في الثالث الابتدائي، كنت أجلس الى جانب صديقي (جاسم)، كلانا نجلس على مقعد مدرسي واحد مصنوع من الخشب، كنا نتشابه بالعمر، ونختلف بالجسم، هو ضخم قياسا لي، وملامح وجهه تشي بعمر كبير، كان شكله يميل للعنف، لكنه طيب القلب، رحيم، له قلب يشبه قلوب الأمهات، إلا عندما يغضب أو يتعرض للاستفزاز، عند ذاك يتحول الى شخص آخر عنيف الى درجة مخيفة، معلم العلوم كان لا يرتاح لصديقي لسبب نجهله، كان المعلم متحاملا عليه بلا سبب واضح.

كان هذا المعلم يباعد بيني وبين صديقي بلا سبب واضح، فيطلب مني أن أنتقل الى مقعد آخر، ويطلب من طالب آخر أن يجلس الى جانب جاسم، ويبدأ المعلم يقارن بين الاثنين، أي بين جاسم والطالب الآخر، وكان يتحدث عن النظافة في درس العلوم، فيقول المعلم مخاطبا الطلاب في الصف، إن النظافة مهمة للانسان، فملابسه يجب ان تكون نظيفة، ووجهه كذلك يجب أن يكون مغسولا بالصابون، ثم أشار الى جاسم والطالب الذي جلس الى جانبه بدلا مني، وقال، لاحظوا نظافة هذا الطالب، وأشار للطالب وقال، ملابسه نظيفة بيضاء وشعر رأسه نظيف أيضا، أما ملابس جاسم فهي غير نظيفة وشعر رأسه كذلك، لاحظوا كيف يلتصق به الذباب بسبب عدم نظافته!.

ومنذ ذلك اليوم ترك جاسم المدرسة، لم يدخل الصف مطلقا، أخذت صديق آخر لي وذهبت الى بيت جاسم كي اقنعه بالعودة الى جانبي في المقعد الدراسي، لكنني لم اجده في البيت، قالت لي امه، لقد حصل على عمل في أحد المطاعم ونسي المدرسة تماما، لا أظن أنه سيعود مرة أخرى بسبب ذلك المعلم، لم احاول مرة أخرى، عشت مع جاسم ثلاث سنوات، ورغم أننا اطفال، لكنه كان عنيدا ويعتد بنفسه، لقد جرحه المعلم وأهانه، ولن يعود للصف مرة اخرى، المشكلة ان المعلم نفسه لم يكن نظيفا، انه يدعو للنظافة ولم يلتزم بها.

النظافة في خبر كان

نعم هناك من يدعو الى النظافة ولا يلتزم بها، وهناك من يدّعي النظافة في القول، لكن عندما يتعلق الامر بالافعال فإن النظافة تغدو في خبر كان!!، بمعنى أن من الناس من يدّعي النظافة بل ويدعو لها، لكن حين تلاحظ سلوكه وحياته الخاصة والعامة، سترى انه بعيد كل البعد عن النظافة، وهو يتعامل مع هذا الجانب وفق حالة عدم الاهتمام واللامبالاة التامة، إذ لا تعنيه النظافة من بعيد او قريب على الرغم من انه يدعو للنظافة بالكلام فقط مثل صاحبنا معلم العلوم.

واذا كان الامر يبدو أقل فداحة فيما يتعلق بالنظافة الخاصة، أي ان الانسان يحاول أن يحافظ على جسده وملبسه ومأكله ومشربه ومسكنه، لكننا نجد ان هذا الانسان الذي يحافظ على نظافته الشخصية، يتعامل مع النظافة العامة بطريقة مختلفة تماما، وهي طريقة الاهمال واللامبالاة، مثال ذلك، من المشاهد اليومية التي نراها تحدث يوميا في قارعة الطريق، أن الشخص الفلاني ومعه زوجته واطفاله يركبون سيارتهم الفارهة الحديثة، وهم يضحكون ويشربون العصير وقناني الماء وما شابه، وما أن ينتهوا من تناولهم العصير حتى تبدأ القناني الفارغة بالقفز من السيارة الى الشارع العام، دون أن يثير هذا المنظر المتخلف حفيظة الاب او الام بل الاسوأ من هذا ان الاب والام قد يكونا أول من يقذف بالقناني الى الشارع امام انظار الاولاد، ترى ماذا سيفعل الطفل وهو يفتح عينه على أبوين من هذا النوع؟، وماذا يمكن أن يكون قدر الطلاب في ظل معلم كمعلم العلوم الذي سبق ذكره.

