بعد تجاوز مرحلة حكومات الانقلابات العسكرية، والبدء في بناء دولة المؤسسات التي تتيح وترسخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، كان الجميع يتوقع حصول تحسن هائل في مجالات الحياة العراقية كافة، وخاصة في مجال التعليم والتربية ورفع المستوى الثقافي للشعب، فالتدهور الذي لحق بالتعليم في ظل الأنظمة الدكتاتورية، كان أمرا متوقعا في ظل انشغال تلك الحكومات بحماية السلطة والعروش والامتيازات، فلم يكن الحاكم معنيا بالتعليم بصورة حقيقية، لأن الشعب المتعلم والمتطور، لا يقع ضمن أولويات الحكام ولا يقع ضمن اهتماماتهم.

لذلك كان من المتوقع بعد نيسان 2003 أن يجد قطاع التعليم رعاية من نوع آخر واهتمام متواصل، وكنا قد أكدنا في كتابات سابقة، على وجود الظواهر السلبية في العملية التربوية بالعراق، وأشرنا الى وجود بعض مظاهر العنف ضد الطلبة من لدن الكادر التدريسي، مع تفاقم الفساد الاداري والمالي في القطاع التعليمي، ثم تداول الرشى كظاهرة تنخر في بنية التربية والتعليم، وجميع هذه المؤشرات ليست طارئة ولا جديدة على الواقع التعليمي بل، كانت لها بدايات تمتد قديما الى عقود مضت، لذلك ليس مستبعدا أن نجدها حاضرة اليوم في التعليم بمراحله كاف، لتعيث بها فسادا.

من مؤشرات الفساد التي اجتاحت العراق في المرحلة الجديدة، ظاهرة تسريب الأسئلة للطلبة، حيث وصل الفساد الى هذا العمق الخطير، فبعد أن كانت عمليات الامتحان تُدار بطريقة نموذجية في العراق من حيث السيطرة على وحدة الامتحانات والتعامل بصرامة وحزم مع الغش بكل انواعه، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه بتسريب الأسئلة تحت اية ظروف كانت، باتت هذه الظاهرة منتشرة ومتواجدة في المراحل المختلفة لا سيما الامتحانات الوزارية، في نهاية المرحلة الاعدادية على وجه الخصوص.

ولنا أن نتصور حجم الألم الذي يصاب به الطالب الذي درس بجدية وبذلك جهدا عظيما في الدراسة، ليأتي غيره من الطلبة ويقطف الثمار الأفضل، لمجرد انه استطاع امن يحصل على الاسئلة بطريقة او اخرى، فقد أثارت مثل هذه الظاهرة مخاوف جدية بين الطلاب، وادت الى حالات انتحار وإن كانت فردية بين بعض الطلاب.

مشكلة الأمية في العراق

كذلك هناك حالة اخرى أساءت للطلبة وهي طبيعة أسئلة الدروس بشقيها العلمي والانساني، حيث تأتي الاسئلة جامدة في غاية الصعوبة، وفيها نسبة كبيرة اسئلة من خارج المناهج المقررة لمعظم الدروس، حينها يترك عدد كبير قاعة الامتحان بمجرد استلامهم ورقة الاسئلة بسبب مفاجأتهم بأسئلة من خارج المنهج، أو ان الاجوبة تكون غير ضامنة لدرجة الامتحان، ولا نعرف لماذا يتم استخدام مثل هذا الاسلوب في وضع اسئلة الدروس لاسيما العلمية منها.

ولا شك ان مثل هذا الظواهر تتسبب في مضاعفة حالات الفشل الدراسي، وضعف التعليم، فقد ورد في مصادر ومنظمات ومواقع مختلفة أن التعليم في العراق عانى الكثير بسبب ما تعرض له البلد من حروب وحصار وانعدام في الأمن، حيث وصلت نسبة الأمية حاليا إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ التعليم الحديث في العراق، وتحاول الحكومة العراقية الحالية تدارك هذه الأزمة، بعد أن خصصت 10% للتعليم من ميزانيتها السنوية.

ولكن مع ذلك أثرت حالات الفساد بصورة كبيرة على النتائج المقبولة لعملية التعليم، حيث تسود بعض الظواهر التي تسيء للتعليم، ويتحمل مسؤولية ذلك الوزارات المعنية، والجهات الرسمية، بالاضافة الى المؤسسات والمديريات التي تتصدى لمهمة ادارة العملية التعليمية والتربوية.

