استطيع فعل اي شيء وكل شيء، هكذا احدث نفسي، فانا حر في اقوالي وسلوكي.. هل انا فعلا قادر عل فعل كل شيء؟

لا أستطيع التردد في الاجابة ب (لا) كبيرة، وهذه ال (لا) انظر اليها من خلال الاثار والنتائج المترتبة على اقوالي وافعالي وسلوكي، والتي لايمكن ان تغادر تلك الثلاثية والتي هي (الشرع – العرف – القانون) والتي قد يختلف ترتيب ورودها في حضارات وثقافات اخرى، الا انها موجودة..

سؤال الحرية سؤال وجودي ازلي، يجيب عنه الانسان دوما من خلال افعاله وسلوكه داخل مجتمعه، بغض النظر عن درجة وعي ومعرفة هذا الانسان، وكأنه يسترشد بفطرته وهو يتجه صوب الحرية التي ليس لها من ضفاف واضحة المعالم الا من خلال تلك الثلاثية التي ذكرناها، والتي يجمعها تسمية واحدة وهي المسؤولية الاخلاقية.

يعتقد كثيرون من الناس، ولافرق في هذا بين مجتمعات شرقية او غربية، ان الحرية مطلقة لاحدود لها، وبالتالي فان افعالهم وسلوكهم لاتصدر الا عن ذواتهم الحرة، الا ان مثل ذلك القول يصطدم بحريات للآخرين يحرصون على التصرف بها ومن خلالها، ولكن ضمن حدود تفترضها المسؤولية تجاه حريات الاخرين والالتزام بعدم انتهاكها..

قد يجادل البعض، ومن منظور اسلامي، ان الحرية لها صفة الاصالة في الانسان، وهو صحيح، لكن تلك الاصالة ليست مطلقة اذ يحدها الواجب والالتزام تجاه الذات اولا وتجاه الاخرين ثانيا عبر قواعد شرعية واخلاقية، لايمكن للمسلم تجاوزها، وهذا الالتزام هو قمة الحرية..

لاتوجد مدرسة فلسفية لم تنشغل بمفهوم الحرية والمسؤولية، والتي تعددت من خلالها الطروحات التي تناولها فلاسفة تلك المدارس..

ففي أطروحة اسبينوزا، افعال الانسان ليست حرة وارادية، وفي أطروحة ميرلو بونتي، أن الإنسان كائن موضوعي موجود في العالم وموجود مع الآخرين فهو من جهة محكوم بعوامل نفسية واجتماعية وتاريخية، وفي نفس الوقت يستطيع تغيير اتجاه حياته بشكل حر وإرادي. فتلك العوامل النفسية أو الاجتماعية وغيرها ليست ضرورية أو حتمية و إنما هي عرضية أو طارئة يمكنها أن تكون أو لا تكون بينما الحرية الفردية فقد تغير اتجاه حياة الفرد إلى اتجاه لآخر يختاره بمحض إرادته.

فرويد ودوركايم أنكرا الحرية التي كان سارتر قد نسب للإنسان من خلالها القيام بأفعاله دون قيد او شرط، ، وأكدا على خضوع الإنسان لحتميات نفسية أو اجتماعية.

وإذا كان ديكارت قد اعتبر بأن مجال ممارسة الإنسان هو مجال المعرفة باعتباره المجال الذي يمكن للإنسان أن يصدر فيه أحكاما حرة ودون إكراه، فإن كانط، على عكس ذلك، فقد اعتبر أن مجال ممارسة الإنسان لإرادته الحرة هو المجال الأخلاقي، فالإنسان حسب كانط كائن عاقل يستطيع، اعتمادا على إرادته الحرة، وضع مجموعة من القوانين والقواعد لجميع أفعاله فيخضع لها ويلتزم بها. فالإنسان في نظره لا يعمل إلا في أحضان فكرة الحرية وهو بهذا حر من وجهة النظر الأخلاقية، ومن ثم يمكن أن ينسب لكل كائن عاقل له إرادة فكرة الحرية بشكل ضروري.

من خلال الحرية والمسؤولية الاخلاقية المترتبة على الاثار والنتائج للفعل الحر، يمكن مقاربة ما قامت به الصحيفة الفرنسية وردود الافعال نحو ذلك الفعل..

فالصحيفة رغم بؤس الرسوم قد انتهكت حدود المسؤولية الاخلاقية، دون النظر الى حريات الاخرين المختلفين عنها وعدم انتهاكها، بالمقابل انتهك من قام بفعل القتل المسؤولية نفسها..

يمكن ان نورد مثلا للفعل والفعل المقابل له من خلال مثل من السيرة النبوية الشريفة، وهو تحديدا يوم فتح مكة، حيث نادى المنادي من المسلمين بانه يوم الملحمة، ناظرا الى خلفية من المطاردة والتعذيب والانتهاك التي اوقعها جمهور مكة ضد المسلمين في بداية دعوتهم، لكن الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) وهو تتردد في اذنيه اصداء تلك الصيحات من اشراف مكة ورجالاتها (صبأ محمد – انه ساحر – انه مجنون) لم يلتفت الى تلك الاصوات واطلق قولته الشريفة على لسان ابن عمه علي بن ابي طالب (عليه السلام) اليوم يوم المرحمة..

ما قام به من حسبوا انفسهم مسلمين، هم اتباع تلك القراءة المتعجلة للواقع المكي يومها، يوم الملحمة، وليست القراءة المتأنية للواقع نفسه، يوم المرحمة..

انتصر محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بمرحمته، ولم ينتصر المسلمون حتى اليوم رغم كثرة ملاحمهم..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1