أن الدعوة للنظافة ينبغي أن يرافقها التزام بذلك، فلا يصح أن ندعو الآخرين لشيء ما ونحن لا نلتزم به، هذه الامور تدل على عدة مؤشرات، أولها عدم اعتبار النظافة مهمة في حياة الناس، اما بقصد مسبق او بمنهج سلوك خاطئ، او بسبب اللامبالاة التي تسيطر على عقول وسلوكيات الفرد والمجتمع، لهذا فإن الاب والام عندما يقذفان القناني الفارغة للعصائر من نافذة السيارة وهي تسير في الشارع العام، لا يشعران انهما ارتكبا اي خطأ يذكر، وهذا الخطأ في السلوك ينتقل لا اراديا الى الابناء، وهكذا نشاهد ان هذه الظاهرة منتشرة بصورة ملحوظة في مجتمعنا، وهناك أسباب لانتشارها، منها أن الكثير من الاشخاص يدعون الى النظافة ولا يلتزمون بها في بيوتهم، أو أنفسهم او حتى في الأماكن العامة.

التشريعات القانونية لفرض السلوك النظيف

نعم يوجد في المجتمع من يدعو لبعض الأمور الجيدة في القول، وعندما يأتي الدور الى العمل لا يلتزم بما يقول او يدعو له، قد نلاحظ مثل هذه الافعال في مجتمعات متقدمة، ولكنها نادرة جدا، لاسباب كثيرة، أهمها أن المواطن في تلك المجتمعات يؤمن بالنظافة كمنهج حياة وسلوك يلتزم به بصورة لا ارادية، أي انه مشبع بهذا السلوك، ومع هذا الايمان الجماعي للمجتمع المتقدم بالنظافة، هناك تشريعات قانونية قوية تردع من يزدري بالنظافة ردعا فوريا، عن طريق التغريم المالي الفوري، أو حتى الحجز، وهذا الاجراء القانوني لحفظ النظافة العامة وتكريسها، نجده في اكثر المجتمعات تقدما وارتقاءا، فيما نلاحظ انه غائب تماما في المجتمعات المتخلفة، في بلدنا لا توجد جهات تحاسب من يسيء الى الأمكان العامة ويرمي النفايات في غير الأمكان المخصصة لها كالحاويات.

ان هذه التشريعات موجودة في القانون العراقي، ولكنها باتت حبرا على ورق، او قوانين مع وقف التنفيذ، لكن في السابق كانت هذه القوانين تطبق على المواطنين بصورة فورية، مثال ذلك، حين كان احد المشاة يعبر الشاعر من مكان غير مخصص للعبور وهو المكان الملوَّن بخطوط بيض متوازية، فإن رجل المرور يوقفهُ فورا ويحاسبه على هذا الخطأ، ويغرمه مبلغا من المال، يدفعه فورا، أو يقوم الشرطي بحجزه حتى يدفع ما بذمته للحكومة، ومع استمرار هذا التطبيق القانوني المعمول به في أرقى المجتمعات، تعلّم الناس العبور من الاماكن المخصصة، الامر نفسه يمكن تطبيقه فيما يتعلق بالنظافة العامة، أما النظافة الخاصة، فإن مصدرها الاول هو المحيط العائلي، لذلك فإن الاب والام هما المسؤولان اولا عن نظافة الابناء والبيت وما شابه، لتصبح النظافة ظاهرة او حالة مجتمعية يلتزم بها الجميع.

قد ينظر كثيرون الى الاهتمام بهذه الامور على انها مبالغ بها، وقد يظنها البعض غير ذات اهمية، لكن كل الحقائق والوقائع تؤكد على ان النظافة الفردية والعامة، من أهم الأمور السلوكية التي تساعد على بناء مجتمع متطور يعي أهمية النظافة وقيمتها، من هنا لابد من تعاون المنظمات المعنية والجهات الحكومية والتربوية والدينية، فيما يخص تكريس منهج النظافة بين عموم طبقات وشرائح المجتمع، ويجب التركيز على الاخطاء التي تبدو وكأنها فعل بسيط لا يستحق الاهتمام، مثل قذف الاشياء المختلفة من نوافذ السيارات الى الشارع، وهنا يجب ان يتفاعل الجهد التثقيفي على اهمية النظافة من لدن الجهات ذات العلاقة، بالتزامن مع اتخاذ المراجع الحكومية اجراءات قانونية رادعة تحد من حالة اللامبالاة التي تتلبس الكثير من افراد المجتمع، فتكون الأكثرية غير ملتزمة بالنظافة، على الرغم من معظم الناس يعرفون يرددون الحديث الشريف (إن النظافة من الايمان).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0