من هنا لابد من التشديد على من يقوم بإدارة التعليم في البلاد، بأهمية رصد حالات الفساد ومعالجتها بصورة فورية، إذ لا يجب السماح بتفاقم الوضع نحو الأسوأ، وهذه مهمة الحكومة العراقية أولا، والوزارات المعنية بالتربية والتعليم، خاصة أننا جميعا نتفق على أن بناء الدولة العراقية القوية، يستدعي أولا بنية تربوية تعليمية معافاة وسليمة من العاهات والظواهر المنحرفة، ولا يمكن أن يتطور النظام الديمقراطي ويستقر، ما لم يدعمه نظام تربوي تعليمي راسخ، قائم على أسس علمية رصينة، كما لوحظ ذلك في الدول والمجتمعات التي سبقتنا في هذا المضمار، ومنها على سبيل المثال الدول التي تتصدى اليوم لقيادة العالم..

ضعف الأجهزة الرقابية للتعليم

ويقال أن الديمقراطية والتعليم المتطور مترابطان بصورة محكمة، فلا يمكن أن تعثر على احدهما من دون الآخر، أي ان التعليم السيئ ستجده في الانظمة الفردية، ويصح العكس طبعا، لذا لابد أن تتنبّه الحكومة الى هذه النقطة المحورية التي تستدعي تقديم الاهتمام اللازم بهذا الجانب وفقا لمعالجات علمية عملية بالغة الدقة، واذا كانت الحروب وأزمات النظام الشمولي تقف وراء تدهور التعليم بعد 1991، فإن النهوض بهذا القطاع ينبغي أن يحدث ابتداءً من نيسان 2003، لكن العكس هو الذي حدث لاسباب كثيرة لا ينبغي أن تستمر قط، ومنها تلك المؤشرات التي ذكرناها فيما سبق من القول، ومنها بل واخطرها ظاهرة تسريب اسئلة امتحانات المراحل المنتهية، او ما تسمى بالامتحانات الوزارية، وقد أظهرت كثير من النسب والارقام خطورة النتائج لمراحل التعليم المختلفة في العراق، والاسباب معروفة لمن يهمه الامر.

ولكن الخلل في عدم وضع خطوات الرقابة الصحيحة على كيفية تسريب الاسئلة، وعلى ادارة العملية التعليمية بأكملها، وقد أظهرت ارقام دقيقة نسبة الهبوط والتردي في النتائج، بحيث أن تلك الارقام تدلل دون ادنى شك على هشاشة القطاع التربوي التعليمي، وعدم جدية الجهات الرسمية المسؤولة على معالجة الظواهر السلبية، كالعنف ضد الطلبة، حيث يبدي الكثير من الطلبة لاسيما الصغار في المرحلة الابتدائية تخوفهم من التعامل العنيف كالضرب وما شابه، فيما تتفاقم الرشوة، الامر الذي يدل على ضعف قاعدة هذا القطاع الحيوي على الرغم من بذل الجهود في هذا الاتجاه، حيث تم زيادة رواتب المدرسين والمدربين المهمشين في فترة حكم النظام السابق. نظراً لقلة الدعم للتعليم في فترة ما قبل عام 2003، حيث ظهر أن ما يقارب الـ 80% من نسبة المدارس العراقية 15000 مدرسة بحاجة لإصلاح ودعم للمنشآت الصحية بها، كذلك قلة المكتبات والمختبرات العلمية في هذه المدارس، ومما أخفق به التعليم في العراق في هذه الفترة تزايد الرشوة وعدم وجود كهرباء ولا ماء في المدارس وفي المنشآت التربوية والتعليمية، ما يعني أن هنالك ضعف كبير في البنى الساندة للتعليم كالصفوف وقاعات الدرس والمختبرات وما شابه.

ولا ننسى ان هناك طبقة بيروقراطية في قطاع التعليم لا تزال متواجدة فيه، وتتحكم بصورة فعلية بهذا القطاع، ومع أن الخطوات الاجرائية تبدو سهلة، لكنها تبقى مرتبطة بالنظام الاداري الفاسد الذي يحاول المستفيدون منه ماليا، أن يبقوا عليه كمنهج اداري أوحد من اجل الاستفادة المادية القصوى، لذلك على الحكومة والجهات المعنية أن تعمل بجدية والتزام على محاربة المنظومة البيروقراطية التي تعشش في قطاع التربية والتعليم، من اجل بناء الركيزة الاساسية لبنية تعليمية قوية وراسخة في العراق، تكون قادرة على الاسهام بصورة جادة وفعلية في بناء الدولة المتطورة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0