعي او السياسي وحتى الاقتصادي، لا تقتصر هذه الرؤية على عامة الناس، حتى النخب لا تعطي للثقافة دورها الحقيقي، فالسياسي العامل في حقل السياسة لا ينظر للثقافة على أنها صاحبة القدح المعلّى في مجال تطوير المجتمع، وقد ينطبق هذا الرأي على الخبير الاقتصادي او عالم الاجتماع او حتى بعض المفكرين، هناك من هذه الطبقة من لا يعبأ بالدور الكبير للثقافة في بناء الدولة والمجتمع.

وثمة مشكلة معروفة في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بنظرة النخب الى الثقافة، فهناك كثيرون ممن ينتمون الى طبقة القيادات، في الفكر والعمل، يعلنون في كتاباتهم او حواراتهم او تصريحاتهم، بأن الثقافة تتصدر المجالات الاخرى من حيث القدرة على بناء الدولة المجتمع، وتسهم في زيادة الوعي، وتمهد الأجواء لتحقيق التغيير الأمثل، وهؤلاء يقولون علنا أن السياسي يجب أن يكون مثقف، وكذلك الخبير الاقتصادي، ينبغي أن تكون لدية خبرة ثقافية ايضا تقف الى جانب خبرته الاقتصادية حتى ينجح في اداء مهامه.

دور الخبير الاقتصادي المثقف

ولكن ما يحدث لا يعدو كونه كلام لا أكثر، أي عندما نأتي على التطبيق، سوف نلاحظ أن السياسي يهتم بالسياسة أضعاف المرات اكثر من اهتمامه بالثقافة والقراءة والاطلاع على العلوم السياسية وهي تدخل ضمن تخصصه وتجعله اكثر قدرة على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرارات الصائبة، لكنه في الحقيقة يهمل الثقافة، ولا يعبأ بمضاعفة اطلاعه ووعيه، الأمر الذي يجعل منه قائدا سياسيا غير مثقف، ولا يمتلك الوعي الذي يدعم قدراته في العمل السياسي.

في المجال الاقتصادي، هناك حاجة الى خبراء اقتصاديين مثقفين، اذ لا يمكن للاقتصادي غير المثقف أن ينجح في مجال عمله، حتى لو كان لا علاقة له بالثقافة على نحو مباشر، فالثقافة شيء والاقتصاد شيء آخر لاسيما في المجال العملي، ولكن مع ذلك المطلوب هو الاقتصادي المثقف الواعي وليس الاقتصادي عديم الفكر والثقافة، فالأخير سوف يسهم بطريقة او اخرى في تدمير المجتمع، فضلا عن تدمير البنى التي يقوم عليها بناء الدولة.

فالثقافة بالنتيجة هي الوعي وتطور رؤية الانسان للعالم وحركة الحياة، والثقافة تعني تطور سبل التعامل المتبادل بين الافراد والجماعات، ونتيجة لتطور الحياة وتعقيدها حدثت تضاربات هائلة في الارادات والمصالح الفردية والجماعية مما دفع الافراد والجماعات الى حالة من الطمع والجشع والاستحواذ على حقوق الأضعف منهم، بغض النظر عن السبل المشروعة في هذا المجال، فالمهم لدى هؤلاء هو ضمان اكبر قدر من الأموال بغض النظر عن مشروعية التعامل للحصول عليها.

وهكذا عندما يكون الاقتصادي واعيا مثقفا عارفا بحقوق الآخرين فإن الامر في هذه الحالة سوف يكون اكثر وضوحا لديه، لذلك ليس هنالك خشية من الاقتصادي المثقف الواعي كونه يحمل مبادئ ووعي يمنعه من التجاوز على حقوق الاخرين، من هنا فإن الاقتصادي المثقف، هو الذي ينصف الآخرين ويرفض التجاوز عليهم مهما كانت المبررات، في حين لا يعبأ غير الواعي وغير المثقف بتلك الحقوق.

لقد اثبتت التجارب ان الانسان المثقف هو صاحب أقل الاخطاء في مجال التجاوز على حقوق الآخرين، لذلك هنالك دعوات كبيرة شعبية ونخبوية ايضا تطالب قادة الدول بأهمية أن يكون صانعي القرار السياسي والاقتصادي من الطبقة الواعية المثقفة التي تحترم القواعد العملية والادارية وتؤمن بالدستور ودولة المؤسسات اكثر من غيرها.

تأييد الثقافة لا يكفي

في كتاباتهم وحواراتهم وتصريحاتهم، يعلن المنتمون النخبة من القادة السياسيين والاقتصاديين، أنهم مع تطوير الثقافة شعبيا، كون الثقافة تصنع شعبا واعيا، ثم ينعكس ذلك بصورة سريعة على بناء الدولة، ولكن هذا التأييد وحده لا يكفي، فالمطلوب أن يرافق تأييد الثقافة عمل يسعى الى نشرها بصورة فعلية بين افراد المجتمع، ونشر الثقافة والفكر تعني مضاعفة الوعي لدى الجميع، وهذا يعني خلق فرص افضل للتغيير.

معظم السياسيين يعلنون انهم مع الثقافة والمثقفين وكذلك معظم الاقتصاديين يتخذون الموقف نفسه من الثقافة والمثقفين، وهؤلاء يعرفون تمام المعرفة، ان السياسة بلا ثقافة تبقى عرجاء ولا يمكن أن تخطو بصورة سليمة الى الامام، فالنصف الثاني المكمل للسياسة الناجحة هو الوعي وترسيخ الثقافة في المجتمع وفي السلوك الاداري المثقف والمنضبط في ادارة الدولة، وربما ينطبق الشيء نفسه على الاقتصاد، فالثقافة تجعل من الاقتصاد اكثر نجاحا وتطورا.

ما المطلوب من النخب لك يتم تطبيق أهمية الثقافة في مجالات حياتنا العملية، كي يكون تأثيرها عابرا للكلام الخالي من الفعل، فالجميع يقول ان الثقافة مهمة ومطلوبة، ولكن عندما يصل الامر الى الفعل، اي الى اهمية الاهتمام بالثقافة والفكر والمفكرين، ينسحب السياسي والاقتصادي من موقفه العملي الداعم للثقافة، ويبقى الكلام وحده في الساحة، وهذا لا يقود الى تطوير دور الثقافة في بناء الدولة والمجتمع.

فالمطلوب اذاً هو الاهتمام الحاسم بجعل الثقافة حاضرة في الفعل السياسي والاقتصادي، بل حاضرة وموجهة لجميع مجالات الحياة الاخرى كالتعليم والصحة والأمن وما شابه، اذ لا فائدة من رجل امن خير مثقف، او قاضي لا يتقن الحقوق ولا يحمل فكرا وثقافة متوازنة، ولا خير في سياسي نصف مثقف او عديم الثقافة، وكيف يمكن أن نحصل على كادر تعليمي او تربوي جيد من دون ان يكون كادرا واعيا مثقفا؟؟.

وهكذا مطلوب أن تأخذ الثقافة دورها في مجالات الحياة كافة ليس بالقول فقط، بل بالدعم الفعلي لها والاهتمام الحقيقي بها من لدن الساسة والاقتصاديين وجميع النخب الفاعلة في الدولة والمجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0